
المحكمة الاتحادية أمام اختبار احترام المدد الدستورية.. ردع التعطيل أم شرعنته؟
المستقلة/- تتجه الأنظار في بغداد إلى المحكمة الاتحادية العليا بوصفها الحلقة الأكثر تأثيراً في الجدل المتصاعد حول المدد الدستورية المرتبطة بانتخاب رئيس الجمهورية، بعد أن طلبت رئاسة مجلس النواب تفسير المادة الخاصة بالاستحقاق، على خلفية تعذّر عقد جلسة مكتملة النصاب واستمرار التأجيل بحجة عدم تحقق “النصاب الموصوف”. ومع اتساع مساحة التعطيل السياسي، بات السؤال الذي يفرض نفسه: هل ستتجه المحكمة إلى قرار يردع التأخير ويُلزم البرلمان بمسار واضح، أم إلى تفسير مرن يُفهم على أنه شرعنة غير مباشرة للتعطيل؟
الطلب البرلماني جاء في لحظة حساسة تتداخل فيها الاعتبارات القانونية مع موازين القوى داخل المجلس، إذ يبرز خلاف جوهري حول طبيعة المهلة الدستورية المحددة لانتخاب رئيس الجمهورية بعد انعقاد الجلسة الأولى. وفيما يتمسك فريق بأن النص يرسم مدة زمنية واضحة ينبغي احترامها، يرى آخرون أن الإشكال ليس في النص بل في واقع تعطّل النصاب، ما يدفع إلى التساؤل عن مدى قدرة المحكمة على معالجة أزمة سياسية بأداة تفسير قانوني.
في النقاش الدائر، يبرز اتجاه قانوني يصف مهلة انتخاب الرئيس بأنها “تنظيمية” وليست مُرتّبة لجزاء مباشر، أي إن تجاوزها يُعد مخالفة لكنه لا يسقط حق مجلس النواب في إنجاز الانتخاب لاحقاً. ويستند هذا الرأي إلى مبدأ استمرارية عمل مؤسسات الدولة وتجنب الفراغ الدستوري، مع التأكيد على أن المنصب لا يُترك شاغراً وأن استمرار أداء المهام يبقى قائماً إلى حين انتخاب البديل. أنصار هذا الاتجاه يحاججون بأن المحكمة، بحكم دورها، لا تتوسع في فرض عقوبات غير منصوص عليها صراحة، بل تضع تفسيراً يضمن سير الدولة ويمنع انهيار المسارات الدستورية.
في المقابل، يرفض منتقدون هذا المنطق، معتبرين أن وصف المدة بـ”التنظيمية” قد يتحول إلى مخرج دائم للتهرب من الاستحقاق، ويحوّل النصوص إلى توصيات قابلة للتأجيل وفق رغبة الكتل. ويذهب هؤلاء إلى أن مرونة المحكمة في اللغة أو الاكتفاء بعبارات عامة قد تمنح القوى السياسية مساحة أوسع للمناورة، ما يعني عملياً أن التعطيل قد يصبح أداة تفاوض مشروعة، لا خللاً يفترض تصحيحه.
ويتضاعف هذا الجدل بسبب حساسية “السوابق التفسيرية” في التجربة العراقية، إذ يستحضر كثيرون تفسير “الكتلة الأكبر” بوصفه مثالاً على أن قراراً تفسيرياً واحداً يمكن أن يؤسس لأعراف سياسية تعيش سنوات وتعيد تشكيل قواعد اللعبة. لذلك، فإن أي صياغة تترك باب التأويل واسعاً قد تُقابل بانتقادات حادة، ليس فقط لأنها تؤجل انتخاب الرئيس، بل لأنها ترسم طريقة التعامل مع المدد الدستورية بوصفها قابلة للمساومة.
وبحسب قراءات سياسية وقانونية، فإن خيارات المحكمة تبدو محصورة بين مسارات متقاربة في الشكل لكنها مختلفة في الأثر. المسار الأول أن تثبت المحكمة أن المهلة “تنظيمية” وتؤكد الاستمرارية الدستورية دون إلزام البرلمان بإجراءات محددة، وهو مسار يخفف هاجس الفراغ لكنه قد يُتهم بأنه لا يردع المماطلة. المسار الثاني أن تُقرّ بأن النص مُلزم من حيث المبدأ، مع الإشارة إلى أن الدستور لم يضع جزاءً مباشراً، فتكتفي بتقرير المخالفة والدفع نحو احترام المدد مستقبلاً. أما المسار الأكثر صرامة فهو أن تتجه المحكمة إلى إلزام البرلمان بسلوك إجرائي واضح، مثل إبقاء فقرة انتخاب الرئيس على جدول الأعمال بشكل دائم والدعوة إلى جلسات متعاقبة ضمن إطار زمني قريب، بما يضيّق هامش التعطيل دون الذهاب إلى عقوبات غير منصوص عليها.
سياسياً، لا يقتصر أثر القرار على منصب رئيس الجمهورية وحده، بل يمتد إلى مواعيد تكليف رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة، وإلى صورة النظام السياسي أمام الرأي العام الذي ينظر إلى الاستحقاقات الدستورية باعتبارها مقياساً لاحترام الدولة لقواعدها. وفي ظل مناخ الشكوك، فإن قراراً يُقرأ كغطاء للتأجيل قد يفاقم التوتر ويعمّق فجوة الثقة، فيما قد يؤدي قرار أشد إلى رفع الضغط على الكتل داخل البرلمان، لكنه قد يفتح أيضاً مواجهة سياسية من نوع جديد بين من يريد إلزاماً صارماً ومن يفضل مساحة للتسوية.
في المحصلة، تبدو المحكمة الاتحادية العليا أمام اختبار حساس بين وظيفتين متوازيتين: حماية استمرارية الدولة ومنع الفراغ، وفي الوقت ذاته حماية هيبة النص الدستوري ومنع تحويل المدد الدستورية إلى بند تفاوض. وبين هذين الحدّين، سيُقرأ قرارها المقبل بوصفه إما خطوة باتجاه ردع التعطيل ووضع حد للمماطلة، أو محطة جديدة تُبقي الأزمة مفتوحة تحت غطاء تفسير قانوني قابل للتأويل.





