الدولار خارج سيطرة الدولة: من يدير السوق الموازي في العراق؟

المستقلة/ تحقيق استقصائي/- في بلدٍ يمتلك واحدًا من أكبر الاحتياطيات الأجنبية في المنطقة، لا يفترض أن يتحول الدولار إلى مصدر قلق يومي للتجار والمستهلكين، ولا أن يبقى سعره في السوق الموازية أعلى بوضوح من السعر الرسمي الذي تدافع عنه الدولة. لكن هذا هو المشهد العراقي اليوم: احتياطي قوي على الورق، وسوق نقدية مضطربة على الأرض، وقطاع مصرفي لم يستعد بعد ثقة المجتمع ولا قدرته الكاملة على أداء وظيفته الطبيعية. فصندوق النقد الدولي أكد أن احتياطيات العراق بلغت 100.3 مليار دولار بنهاية 2024، لكنه ربط ذلك بتحذيرات واضحة من اختلالات مالية وخارجية ومن الحاجة إلى إصلاح مصرفي ومالي أعمق.

المشكلة، وفق مراجعة هذا التحقيق لبيانات دولية ورسمية وتقارير مالية، ليست نقصًا فوريًا في الدولار بقدر ما هي خلل في الطريق الذي يسلكه الدولار داخل الاقتصاد العراقي: من أين يدخل، وكيف يُوزَّع، ومن يملك القدرة الفعلية على الوصول إليه بسعره الرسمي، ومن يُدفَع دفعًا إلى السوق الموازية. هنا بالضبط تتكشف الأزمة الحقيقية: دولة تملك الاحتياطي، لكنها لا تملك السيطرة الكاملة على السوق.

بداية الانكشاف: عندما تغيرت قواعد الوصول إلى الدولار

منذ أواخر 2022، بدأت الأزمة تأخذ شكلًا أكثر حدة بعد تشديد الرقابة الأمريكية على التحويلات الدولارية الخارجة من العراق، في إطار حملة امتثال مالي مرتبطة بمكافحة غسل الأموال وتهريب العملة والالتفاف على العقوبات، خصوصًا تجاه إيران. هذه الضغوط لم تتوقف عند حد التدقيق، بل تُرجمت لاحقًا إلى استبعاد وحظر مصارف عراقية من التعامل بالدولار. ففي يوليو/تموز 2023 تحدثت رويترز عن منع 14 بنكًا عراقيًا من إجراء معاملات بالدولار، ثم أعلنت في فبراير/شباط 2024 حظر 8 مصارف محلية من التعاملات الدولارية، قبل أن تكشف في فبراير/شباط 2025 عن حظر 5 مصارف أخرى و3 شركات دفع.

هذه الإجراءات لم تصنع الأزمة وحدها، لكنها كشفت هشاشة البنية القائمة. فحين ضاقت القنوات الرسمية للحصول على الدولار، ظهر حجم الاعتماد السابق على آليات سهلة وسريعة لا تشبه عمل البنوك الطبيعي بقدر ما تشبه اقتصادًا يعيش على تدفق العملة الصعبة أكثر مما يعيش على الإقراض والاستثمار وتمويل النشاط الحقيقي. وصندوق النقد أكد أن العراق انتقل إلى نظام جديد يكون فيه تمويل التجارة الخارجية عبر المصارف التجارية وعلاقاتها مع المصارف المراسلة، بدل الآليات السابقة، ورأى أن هذا الانتقال كان ناجحًا من ناحية فنية، لكنه لم يعتبره نهاية للمشكلة.

هل كان القطاع المصرفي جاهزًا أصلًا؟

الجواب الذي تقدمه المؤسسات الدولية يميل إلى النفي. فالبنك الدولي وصف القطاع المالي العراقي بأنه ضعيف الأداء، وأشار إلى أن كثيرًا من المصارف الخاصة لا تؤدي بكفاءة دور الوساطة المالية، فيما يظل النظام المصرفي برمته مهيمنًا عليه من قبل مصارف الدولة. كما توضح أوراق البنك الدولي أن أداء القطاع المصرفي الضعيف يمثل واحدًا من أبرز معوقات النشاط الاقتصادي والاستثمار في العراق.

أما صندوق النقد، فذهب أبعد من ذلك في تقريره لعام 2025، حين شدد على أن العراق بحاجة إلى تسريع إصلاح المصارف الحكومية، وتحسين انتقال السياسة النقدية، وتقوية الامتثال ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ومعالجة اختناقات النظام المالي التي تعيق وصول النقد الأجنبي إلى الأنشطة المشروعة بسهولة وكفاءة. هذه اللغة، في معناها العملي، تعني أن المشكلة ليست فقط في الطلب على الدولار، بل أيضًا في قدرة المؤسسات المالية العراقية على فرز الطلب المشروع عن غير المشروع، وعلى خدمة الاقتصاد الحقيقي من دون خلق بيئة طاردة للتجار والمستوردين.

من هنا وُلدت السوق الموازية الأقوى

كلما زادت صعوبة الوصول إلى الدولار عبر القنوات الرسمية، اتسعت جاذبية السوق الموازية. وهذا ما حدث فعليًا. فحتى مع تثبيت السعر الرسمي، لم تستطع الدولة إنهاء الفجوة مع السوق المفتوحة. بل إن أحدث الأسعار المتداولة في بغداد وأربيل في الأيام الأولى من أبريل/نيسان 2026 أظهرت تداول 100 دولار بنحو 154,550 إلى 155,000 دينار في الأسواق المحلية، أي ما يعادل نحو 1,545 إلى 1,550 دينارًا للدولار الواحد، بينما ظل السعر الرسمي المعتمد من البنك المركزي في نطاق 1,320 دينارًا للبيع الرسمي، مع تثبيت سعر 1,300 دينار للدولار في موازنة 2026.

هذه الفجوة ليست رقمًا فنيًا فقط. إنها هامش ربح يومي، ومجال نفوذ، ومؤشر على أن قوى السوق الفعلية لا تزال أقوى من التسعيرة الرسمية. عندما يستطيع من يملك شبكة وصول أفضل إلى الدولار الرسمي أن يعيد توجيهه أو يستفيد من فارق السعر، تتحول السوق الموازية من سوق طارئة إلى مؤسسة موازية للتسعير والتمويل والربح.

من يدير هذه السوق فعلًا؟

لا توجد، في الوثائق العلنية، خريطة رسمية بأسماء القوى التي تدير السوق الموازية من البداية إلى النهاية. لكن ما هو ثابت أن البيئة التي تغذيها معروفة: اقتصاد نقدي واسع، قطاع مصرفي ضعيف، تدفقات تجارية معقدة، امتثال غير مكتمل، ومناطق رمادية بين التجارة المشروعة والتهريب والتحايل. رويترز ربطت مرارًا بين القيود الأمريكية على الدولار في العراق وبين محاولات منع تهريب العملة إلى إيران ومكافحة غسل الأموال، ما يعني أن ملف السوق الموازية ليس منفصلًا عن شبكات عبر الحدود ومصالح مالية وسياسية أكبر من مجرد صرّافين في الشارع.

لكن التحفظ المهني يقتضي قول ما يلي بوضوح: لا يمكن الجزم، دون أحكام قضائية أو تحقيقات رسمية منشورة، بأن جهة سياسية بعينها “تدير” السوق الموازية مباشرة. ما يمكن إثباته هو أن بقاء هذه السوق قوية ومربحة لا يحدث في فراغ، بل في بيئة تسمح بها وتفشل في تفكيك دوافعها. وعندما تستمر الفجوة السعرية لسنوات، رغم كل القرارات، فالمسألة لا تعود مجرد خلل إداري، بل تصبح علامة على وجود منظومة مصالح تستفيد من دوام الاختلال أكثر مما تستفيد من الإصلاح.

الدولة تحاول… لكنها لم تستعد السيطرة

البنك المركزي العراقي قدّم، خلال العامين الأخيرين، مسارًا إصلاحيًا قائمًا على الامتثال والشمول المالي والانتقال إلى قنوات مصرفية أكثر انضباطًا. ففي 2025 أطلق الاستراتيجية الوطنية للشمول المالي 2025-2029، واضعًا ضمن أهدافها توسيع الحسابات المصرفية والرقمية وخفض الاعتماد على النقد وتعزيز المدفوعات الإلكترونية. وتشير الجهات الداعمة للاستراتيجية إلى أن نسبة البالغين الذين يمتلكون حسابات مصرفية أو رقمية لا تزال متدنية، عند نحو 11% فقط، مع هدف برفعها إلى 50% بحلول 2030.

هذا الرقم وحده يكشف عمق المعضلة. فإذا كان معظم السكان خارج النظام المالي المنظم، أو لا يعتمدون عليه في معاملاتهم الأساسية، فمن الطبيعي أن يبقى “الكاش” هو السيد، وأن تبقى السوق الموازية أكثر مرونة وأسرع استجابة وأوسع نفوذًا من المصارف. الاستراتيجية الرسمية نفسها تعترف بهذه الفجوة ضمنيًا، لأنها بُنيت أصلًا لمعالجة ضعف الوصول إلى الخدمات المالية واتساع الاقتصاد النقدي.

لماذا لا تكفي الاحتياطيات وحدها؟

لأن الاحتياطي يؤمّن القدرة على الدفاع عن السعر الرسمي، لكنه لا يخلق تلقائيًا ثقة في النظام المصرفي، ولا يضمن أن يحصل كل فاعل اقتصادي على الدولار بالسلاسة نفسها، ولا يمنع تشكل قنوات موازية كلما ظهرت اختناقات في القنوات الرسمية. صندوق النقد قال بوضوح إن الانتقال إلى نظام التمويل التجاري الجديد ساعد على تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، لكنه أضاف أن تقليصها أكثر يتطلب توسيع استخدام الدينار في المعاملات المحلية، بما فيها السيارات والعقارات، وتبسيط الوصول المشروع إلى النقد الأجنبي، وتشديد الرقابة الجمركية، وتكثيف إصلاحات القطاع المالي. أي أن المشكلة ما زالت قائمة، لكن أدوات علاجها معروفة ولم تُستكمل بعد.

ما الذي تقوله الأرقام الأحدث عن الاتجاه العام؟

المؤشرات الأحدث لا توحي بانفراج كامل. صحيح أن صندوق النقد يرى أن العراق حافظ على قدر من الاستقرار الداخلي، وأن الانتقال إلى النظام الجديد حسّن بعض المؤشرات، إلا أنه يتوقع أيضًا ضغوطًا على المالية العامة والحساب الخارجي إذا استمرت مستويات الإنفاق المرتفعة وتراجعت ظروف سوق النفط. كما يشير إلى أن تدهور الأوضاع المالية قد يضغط على الاحتياطات بمرور الوقت. وفي موازاة ذلك، تُظهر السوق المحلية في مطلع أبريل/نيسان 2026 استمرار تداول الدولار قرب 155 ألف دينار لكل 100 دولار في بغداد وأربيل، ما يعني أن السوق لم تقتنع بعد بأن السعر الرسمي وحده هو السعر الحاكم.

ما الذي يكشفه هذا كله؟

يكشف أن أزمة الدولار في العراق هي، في جوهرها، أزمة سيطرة وثقة وبنية، لا أزمة احتياطي فقط. فالدولة ما تزال تملك المال، لكنها لا تحتكر بالكامل مساره داخل الاقتصاد. والمصارف ما تزال موجودة، لكنها لم تتحول بعد إلى قناة موثوقة ومقنعة للمجتمع والتجارة. والسوق الموازية ما تزال “غير رسمية”، لكنها تمارس وظيفة رسمية فعلية في التسعير والوصول السريع إلى النقد الأجنبي.

لهذا، فإن السؤال: من يدير السوق الموازية في العراق؟
لا يمكن الإجابة عنه باسم واحد أو جهة واحدة فقط. ما يديرها فعليًا هو تلاقي أربعة عناصر في وقت واحد: هشاشة مصرفية، اقتصاد نقدي واسع، طلب تجاري لا يجد دائمًا طريقه السلس إلى الدولار الرسمي، ومنظومة مصالح تستفيد من الفجوة بدل أن تخسر منها. وهذه المنظومة، سواء كانت موزعة بين وسطاء ومضاربين وشبكات تهريب ومراكز نفوذ، لا يمكن كسرها بقرار إداري واحد أو بمنصة امتثال وحدها.

الخلاصة

التحقيق في ملف الدولار العراقي لا يقود إلى “سر واحد” بقدر ما يقود إلى بنية اختلال مستمرة منذ سنوات. فكلما حاولت الدولة شد الرقابة على نافذة، فتحت السوق الموازية نافذة أخرى. وكلما أعلنت السلطة تثبيت السعر، أعادت السوق اختبار قدرتها على فرض سعر مختلف. وبين السعرين، تتآكل الثقة، ويرتفع كلف الاستيراد، ويدفع المواطن الفرق في النهاية.

العراق لا يعاني اليوم من غياب الدولار بقدر ما يعاني من غياب السيادة الكاملة على تداوله. وما لم يتحول الإصلاح من إدارة أزمة إلى إعادة بناء فعلية للقطاع المصرفي، وتقليص الاقتصاد النقدي، وملاحقة قنوات التهريب والتلاعب، فسيبقى البلد محتفظًا باحتياطي كبير، لكنه فاقدًا للسيطرة الكاملة على أخطر سوق مالية داخل حدوده.

زر الذهاب إلى الأعلى