
الروائي أمجد توفيق: لكل شيخ طريقته في رسم معالم رواياته واختيار شخوصها
حاوره حامد شهاب
الحوار مع الروائي الكبير أمجد توفيق له طعم خاص ، فهو يمتاز بعمق التجربة والغوص في أعماق النفس الإنسانية في بعدها الفلسفي والاجتماعي والقيمي والفني والجمالي في كل الروايات التي نسجتها مخيلته والتي نالت ثناء وتقدير النقاد والمهتمين بالشأن الأدبي كونه يهتم بالبحث عن القيم العليا والمضامين الإنسانية الرفيعة من أجل إعلاء شأن الإنسان في صراعه مع تحديات الحياة وأنماط سلوكه وما يختزنه من آمال وآلام وطموحات مشروعة بما يرفع من شأن العمل الروائي في السرد المتخيل حيث يحتل العمل الروائي جانبا كبيرا من الاهتمام لدى القراء والمتابعين للأعمال الأدبية التي يتسع الاهتمام بها هذه الأيام .
وقد أكد الروائي الكبير أمجد توفيق أن التخيل هو البحر الذي يسبح فيه الروائي.. والرواية من وجهة نظره ” عمل إبداعي ناجح ينتج عبر مخيلة عظيمة تبني عالمها الخاص وتمنحه الحياة والقيم بما يضفي على الحياة الحقيقية الواقعية أفقا مفعما بالجمال والقدرة على الفهم”.
وأوضح في حوار مهم للغاية أجريته معه مؤخرا: أن الروائي ليس مؤرخا يحتكم إلى تقاطع المعلومات والأقوال لذلك فهو ينتهي إلى الانحياز لفكرة مسبقة والانحياز لا يولد رواية مقنعة. قيمة الرواية تتحدد عبر عمق وجدة وسعة الخيال الإبداعي لكاتبها.
وأشار توفيق الى أن ” لكل شيخ طريقته.. فثمة روائيون يعتمدون مخططا كاملا لبناء رواياتهم ويرسمون خريطة حركة شخصياتهم وهناك آخرون وأنا منهم كما يقول يمنحون كل شخصية حريتها بما يتيح لها أن تعبر عن دواخلها بدقة دون ارغامها على سلوك أو قول مصمم مسبقا وأجد أن الشخصية الفاعلة المتطورة تتمتع بحرية ناتجة عن وعي الروائي وفهمه لجوهر العمل الإبداعي”.
وبشأن اختيار شخصيات الرواية وسماتهم أوضح الروائي أمجد توفيق “أن سمات أية شخصية روائية نابعة من دورها وسنها وتجربتها وثقافتها وطبيعة الصراع الذي تخوضه داخل الرواية وهي سمات لا تحدد مسبقا على الأغلب بل تنتج من خلال الحركة والصراع داخل العمل لأن ذلك فقط يمنحها القدرة على الاقناع “.
ولفت الى “أن كل الروائيين يرغبون في تحقيق النجاح لعملهم الإبداعي وهم يدركون أن العمل الناجح هو مجموعة تفاصيل ناجحة ومنها طريقة اختيار الشخصيات والأحداث وما ينتج عن ذلك لكنهم مختلفون في الأسلوب مختلفون في التقدير الذي يوصلهم للنجاح ومن المؤكد أن اختلاف التجربة والوعي والثقافة ذو تأثير كبير في هذا التباين”.
وفيما يلي نص الحوار:
- كيف يختار الروائي شخصيات روايته أو أبطالها.. وماهي المراحل التي يمر بها الروائي في اختيار شخصيات الرواية؟
** ليست ثمة وصفة جاهزة لطريقة اختيار الروائي لشخصيات روايته، فلكل رواية عالمها وبيئتها وظروفها وشخصياتها وأحداثها وزمنها، إلى ذلك يكون اختيار الشخصيات نابعا من بنية العمل، ومعبرا عنه، ومتأثرا به. فهناك شخصيات فاعلة متحركة تنمو مع العمل، وهناك شخصيات جامدة أو هامشية لا تشهد تحولات حقيقية مع أحداث الرواية.
- ايهما أكثر صعوبة اختيار فكرة أحداث الرواية أم اختيار بطلها أو شخصياتها المحورية؟
** الرواية الجيدة تنتج فكرتها، وتكون أكثر اقناعا لأن الفكرة ليست مقحمة عليها بل نتجت من تلاقح حقيقي بين الشخصية والحدث والحركة والزمن، أما محاولة تبني فكرة محددة واقحامها في عمل روائي فإني أجدها نوعا من التعسف غير قادر على انتاج قيم جمالية، إذ ينبغي أن يكون ثمة انسجام وعلاقة عضوية بين الفكرة والشخصيات التي تحملها.
- هل الروائي يعد أشبه بعالم نفس أو اجتماع او حتى خبير تربية أجيال وتنمية شخوص عند اختيار تلك الشخوص وتحديد مكانة ما واحدة منها وادوارها؟
** من المهم أن يكون الروائي واعيا لجوهر العمل الذي يقوم به، وكل رواية ناجحة تتوفر على إحاطة من نوع ما بالعلوم والفنون، وعلم النفس تحديدا ذو أثر بالغ في فهم تصرفات الشخصيات وسلوكها في أحداث الرواية، إن الوعي بجدية العمل، واستحضار الإمكانات المطلوبة لتنفيذه ينفتح على معرفة مؤكدة بطبيعة المجتمع، والمعايير التي تتحكم بسلوكه وآرائه.
- المتخيل السردي لأبطال الرواية كم يقترب الروائي من الواقع وكم يبتعد عن تلك الواقعية باتجاه الخيال الأوسع إثارة لكي يرغم قراءه على أن ينهلوا من روائعه الجمالية والفكرية والحكايات المرغوبة؟
** التخيل هو البحر الذي يسبح فيه الروائي، والرواية عمل إبداعي ناجح ينتج عبر مخيلة عظيمة تبني عالمها الخاص وتمنحه الحياة والقيم بما يضفي على الحياة الحقيقية الواقعية أفقا مفعما بالجمال والقدرة على الفهم.
وهناك من الروائيين من اعتمد على سرديات تاريخية، واتجه إلى كتابتها على شكل رواية، وأنا أجد في ذلك قصورا أفهمه على الشكل الآتي: إذا كان الروائي دقيقا وملتزما بالدقة التاريخية، فإنه لا يقدم الكثير، فجهده يتركز على إعادة كتابة ما هو معروف عبر تجنيس روائي، أما إذا أعاد كتابة الواقعة التاريخية بشكل مختلف وتبنى قناعات أخرى، فأقول إن الروائي ليس مؤرخا يحتكم إلى تقاطع المعلومات والأقوال، لذلك فهو ينتهي إلى الانحياز لفكرة مسبقة، والانحياز لا يولد رواية مقنعة. قيمة الرواية تتحدد عبر عمق وجدة وسعة الخيال الإبداعي لكاتبها.
- هل الخروج عن المألوف دوما هو من يعطي للرواية نكهتها ام أن الالتزام بمعايير محددة هو السائد عند كتابة رواية؟
** ثمة أنماط وأنواع وأساليب كثيرة في كتابة الرواية، فثمة من يستخدم الطيور أو الحيوانات ويجعلها تتكلم وتفكر، وثمة من ينحو إلى نماذج شبيهة بما ينتجه الخيال العلمي من مفارقات، وفي كل الأحوال الكاتب حر في اختيار أسلوبه وطريقته، لكن النتيجة والنجاح لا يتحقق إلا عبر ما تمنحه التجربة من قيم جمالية قادرة على خلق تواصل وعلاقة مع القارئ.
- كيف يتعايش الروائي مع أبطال وشخوص رواياته.. هل لديه فكرة مسبقة عندما يرتب مهامهم ويضع لهم تصوراتهم السلوكية والمعرفية التي تخدم بناء الرواية؟
** لكل شيخ طريقته كما يقولون، ثمة روائيون يعتمدون مخططا كاملا لبناء رواياتهم، ويرسمون خريطة حركة شخصياتهم، وهناك آخرون وأنا منهم يمنحون كل شخصية حريتها بما يتيح لها أن تعبر عن دواخلها بدقة دون ارغامها على سلوك أو قول مصمم مسبقا. وأجد أن الشخصية الفاعلة المتطورة تتمتع بحرية ناتجة عن وعي الروائي وفهمه لجوهر العمل الإبداعي.
- هل أن شخصية الروائي تبقى حاضرة في مجمل مضامين أعماله او حتى نمط إختيار شخصياته؟
** تحمل الرواية الأولى الكثير من شخصية كاتبها، بل أنها في أحيان كثيرة تتحول إلى سيرة حياته مع تعديلات تفرضها طبيعة الرواية، أما الروائي المنتج المستمر في تقديم روايات جديدة، فإن تجربته ووعيه تمنحانه القدرة على التحرر من وجوده المباشر في الرواية لمصلحة حركة وتطور شخصيات قد تكون متناقضة داخل العمل.
الرواية تضم شخصيات متنوعة، منها ما تتفق مع شخصية الروائي ومنها ما تتناقض، الواقع الفني هو من يفرض الشخصية ويحدد حركتها وميولها.
- هل هناك تباين يصل إلى حد الافتراق الكلي بين الروائيين في كيفية اختيار شخوص رواياتهم وتحديد أنماط سلوكهم داخل الرواية؟
** كل الروائيين يرغبون في تحقيق النجاح لعملهم الإبداعي، وهم يدركون أن العمل الناجح هو مجموعة تفاصيل ناجحة، ومنها طريقة اختيار الشخصيات والأحداث وما ينتج عن ذلك. لكنهم مختلفون في الأسلوب، مختلفون في التقدير الذي يوصلهم للنجاح، ومن المؤكد أن اختلاف التجربة والوعي والثقافة ذو تأثير كبير في هذا التباين .
- هل يحاول بعض الروائيين تقليد روائيين مبدعين كبار لضمان نجاح أعمالهم. وهل تقليد افكار روائيين كبار مناظرين له هو مضر أم أنه مبرر في بعض الاحيان؟
** أن يقرأ الروائي ويطلع على نتاجات الآخرين ويستفيد من تجاربهم، أمر مشروع ومطلوب، أما أن يقلد فإنه بذلك يفقد أصالته ، فهما كان التقليد بارعا فإنه يكشف هشاشة كاتبه ، وافتقاده جذوة الإبداع .
- ماهي السمات التي يحددها الكاتب على الأغلب لشخوص رواياته. وهل يختارها من شخوص مجتمعه الواقعي أو المتخيل؟
سمات أية شخصية روائية نابعة من دورها، وسنها، وتجربتها، وثقافتها، وطبيعة الصراع الذي تخوضه داخل الرواية، وهي سمات لا تحدد مسبقا على الأغلب بل تنتج من خلال الحركة والصراع داخل العمل، لأن ذلك فقط يمنحها القدرة على الاقناع.
- هل ينحاز الروائي لشخصية دون أخرى في رواياته.. هل يريد أن يضفي على ابطالها نوعا من الاثارة الخارجة عن المألوف لكي يبعد عنها سلوكها التقليدي.. أم كيف ترى شكل العلاقة بين شخوص الرواية؟
** في كثير من الروايات هناك شخصية مركزية ، وهي غالبا ما تقود العمل وتحدد شكله ، ويمكن لها أن تحمل أفكار الروائي ، ومواقفه تجاه الأحداث ، يؤثر في ذلك أسلوب الكاتب ، وطريقته ، هل يختار ضمير المتكلم أثناء الكتابة أم يلجأ إلى طريقة الراوي العليم ، وأرى أن الانحياز الذي يسوغ سلوك ومواقف أية شخصية أمر يضعف العمل ، فالقارئ يميل إلى تكوين رأس مستقل عن رأي المؤلف وهذا من حقه .
- البناء الفكري والفلسفي عندما يكون في الغالب اقرب إلى الاختلاق والفبركة والابتعاد عن الحقيقة هو من يعطي للرواية مكانتها ام ماذا ترى؟
** البناء الفكري أبعد ما يكون عن الاختلاق والفبركة ، ومتى ما كان كذلك فإنه يفقد قيمته بشكل كامل ، وأرى أن الفكر متى ما كان أصيلا فإنه يمنح العمل الإبداعي أهم شيء إنه يمنحه المستقبل . فالرواية ليست تجميعا لحكايات ، وإذا كانت كذلك فإن أمهاتنا وجداتنا أقدر منا على كتابة الروايات . أما الحقيقة فهي مثل الحرباء المتلونة ، ولا أحد يمكن أن يدعي بأنه يمتلكها .
- وهل الروائي يبقى هو المتحكم بسلوك شخوص روايته ام يضطر احيانا الى تقمص ادوار وحكايات ربما تخرج عما كان يريد رسم معالم سلوكها ليكون طباع سلوكها مرغوبا وفيه نكهة تغرب غرور المتتبع عند قراءة الرواية؟
** نعم هناك شخصيات متمردة على سلطة المؤلف ، إنها تبدو غريبة إذا ما وضعت خارج السياق الذي ينبغي أن تسير فيه ، وبذلك فإنها ترغم المؤلف على الانسجام مع حركتها ومواقفها .
لكن المؤلف وإن تخفى بقناع الراوي العليم فإنه يبقى قطب العمل ، وهو المسؤول عنه .
- ما رأيك بما ينشر من روايات عراقية ؟
** أعداد كبيرة من الروايات تطبع كل سنة، وكنت أتمنى أن يحقق الكم نوعا، لكن بقيت الروايات الجيدة نادرة، وهذا ما يؤسف له.
- ما هي ملاحظاتك عنها ؟
** يبدو أن هوسا من نوع خاص أصاب الكثيرين فرغبوا أن يكتبوا الرواية دون أن تتوفر لهم الإمكانيات التي تؤهلهم لخوض تجربة صعبة جدا هي كتابة رواية ناجحة.
فقر في اللغة، أخطاء في الزمن، أحداث غير مقنعة تقترب من ذكريات غادرت زمنها، بناء مرتبك، يقود إلى تكوين قناعة بأن الكاتب يفتقر إلى المعايير الأساسية في فهم هذا الجنس الإبداعي.
مع ذلك فقد اطلعت على روايات جيدة لكتاب شباب، وهم مؤهلون تماما لكتابة روايات أفضل.
- وصفك الناقد ياس الركابي بأنك كاتب الرواية الأول في العراق، وسوغ تقييمه بدراسة نقدية، ما رأيك؟
** أظن أن المناقشة ينبغي أن تتجه للمعايير التي أعتمدها الناقد ياس الركابي ، وقدر تعلق الأمر بي ، فأنا أشكره وهو بصدد نشر كتاب نقدي عن كتابي الجديد ( بد راب) تضم دراسات مهمة جدا ، فهو ناقد جريء وشجاع ..





