
الدينار العراقي ثاني أسوأ العملات العربية أداءً.. ضغوط الدولار تضع السياسة النقدية أمام اختبار صعب
المستقلة/- أثار تصنيف الدينار العراقي ضمن العملات العربية الأكثر تراجعاً أمام الدولار الأميركي تساؤلات واسعة بشأن مستقبل الاستقرار النقدي في العراق، وقدرة البنك المركزي على احتواء الضغوط المتزايدة على سوق الصرف، في وقت يواجه فيه الاقتصاد تحديات مرتبطة بالإيرادات النفطية والإنفاق الحكومي والاعتماد الكبير على الاستيراد.
وتشير البيانات المتداولة والمنسوبة إلى بلومبرغ إلى حلول الدينار العراقي في المرتبة الثانية عربياً من حيث ضعف الأداء، بعد الدينار الليبي، وهو تطور يعكس حجم التحديات التي تواجه السياسة النقدية، لكنه لا يعني بالضرورة أن العراق يمتلك ثاني أضعف عملة في العالم من حيث قيمتها الاسمية.
وتكتسب هذه المؤشرات أهمية خاصة في ظل حساسية الاقتصاد العراقي تجاه تحركات الدولار، نظراً لاعتماد البلاد على الإيرادات النفطية المقومة بالعملة الأميركية، مقابل اعتماد الأسواق المحلية على الاستيراد لتلبية جانب كبير من احتياجات المواطنين.
وبحسب تقرير نشرته «الشرق بلومبرغ» في 19 تشرين الأول 2026، جاءت عملات أربع دول عربية ضمن قائمة العملات الأسوأ أداءً منذ بداية العام. وأوردت تقارير ناقلة للبيانات أن الدينار الليبي سجل تراجعاً بنسبة 15.6%، تلاه الدينار العراقي بنسبة 14.2%. غير أن هذا الترتيب لا يكفي وحده لإثبات أن الدينار العراقي يحتل المرتبة الثانية عالمياً بين جميع العملات.
ويأتي هذا التصنيف بعد القرار الذي اتخذته السلطات العراقية في السابع من تشرين الأول الجاري، بتعديل سعر بيع الدولار الرسمي للجمهور من 1320 إلى 1520 ديناراً، استجابة للظروف الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، ولا سيما الاضطرابات التي أثرت في صادرات النفط عبر مضيق هرمز.
وبموجب التسعيرة الجديدة، حُدد سعر شراء الدولار من وزارة المالية عند 1500 دينار، وبيعه إلى المصارف عند 1510 دنانير، وصولاً إلى 1520 ديناراً للمستفيد النهائي. ويعني ذلك ارتفاع السعر الرسمي للدولار بنحو 15.2%، في حين تبلغ نسبة انخفاض قيمة الدينار المحسوبة بالدولار نحو 13.2%.
ومن الناحية الاقتصادية، يمنح خفض قيمة الدينار الحكومة قدرة أكبر على تحويل الإيرادات النفطية الدولارية إلى مبالغ أعلى بالعملة المحلية، الأمر الذي قد يساعدها على تمويل الرواتب والنفقات التشغيلية والالتزامات العامة. إلا أن هذه المكاسب المالية تقابلها كلفة يتحملها المستهلك، نتيجة ارتفاع أسعار السلع المستوردة وتراجع القوة الشرائية للدخول المقومة بالدينار.
وتبرز خطورة هذا التحول في أن الاقتصاد العراقي يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات، بما فيها المواد الغذائية والأدوية والأجهزة الكهربائية ومدخلات الإنتاج. ولذلك فإن ارتفاع تكلفة الحصول على الدولار قد ينتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والخدمات، حتى في القطاعات التي لا تتعامل مباشرة بالعملة الأميركية.
وفي هذا السياق، حذر خبراء اقتصاديون تحدثوا إلى «الشرق بلومبرغ» من انتقال آثار تعديل سعر الصرف إلى الأسواق المحلية، مع احتمال لجوء بعض التجار إلى رفع الأسعار بصورة احترازية تحسباً لمزيد من التقلبات، ما قد يؤدي إلى زيادات تتجاوز التأثير المباشر لتغير سعر الصرف.
ولا تتوقف التحديات عند السعر الرسمي، إذ يمثل الفارق بين السعر المعتمد لدى البنك المركزي والأسعار المتداولة في السوق الموازية مؤشراً مهماً على مستوى الطلب على الدولار ومدى قدرة القنوات المصرفية الرسمية على تلبية احتياجات السوق.
فكلما اتسعت الفجوة بين السعرين، ازدادت الضغوط على التجار والمستوردين والمواطنين، وارتفعت احتمالات المضاربة والتسعير غير المستقر. وفي المقابل، فإن تضييق هذه الفجوة يتطلب انتظام تمويل التجارة الخارجية، وتعزيز الثقة بالمصارف، وتوفير آليات واضحة للحصول على العملة الأجنبية ضمن الضوابط القانونية.
ورغم هذه الضغوط، أكد البنك المركزي العراقي، عند إعلان تعديل سعر الصرف، أن احتياطياته الأجنبية كافية لتمويل التجارة الخارجية وتسوية معاملات البطاقات المصرفية الدولية وتلبية الاحتياجات النقدية للمسافرين. ويشير هذا التأكيد إلى أن تعديل سعر الصرف لا يعني بالضرورة نفاد الاحتياطيات أو توقف قدرة البلاد على تمويل استيراداتها.
وتكشف التطورات الأخيرة عن مشكلة اقتصادية أعمق تتمثل في ارتباط الاستقرار المالي العراقي بحركة أسعار النفط وحجم الصادرات، مقابل محدودية مساهمة القطاعات الإنتاجية غير النفطية في توفير مصادر مستدامة للعملة الأجنبية.
كما أن الاعتماد الواسع على الإنفاق الحكومي يجعل أي انخفاض في الإيرادات النفطية ينتقل سريعاً إلى الموازنة العامة، ويضع صانعي القرار أمام خيارات صعبة تتعلق بالإنفاق والاقتراض والسياسة النقدية وسعر الصرف.
ومن المتوقع أن يتوقف المسار المقبل للدينار على مجموعة عوامل رئيسية، أبرزها انتظام صادرات النفط، وحجم الإيرادات الدولارية، ومستوى الاحتياطيات الأجنبية، وقدرة البنك المركزي على إدارة الطلب على الدولار، إلى جانب نجاح الحكومة في ضبط الإنفاق وتعزيز الموارد غير النفطية.
وفي حال استمرار الضغوط على الإيرادات النفطية واتساع الفارق بين السعر الرسمي والموازي، فقد تواجه الأسواق مزيداً من التقلبات وارتفاع تكاليف المعيشة. أما تحسن تدفقات الدولار واستقرار الصادرات وتعزيز الثقة بالنظام المصرفي، فقد يساعد على تخفيف هذه الضغوط دون الحاجة بالضرورة إلى تعديل جديد لسعر الصرف.
ويضع تصنيف الدينار العراقي بين العملات العربية الأسوأ أداءً خلال عام 2026 السياسة الاقتصادية أمام اختبار يتجاوز مجرد الدفاع عن قيمة العملة، ليشمل قدرة الدولة على حماية القوة الشرائية للمواطنين وتحقيق التوازن بين متطلبات الموازنة والاستقرار النقدي.
ويبقى السؤال الأهم: هل يمثل تراجع الدينار إجراءً استثنائياً فرضته الظروف الاقتصادية، أم مؤشراً على اختلالات هيكلية تستدعي إصلاحات أعمق في إدارة المال العام والقطاع المصرفي والاقتصاد العراقي؟
وبين هذين الاحتمالين، ستكون حركة الدولار وأسعار السلع ومستوى الإيرادات النفطية خلال الأشهر المقبلة مؤشرات حاسمة لتقييم نتائج القرار وانعكاساته على الاقتصاد والمواطن.
أخبار قد تهمك
تقرير أميركي: رهان واشنطن على الزيدي يتهاوى.. وتحذيرات من عزل العراق ماليا
البنك المركزي العراقي يحسم ملف حوالات التجار ويؤكد استمرار تمويل الاستيرادات بالدولار
العراق في المرتبة 61 عالمياً بمؤشر الجوع لعام 2026.. تحسن بالأرقام وتحديات مستمرة للأمن الغذائي
المدى تكشف صراعاً مبكراً على صلاحيات الزيدي ومفاوضات لاستحداث نواب لرئيس الجمهورية
السفارة الأمريكية تحذر من تطور الاوضاع في الشرق الاوسط واحتمال غلق الاجواء امام الطيران
ارتفاع أسعار الذهب مع انخفاض النفط
تمكين المرأة لصناعة مستقبل الرعاية الصحية في العراق
عصابات في هايتي تستهدف قوات أجنبية في أكبر هجوم منذ بدء عمليات القوة الجديدة
هجوم للحوثيين يوقع 53 قتيلاً في معسكر تدريب تابع للحكومة اليمنية
إصابة النائبة الأسترالية هيلين هينز بجروح خطيرة في عملية دهس “متعمدة”
الجنازات التي لا تُقام: موتى بلا نعوش





