
إسرائيل وواشنطن في مواجهة إيران… إلى أين تتجه المنطقة؟
المستقلة/ تقرير/- تدخل المواجهة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى مرحلةً أكثر حدة، بعدما تجاوزت حدود “الرسائل العسكرية” إلى نمط حربٍ بأهداف مُعلنة ومخاطر مفتوحة على اتساع الإقليم. وتبدو المنطقة اليوم أمام اختبار مزدوج: قدرة الأطراف على تثبيت سقف الحرب عند “منع القدرات” وعدم الانزلاق إلى تدحرجٍ إقليمي شامل، وقدرة الدبلوماسية الدولية على إنتاج مخرجٍ لا يُترجم في الميدان هدنات قصيرة قابلة للانهيار.
في تل أبيب وواشنطن، يتم تقديم العمليات باعتبارها حملة تهدف إلى ضمان ألا تمتلك إيران “قدرات نووية” أو تصل إلى مستوى يهدد ميزان الردع، وهي صياغة تمنح الحرب هدفًا محددًا في الخطاب السياسي، لكنها لا تمنع عمليًا تمدّدها إذا جاء الرد الإيراني عبر الإقليم أو عبر استهداف مصالح حلفاء واشنطن.
وقد أشار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أن الحرب “قد تستغرق بعض الوقت” لكنها ليست “سنوات”، في محاولة لتثبيت رواية مفادها أن الحملة طويلة بما يكفي لتحقيق أهدافها، لكنها ليست مفتوحة المدى. هذا التوصيف يقرأه مراقبون بوصفه توازنًا بين حاجتين: طمأنة الداخل الإسرائيلي بأن الحرب ليست استنزافًا طويلًا، وطمأنة الحلفاء بأن الأفق السياسي لن يتحول إلى حرب إقليمية واسعة.
غير أن ما يضغط باتجاه “توسيع” ساحة الحرب ليس خطاب الأهداف وحده، بل طبيعة الردود المتبادلة ومساراتها. فانتقال الاستهداف إلى مواقع رمزية وحساسة في عواصم حليفة لواشنطن يعكس محاولة رفع الكلفة وخلط الأوراق. وفي هذا السياق، جاء ما أوردته تقارير عن استهداف مجمع السفارة الأمريكية في الرياض بطائرتين مسيرتين وحدوث حريق محدود دون إصابات، بوصفه مؤشرًا على أن الصراع قد يختبر حدود “المسموح” داخل الدول الحليفة قبل أن يستقر على قواعد اشتباك جديدة.
هذا التطور تزامن مع إجراءات أمريكية تحذيرية واسعة. فقد دعت وزارة الخارجية الأمريكية مواطنيها إلى مغادرة عدد كبير من دول الشرق الأوسط فورًا، بالتوازي مع خطوات أمنية وإدارية تخص طواقم دبلوماسية في المنطقة. وتقرأ هذه الإجراءات على أنها رسالة مزدوجة: أن واشنطن تتوقع مرحلةً من المخاطر الممتدة زمنيًا وجغرافيًا، وأنها تُهيّئ الرأي العام لتداعيات أمنية قد تصيب دولًا ليست طرفًا مباشرًا في القتال.
في المقابل، تحاول إيران—بحسب ما تعكسه ردودها السياسية والعسكرية—أن تتجنب معادلة “ضربات بلا رد” لأن ذلك يُفقدها الردع، وفي الوقت ذاته أن تمنع تحوّل الحرب إلى حملة تدمير شامل داخل أراضيها. لذلك يبدو السلوك الإيراني أقرب إلى توسيع نقاط الضغط في الإقليم، مع ترك مساحة للوساطات كي تتحول إلى باب خروج يحفظ ماء الوجه.
على المستوى الدولي، تبرز خريطة مواقف متعددة الطبقات، تعكس أن الحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل ساحة إعادة تموضع سياسي. ففي أوروبا، صدر بيان مشترك عن قادة فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة أدان الهجمات الإيرانية “العشوائية وغير المتناسبة” على دول في المنطقة، وطالب بوقفها فورًا. ويعني ذلك عمليًا أن العواصم الأوروبية الثلاث تركز في خطابها على حماية الإقليم من تمدد الرد الإيراني أكثر من تركيزها على تأييد غير مشروط للضربات الهجومية.
وفي بريطانيا تحديدًا، ظهر تمييز واضح بين المشاركة في ترتيبات دفاعية وبين الانخراط في ضربات هجومية واسعة، وهو تمييز مهم لأنه يرسم سقف الدعم الغربي ويضغط باتجاه احتواء التصعيد بدل تعميمه. وجود هذا النوع من التحفظات لدى الحلفاء يجعل قدرة واشنطن على إدارة تحالف هجومي ممتد أقل سلاسة، ويزيد الحاجة إلى غطاء قانوني وسياسي في مجلس الأمن أو في مسارات دبلوماسية موازية.
وعلى الضفة المقابلة، تبرز مواقف أكثر حدّة ضد الضربات. فقد قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن الهجمات على إيران “انتهاك واضح للقانون الدولي”، ودعا إلى وقف إطلاق النار والعودة إلى الدبلوماسية. ويعكس هذا الموقف حسابات تركية تجمع بين رفض توسيع النفوذ الإسرائيلي-الأمريكي في الإقليم وبين القلق من انتقال الصراع إلى ساحات قريبة من تركيا أو إلى موجات لجوء واضطراب اقتصادي.
أما الصين، فدعت إلى وقف فوري للقتال وأبدت موقفًا رافضًا للضربات، في وقت تعمل فيه على حماية مصالحها الاقتصادية وإجلاء مواطنين من مناطق الخطر، فيما رأت روسيا في الضربات اعتداءً مسلحًا وانتقدت واشنطن وتل أبيب بحدة. ويصب هذا الخط في سياق أوسع: تحويل الحرب إلى ملف تنافس دولي على “شرعية القوة” وعلى حق تقرير قواعد الأمن الإقليمي.
عربياً وخليجياً، يبرز موقف يتقاطع عند نقطتين: رفض تحويل أراضي دول المنطقة إلى ساحة ردود متبادلة، والتأكيد على سيادة الدول وحقها في حماية أمنها، مع تحذير متكرر من تمدد الحرب إلى الداخل الخليجي والممرات البحرية. وتظهر في البيانات العربية نبرة مزدوجة: تحميل إيران مسؤولية استهداف دول الجوار، مع التمسك بخطاب خفض التصعيد ورفض “تدويل” أراضي الدول العربية كمنصات أو أهداف.
هذه الخريطة المعقدة تفتح سؤال التقرير المركزي: إلى أين تتجه المنطقة؟ للإجابة، يمكن تثبيت ثلاثة محركات ستحدد الاتجاه خلال الأسابيع القليلة المقبلة.
المحرك الأول هو طبيعة الهدف المعلن للحملة. كلما بقي الهدف ضمن “منع القدرات” دون الانزلاق إلى خطاب “تغيير النظام” أو “إعادة هندسة إيران من الداخل”، ارتفعت فرص الوصول إلى نهاية تفاوضية أو إلى تهدئة مشروطة بعد جولة قتال كثيفة. فالحروب ذات الأهداف المحدودة عادةً ما تبحث عن مخرج يُحوّل الإنجاز العسكري إلى مكسب سياسي، حتى لو استمر الضغط بوسائل أخرى لاحقًا.
المحرك الثاني هو سقف الرد الإيراني ومكانه. إذا استمر الرد الإيراني عبر الإقليم وأصاب عواصم أو بعثات أو منشآت حساسة، فإن ذلك سيُسرّع ضغط الوسطاء ويضاعف رغبة دول عديدة في وقف النار خوفًا على الداخل، لكنه في الوقت ذاته قد يدفع واشنطن وتل أبيب إلى توسيع بنك الأهداف على قاعدة “ردع الرد”. حادثة السفارة الأمريكية في الرياض، حتى مع محدودية الأضرار المعلنة، قد تُفهم كمؤشر مبكر على هذا النوع من التفاعل التصعيدي.
المحرك الثالث هو تماسك الحلفاء. فكلما تعمّق الفرق بين الدعم السياسي والدعم العملياتي لدى الشركاء الغربيين، تقل قدرة الولايات المتحدة على إدارة حرب متعددة الجبهات دون كلفة دبلوماسية، ما يدفع باتجاه حلول احتواء. لذلك يمكن اعتبار أي توسع في التحفظات الأوروبية—أو أي ضغوط برلمانية داخلية—عاملًا يضغط لإنتاج “مخرج” سريع.
بناءً على هذه المحركات، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمآلات الحرب، مع تقدير نسبي لترجيح كل سيناريو.
السيناريو الأول: تهدئة مشروطة ووقف نار سريع نسبيًا. وهو سيناريو يرتفع احتمال تحققه إذا نشطت وساطات مباشرة أو غير مباشرة، وجرى تبادل “خطوط حمراء” واضحة: وقف استهداف دول الجوار، حماية الملاحة، وتجميد خطوات تصعيدية معينة مقابل خفض الضربات. الضغط الدولي في هذا السيناريو سيكون مدفوعًا بمخاطر الطاقة والطيران وسلامة البعثات الدبلوماسية، وهو ما يفسر جزئيًا لهجة التحذيرات الأمريكية للمواطنين وإجراءات تقليص المخاطر.
السيناريو الثاني: حملة لأسابيع ثم “إعلان إنجاز” يتبعه خفض تدريجي لكثافة الضربات. وهو السيناريو الأكثر اتساقًا مع خطاب نتنياهو عن أن الحرب ستستغرق وقتًا لكنها ليست سنوات، ومع صياغة الهدف “منع القدرات”. في هذا المسار، قد تستمر الضربات بشكل مركز لفترة ثم تتحول إلى وتيرة متقطعة تحت عنوان “الردع” و”التصحيح”، مع مسار تفاوضي تقني/أمني في الخلفية.
السيناريو الثالث: تدحرج إقليمي واسع. وهو أقل ترجيحًا لكنه الأخطر، ويتحقق إذا تكرر الاستهداف داخل عواصم حليفة لواشنطن، أو إذا وقع حدث ذو خسائر مدنية كبيرة، أو إذا تعرضت الملاحة في الممرات الحيوية لاضطراب شديد، فتتحول الحرب إلى استنزاف إقليمي يُدخل لاعبين إضافيين، ويفرض ترتيبات دولية ثقيلة قد تصل إلى قرارات ملزمة أو عمليات حماية بحرية موسعة. مؤشرات هذا السيناريو تبدأ عادةً بتكاثر “الحوادث الكبرى” وليس بمجرد تبادل الضربات التقليدي.
أما عن سؤال “متى يمكن أن تنتهي؟” فإن نافذة الأسابيع تبدو الأكثر واقعية إذا لم يحدث “حادث كبير” يفرض قفزة في التصعيد. فوجود هدف محدد معلن، وتنامي ضغط حماية العواصم والمنشآت الدبلوماسية، وتباين الحلفاء بين الدفاع والهجوم، كلها عوامل تجعل من الصعب على الأطراف المحافظة على وتيرة مرتفعة لفترة طويلة دون مخرج سياسي. وفي أفضل الأحوال، قد تنتهي الجولة الحالية بصيغة “وقف نار مشروط” يعقبه تفاوض أمني/تقني، أو “تهدئة تدريجية” بعد إعلان تحقيق أهداف رئيسية، أو تسوية أوسع إذا فُرضت تحت ضغط اضطراب إقليمي واسع.
خلاصة المشهد أن المنطقة تقف عند مفترق حاسم: إمّا أن تتبلور قواعد اشتباك جديدة تقيّد الحرب ضمن أهداف محددة وتفتح باب التهدئة، وإمّا أن تتوسع دوائر الاستهداف في الإقليم فيصبح وقف النار أصعب وتصبح تكلفة الحرب موزعة على دول عديدة. وبين هذين الحدين، ستبقى الإشارات الأكثر دلالة هي: مستوى الاستهداف داخل العواصم، وتيرة التحذيرات والإجلاءات، وتماسك الحلفاء الغربيين، وأي نافذة تفاوض تظهر من خلف دخان الضربات.





