
إلغاء الحبر الانتخابي في العراق يُشعل الجدل: شفافية أم تمهيد للتزوير؟
المستقلة/- في خطوة وُصفت بأنها “ثورية” في شكلها و”مريبة” في توقيتها، أعلنت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق إلغاء استخدام الحبر الانتخابي في الاستحقاقات المقبلة، وعلى رأسها انتخابات مجلس النواب المقررة في 11 تشرين الثاني 2025، معتبرة أن إدخال التكنولوجيا الحديثة واعتماد البطاقة البايومترية يجعل من الحبر وسيلة “غير ضرورية”.
القرار الذي فاجأ الأوساط السياسية والشعبية على حد سواء، جاء ضمن تصريحات لعضو الفريق الإعلامي للمفوضية، مهند مصطفى الصراف، الذي أكد أن المفوضية قامت بتحديث أجهزة التحقق الإلكترونية، وأضافت لها كاميرات وتقنيات مطابقة ثلاثية لبصمة الناخب، إلى جانب الصورة البايومترية الآنية.
غير أن هذا الإعلان لم يمر مرور الكرام، بل أثار موجة من الجدل الحاد داخل العراق وخارجه، خصوصاً في ظل فقدان ثقة متزايدة بالعملية الانتخابية لدى شريحة واسعة من المواطنين العراقيين.
فهل يمثل إلغاء الحبر قفزة نحو الشفافية أم خطوة خفية نحو التلاعب والتزوير؟
تساؤلات مشروعة وشكوك عميقة
في بلدٍ يعاني من تاريخ طويل في الطعون الانتخابية والتلاعب بنتائج الصناديق، يخشى كثيرون من أن يكون الاستغناء عن الحبر الانتخابي – رغم تطور الوسائل التقنية – بمثابة إزالة آخر دليل مادي على مشاركة الناخب، وهو ما يفتح الباب أمام “التصويت المزدوج” أو “التصويت بالنيابة” من قبل أطراف متنفذة.
ويرى مراقبون أن الأجهزة الإلكترونية، مهما بلغت دقتها، تظل عرضة للاختراق أو الأعطال، فيما يشكك آخرون في قدرة المفوضية على إدارة منظومة إلكترونية متكاملة في يوم واحد، خاصة في مناطق نائية تفتقر للبنية التحتية المناسبة أو التدريب الكافي للموظفين.
ردود أفعال سياسية ومجتمعية
العديد من الأحزاب والتيارات السياسية بدأت التعبير عن تحفظها، مطالبة بضمانات حقيقية لسلامة العملية الانتخابية، وسط دعوات لاستضافة مسؤولي المفوضية في البرلمان ومساءلتهم عن تفاصيل قرار الإلغاء، وجدواه، وتكاليفه، وسبب اتخاذه الآن بالذات.
أما في الشارع العراقي، فقد تراوحت الآراء بين من اعتبر القرار خطوة في الاتجاه الصحيح تواكب التطور العالمي، ومن رأى فيه “ضربة استباقية” ضد نزاهة الانتخابات المقبلة، في ظل بيئة سياسية ما تزال تفتقر للثقة والشفافية.
قلق دولي مرتقب؟
اللافت أن هذا التحول في نظام التصويت يأتي في وقت تستعد فيه منظمات دولية لمراقبة الانتخابات العراقية. ويتوقع أن تُطرح تساؤلات حادة من قبل المراقبين الدوليين حول مدى قدرة العراق على إدارة انتخابات “ذكية” في بيئة أمنية وسياسية متوترة.
فإلغاء الحبر – وهو رمز عالمي في دول نامية لضمان التصويت مرة واحدة – قد يُنظر إليه دوليًا كتنازل عن معايير الشفافية الملموسة، خاصة في ظل شكاوى سابقة من تدخلات حزبية في عمل المفوضية.
خلاصة
قرار إلغاء الحبر الانتخابي قد يبدو للبعض دليلاً على دخول العراق عصر “الاقتراع الإلكتروني الحديث”، لكنه بالنسبة لآخرين، يمثل نقلة خطيرة قد تفقد الناخبين آخر خيط مادي يوثق مشاركتهم، ويعيد فتح باب الطعن والتشكيك بالنتائج.
وبين “التطور التقني” و”الخوف من التزوير الرقمي”، تبقى الحقيقة معلقة إلى أن تثبت التجربة نفسها في الميدان، يوم الحادي عشر من تشرين الثاني… يومٌ قد لا يكون عادياً في تاريخ الديمقراطية العراقية.




