أزمة الغاز في العراق… قرار استثماري يشعل السوق ويخنق المواطنين

الأسعار ترتفع والغاز يختفي

المستقلة/- تشهد الأسواق العراقية خلال الأيام الأخيرة أزمة متصاعدة في توفر أسطوانات الغاز، وسط ارتفاع الطلب وتراجع المعروض، ما دفع الجهات المعنية إلى اتخاذ إجراءات تقنين تمثلت بتحديد حصة العائلات بأسطوانتين شهرياً. وبحسب مصادر متطابقة، ترتبط الأزمة بشكل مباشر بقرار إحالة ملف توزيع الغاز إلى شركة استثمارية، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً بين المواطنين والفاعلين الاقتصاديين، مع تصاعد الشكاوى من شح الإمدادات وارتفاع الأسعار.

وتشير معطيات السوق إلى أن الانتقال من آلية توزيع تُدار تقليدياً ضمن إطار حكومي إلى إدارة استثمارية لم يجرِ بسلاسة، ما أحدث ارتباكاً في سلسلة التوريد والتوزيع، وفتح الباب أمام فجوات في الرقابة على التسعير وآليات منح الحصص. ويرى متابعون أن أي تغيير في خدمة أساسية تمس حياة الناس اليومية يحتاج إلى ترتيبات انتقالية واضحة وقدرة رقابية فاعلة، وهو ما لم يظهر على الأرض بالقدر الكافي حتى الآن، وفق ما يتداوله المواطنون وأصحاب المهن المرتبطة بالغاز.

وبحسب المصادر، فإن دخول طرف استثماري إلى هذا الملف يعني عملياً البحث عن الربحية وتخفيض الكلف، وهو ما يفسّر—وفق القراءات المتداولة—ظهور اختناقات في بعض المناطق، وتوسع السوق غير الرسمية بأسعار أعلى من المعتاد. وتضيف هذه القراءات أن ضعف الاستجابة الرقابية الفورية سمح بانتعاش دور الوسطاء، وتحوّل نقص المعروض إلى فرصة للمضاربة، الأمر الذي انعكس مباشرة على العائلات، ولا سيما ذات الدخل المحدود.

ويقول تجار ومواطنون إن قرار تحديد الحصة الشهرية يعكس ضغطاً على المخزون وآليات التوزيع، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن عجز المنظومة الحالية عن تلبية الطلب المحلي بصورة منتظمة. ويحذر متابعون من أن التقنين قد يخفف الازدحام مؤقتاً، لكنه قد يفتح في المقابل مساراً آخر يتمثل في تنشيط السوق السوداء، واستغلال الحاجة عبر البيع بأسعار مضاعفة، وخلق أعباء إضافية على الأسر التي تعتمد على الغاز بشكل يومي.

ولا تنفصل أزمة الغاز عن المشهد الاقتصادي الأوسع، إذ يرى مختصون أن أي اضطراب في الخدمات الأساسية ينعكس سريعاً على كلفة المعيشة، ويغذي التضخم، ويزيد من التوتر الاجتماعي. ويشيرون إلى أن العراق، رغم موارده النفطية، ما يزال يواجه تحديات في البنية التحتية لقطاع الطاقة، وفي التخطيط طويل الأمد لإدارة المشتقات وتوزيعها، إلى جانب الاعتماد على الاستيراد أو التوريد الخارجي في بعض المفاصل، ما يجعل السوق حساسة لأي خلل إداري أو انتقال غير منظم في آليات التشغيل.

وفيما تبرر أطراف حكومية—بحسب مقربين—توسيع دور الاستثمار في قطاع الطاقة بأنه يهدف إلى تحسين الكفاءة وتقليل الهدر والفساد، يرى مراقبون أن التوقيت وآلية التنفيذ يلعبان دوراً حاسماً في نجاح أي خطوة إصلاحية. فالإصلاح الاقتصادي، وفق هذه القراءة، يحتاج إلى تشريعات واضحة وضمانات رقابية وخطة انتقال تدريجية، لا إلى قرارات مفاجئة تمس حاجات المواطنين اليومية من دون شبكة ضبط فاعلة.

وتتوقع مصادر في السوق أنه إذا استمرت الأزمة من دون تدخل سريع لمعالجة الاختناقات، فقد تتصاعد حالة السخط الشعبي وتتوسع السوق السوداء، مع ضغوط سياسية على الحكومة لمراجعة آليات التطبيق أو إعادة تنظيم الملف. ويرى متابعون أن الحلول العاجلة تتركز في إعادة ترتيب عملية التوزيع وضمان انسياب الإمدادات، وفرض رقابة صارمة على التسعير ومسارات البيع، إلى جانب رفع كفاءة الاستيراد أو زيادة الإنتاج المحلي لسد النقص، مع توضيح دور الشركة الاستثمارية وحدود مسؤولياتها بشكل شفاف.

خلاصة القول إن أزمة الغاز الحالية لم تعد مجرد خلل في التوزيع، بل تحولت إلى اختبار لقدرة الدولة على إدارة ملف خدمي حساس يمس المواطنين مباشرة. وبين وعود الإصلاح وضغط الواقع، يبقى المواطن هو المتضرر الأول ما لم تُستكمل الإجراءات بسرعة، وتُضبط السوق، وتُعاد الثقة إلى منظومة التوزيع.

زر الذهاب إلى الأعلى