الكبت النفسي.. عندما يتحول الصمت إلى مرض

خالد رغدان

أخصائي نفسي

المستقلة/-الكبت النفسي ليس قوة كما يظن البعض وليس علامة على النضج أو الصبر المطلق، بل هو عملية نفسية معقدة يحاول فيها الإنسان إبعاد المشاعر والأفكار المؤلمة عن وعيه حتى لا يشعر بألمها، لكن ما يتم إبعاده عن الوعي لا يختفي، وإنما يظل يعمل في الخفاء ويترك آثاره على الجسد والعقل والسلوك.

فالإنسان لا يستطيع أن يلغي مشاعره وإنما يستطيع فقط أن يؤجل مواجهتها وهنا تكمن المشكلة، فعندما يتعرض الإنسان لصدمة، أو خيبة، أو ظلم، أو فقد، أو يعيش في بيئة تمنعه من التعبير عن غضبه أو حزنه أو خوفه، يبدأ العقل باستخدام آلية دفاعية تعرف في علم النفس باسم الكبت (Repression) وهي إحدى الآليات التي وصفها علماء النفس بوصفها وسيلة لحماية الإنسان من الألم النفسي مؤقتًا.

لكن الحماية المؤقتة قد تتحول مع الزمن إلى عبء مزمن، الكبت يشبه تماما شخصا يغلق باب غرفة مليئة بالدخان معتقدا أن المشكلة انتهت، بينما الدخان ما زال ينتشر داخل المنزل كله، المشاعر المكبوتة لا تموت… بل تغير شكلها.

قد تتحول إلى قلق مستمر، أو اكتئاب، أو عصبية زائدة، أو نوبات غضب غير مفهومة، أو أرق، أو صداع متكرر، أو آلام عضلية، أو اضطرابات في الجهاز الهضمي، أو فقدان للاستمتاع بالحياة، دون أن يدرك الإنسان أن جذور كل ذلك قد تكون مشاعر لم تجد يوما مساحة آمنة للتعبير.

ولذلك تشير كثير من الدراسات في علم النفس والصحة النفسية إلى أن الضغوط الانفعالية المزمنة ترتبط بارتفاع معدلات الاضطرابات النفسجسدية، حيث يبدأ الجسد بالتعبير عن الألم الذي عجزت الكلمات عن التعبير عنه ومن أخطر آثار الكبت النفسي أنه لا يؤذي صاحبه وحده، بل يمتد أثره إلى علاقاته.

فالإنسان الذي يكبت حزنه طويلا قد يصبح باردًا عاطفيا والذي يكبت غضبه قد ينفجر في مواقف لا تستحق والذي يكبت خوفه قد يعيش في قلق دائم والذي يكبت احتياجاته قد يشعر مع الوقت بأنه غير مرئي أو غير مقدر، فتتآكل علاقاته بصمت ولهذا فإن المشكلة ليست في وجود المشاعر السلبية فكل المشاعر طبيعية.

المشكلة الحقيقية هي في الطريقة التي نتعامل بها معها.

فالحزن رسالة…

والغضب رسالة…

والخوف رسالة…

وكل رسالة تحتاج أن تُفهم قبل أن تُدفن.

وهنا ينبغي التفريق بين الكبت والتحكم الانفعالي فالتحكم الانفعالي هو أن تشعر بالمشاعر، وتفهمها، ثم تختار الوقت والطريقة المناسبة للتعبير عنها.

أما الكبت فهو أن تتظاهر أمام نفسك قبل الآخرين بأنك لا تشعر بشيء وهذا فرق جوهري، الإنسان المتزن لا ينكر مشاعره بل يديرها، أما الإنسان الذي يكبتها باستمرار فإنه يمنحها فرصة للنمو في الظل حتى تصبح أقوى منه.

كيف نتعامل مع الكبت النفسي؟

الحل لا يبدأ بمحاولة نسيان الألم وإنما بالاعتراف بوجوده فالاعتراف بالمشاعر لا يعني الاستسلام لها، وإنما يعني فهمها ومن الوسائل التي أثبتت فعاليتها:

تخصيص وقت لمراجعة المشاعر بدل الهروب منها.

الكتابة اليومية عن التجارب والانفعالات.

التحدث مع شخص آمن يجيد الإنصات دون إصدار الأحكام.

ممارسة النشاط البدني؛ لأنه يساعد على تنظيم التوتر والانفعالات.

تعلم مهارات التنظيم الانفعالي والتأمل الواعي.

وعدم التردد في طلب المساعدة من مختص نفسي عندما تصبح المشاعر عبئًا يؤثر في جودة الحياة.

إن العلاج الحقيقي لا يقوم على إخفاء الجروح بل على تنظيفها حتى تلتئم وفي النهاية ليس الإنسان القوي هو الذي لا يبكي ولا الذي لا يتألم ولا الذي يخفي مشاعره بإتقان.

القوي حقا هو الذي يمتلك الشجاعة لينظر إلى ألمه بصدق ويفهم رسالته، ثم يحوله إلى نقطة انطلاق نحو حياة أكثر اتزانا، تذكر دائما المشاعر التي نعبر عنها بطريقة صحية تصبح خبرة نتعلم منها، أما المشاعر التي نكبتها فإنها غالبا تعود إلينا بصورة أكثر إيلاما.

زر الذهاب إلى الأعلى