
لماذا لا تفتح النزاهة تحقيقًا مستقلًا في حسابات شركات الاتصالات؟
شبهات مالية وأسئلة رقابية حول قطاع يدرّ مليارات الدنانير على الشركات والدولة
المستقلة/- يثير ملف الحسابات الختامية لشركات الاتصالات في العراق أسئلة رقابية متزايدة بشأن مدى دقة البيانات المالية المقدمة إلى الجهات الحكومية، وحجم المستحقات الفعلية للدولة من الضرائب والرسوم وحصص التراخيص، وسط غياب إعلان واضح من هيئة النزاهة الاتحادية عن فتح تحقيق مستقل في الملف.
وتتركز الأسئلة حول ما إذا كانت الحسابات الختامية لشركات الاتصالات تعكس الإيرادات الحقيقية والمصروفات الفعلية، وما إذا كانت الضرائب والرسوم المستوفاة من تلك الشركات قد احتُسبت على أسس مالية سليمة، أم أن هناك فجوات محاسبية تستدعي تدقيقًا أعمق من الجهات الرقابية.
ولا يتعلق الملف بشركة واحدة أو خلاف إداري محدود، بل بقطاع يعد من أكثر القطاعات ربحية في العراق، ويضم ملايين المشتركين، وترتبط إيراداته بعقود تراخيص والتزامات مالية مباشرة تجاه الدولة.
سؤال النزاهة الغائب
رغم ما أثير من مؤشرات وشبهات بشأن الحسابات الختامية لبعض شركات الاتصالات، لم يصدر حتى الآن موقف معلن من هيئة النزاهة يوضح ما إذا كانت قد فتحت تحريًا أوليًا أو تحقيقًا مستقلًا في هذه الحسابات، أو ما إذا كانت طلبت من الجهات المختصة تزويدها بالوثائق المالية والتعاقدية ذات الصلة.
ويطرح هذا الغياب سؤالًا أساسيًا: هل تنظر هيئة النزاهة إلى الملف بوصفه قضية تمس المال العام، أم تتركه في إطار الخلافات الفنية بين الشركات والجهات المنظمة والضريبية؟
وتقول مصادر رقابية إن طبيعة هذا النوع من الملفات لا تُحسم بالتصريحات العامة أو ببيانات خلو الذمة، بل تحتاج إلى مطابقة دقيقة بين القوائم المالية المنشورة، والبيانات المقدمة إلى هيئة الإعلام والاتصالات، والهيئة العامة للضرائب، وسوق العراق للأوراق المالية، وديوان الرقابة المالية.
أين تبدأ الشبهة المالية؟
لا تبدأ الشبهة في ملف الاتصالات من وجود ديون معلنة فقط، بل من طريقة احتساب الإيرادات والمصروفات والأسس التي تُبنى عليها مستحقات الدولة.
فالأسئلة الجوهرية تتعلق بما إذا كانت حصة الدولة تُحتسب من إجمالي الإيرادات الفعلية أم من إيرادات معدلة بعد خصومات ومعالجات محاسبية، وما إذا كانت جميع الإيرادات التشغيلية وغير التشغيلية تدخل ضمن الوعاء الخاضع للرسوم والضرائب.
كما يبرز سؤال آخر بشأن المصروفات: هل تعكس هذه المصروفات كلفًا فعلية، أم أن بعضها قد يؤدي إلى تخفيض صافي الربح الخاضع للضريبة؟ وهل تتطابق البيانات التي تقدمها الشركات إلى الجهات الرسمية المختلفة، أم أن كل جهة تتعامل مع أرقام مختلفة أو جزئية؟
هذه الأسئلة لا تمثل اتهامًا مسبقًا، لكنها تشكل أساسًا كافيًا، وفق معايير التدقيق والرقابة، لفتح فحص مستقل عندما يكون الأمر متعلقًا بحقوق مالية للدولة.
تضارب الجهات يضعف المساءلة
يُعد تعدد الجهات المعنية أحد أبرز أسباب تعقيد الملف. فشركات الهاتف النقال تخضع من جهة لعقود وتراخيص مع هيئة الإعلام والاتصالات، ومن جهة أخرى لالتزامات ضريبية أمام الهيئة العامة للضرائب، كما أن بعض بياناتها المالية تمر عبر سوق العراق للأوراق المالية، في حين يملك ديوان الرقابة المالية دورًا في فحص ما يتصل بحقوق الدولة.
هذا التعدد يفترض أن يعزز الرقابة، لكنه قد يتحول عمليًا إلى سبب لتشتت المسؤولية، إذا لم تكن هناك جهة تقود فحصًا شاملًا يربط بين الحسابات والعقود والضرائب والرسوم.
وفي مثل هذه الحالة، يصبح دور هيئة النزاهة مهمًا ليس لأنها الجهة الفنية الوحيدة، بل لأنها الجهة القادرة على فتح مسار تحرٍّ مستقل عندما تظهر مؤشرات على احتمال وقوع ضرر بالمال العام أو تقصير في تحصيل مستحقات الدولة.
شركات خاصة ومال عام
قد يُقال إن شركات الاتصالات شركات خاصة أو مساهمة، وإن التدقيق في حساباتها شأن تنظيمي أو ضريبي لا يدخل مباشرة في عمل هيئة النزاهة. غير أن هذا الطرح لا يصمد عندما تكون الحسابات محل التساؤل مرتبطة بعقود تراخيص مع الدولة وبمبالغ مستحقة للخزينة العامة.
فإذا كان هناك احتمال بأن تكون جهة رسمية قد قبلت بيانات غير دقيقة، أو صادقت على تسوية غير واضحة، أو قصّرت في تحصيل مستحقات مالية، فإن الملف يصبح ذا صلة مباشرة بالمال العام وبمسؤولية الجهات الرقابية.
والتحقيق المستقل في هذه الحالة لا يعني تجريم الشركات أو الجهات الحكومية، بل يعني اختبار صحة الأرقام والالتزامات، وتحديد ما إذا كانت الدولة قد حصلت فعلًا على حقوقها كاملة.
ملف كورك يكشف حجم المخاطر
أظهر الجدل المتعلق بديون شركة كورك للاتصالات أن قطاع الهاتف النقال ليس ملفًا هامشيًا، وأن المستحقات الحكومية على شركات الاتصالات قد تصل إلى أرقام كبيرة، ما يجعل أي خلل في الاحتساب أو التسوية أو التحصيل قضية رأي عام.
ويزيد هذا الجدل من أهمية مراجعة حسابات الشركات الأخرى، بما في ذلك آسياسيل وزين العراق، ليس من باب الاتهام، بل من باب توحيد معيار الرقابة على جميع الشركات العاملة في القطاع.
فإذا كانت الدولة تطالب شركة واحدة بمبالغ كبيرة، فإن السؤال الطبيعي هو ما إذا كانت آليات الفحص والتحصيل ذاتها تطبق على بقية الشركات، وما إذا كانت الحسابات الختامية للشركات الثلاث خضعت لتدقيق مستقل يضمن عدم وجود فجوات مالية أو محاسبية.
لماذا لم يبدأ التحقيق؟
لا توجد وثيقة معلنة تشرح سبب عدم إعلان هيئة النزاهة فتح تحقيق مستقل في حسابات شركات الاتصالات. غير أن قراءة مسار الملف تكشف مجموعة عوامل محتملة قد تفسر هذا التأخير.
أول هذه العوامل هو تضارب الصلاحيات بين الجهات الرقابية والتنظيمية والضريبية، بما يسمح بترحيل المسؤولية من جهة إلى أخرى. وثانيها أن الملف محاسبي معقد، ولا يمكن حسمه بتحقيق تقليدي، بل يحتاج إلى تدقيق جنائي مالي متخصص في الإيرادات والمصروفات والعقود والتسويات.
أما العامل الثالث فيتصل بحساسية قطاع الاتصالات نفسه، بوصفه قطاعًا كبيرًا ومؤثرًا اقتصاديًا وإعلانيًا، الأمر الذي يجعل فتح تحقيق شامل فيه قرارًا يحتاج إلى إرادة رقابية واضحة ودعم مؤسسي.
وهناك عامل رابع أكثر حساسية، وهو أن أي تحقيق جدي قد لا يتوقف عند الشركات، بل قد يصل إلى الجهات الرسمية التي قبلت الحسابات أو صادقت على التسويات أو تأخرت في تحصيل المستحقات.
أسئلة تنتظر جوابًا رسميًا
أمام هذا الواقع، تبدو هيئة النزاهة مطالبة بتوضيح موقفها من الملف. فالسؤال لم يعد فقط ما إذا كانت هناك ديون أو فروقات مالية، بل ما إذا كانت الهيئة قد تعاملت مع ما نشر من مؤشرات وشبهات باعتباره إخبارًا يستدعي الفحص.
ومن بين الأسئلة التي تنتظر جوابًا: هل فتحت الهيئة تحريًا أوليًا في حسابات شركات الهاتف النقال؟ هل طلبت وثائق من هيئة الإعلام والاتصالات أو الهيئة العامة للضرائب أو ديوان الرقابة المالية؟ هل فحصت العلاقة بين الأرباح المعلنة والضرائب والرسوم المدفوعة؟ وهل خضعت التسويات المالية، إن وجدت، لمراجعة مستقلة؟
كما يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: لماذا لا تُشكَّل لجنة تحقيق مشتركة تضم هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية والضرائب وهيئة الإعلام والاتصالات وخبراء تدقيق مالي جنائي، لمراجعة حسابات شركات الاتصالات خلال السنوات الماضية؟
تحقيق لا إدانة
إن المطالبة بفتح تحقيق مستقل لا تعني إصدار حكم مسبق على شركات الاتصالات، ولا تعني اتهام هيئة حكومية بعينها بالتقصير. لكنها تعني أن حجم الأموال المتداولة في القطاع، وطبيعة الالتزامات المترتبة على الشركات، وتعدد المؤشرات المثارة، كلها تجعل الاكتفاء بالصمت أو التصريحات العامة أمرًا غير كافٍ.
فالتحقيق المطلوب يجب أن يكون فنيًا وماليًا وقانونيًا، وأن يطابق الحسابات الختامية مع العقود والالتزامات الضريبية والتنظيمية، وأن يحدد بوضوح ما إذا كانت الدولة قد حصلت على كامل حقوقها.
وفي قطاع يعتمد على ملايين المستخدمين ويحقق إيرادات كبيرة، لا يمكن أن تبقى الحسابات الختامية مجرد أرقام منشورة من دون فحص مستقل عند ظهور علامات استفهام جدية.
اختبار للرقابة على المال العام
يمثل ملف شركات الاتصالات اختبارًا لقدرة مؤسسات الرقابة العراقية على التعامل مع الملفات المالية المعقدة، لا مع القضايا المباشرة فقط. فبعض أشكال الضرر بالمال العام لا تظهر في صورة اختلاس واضح، بل في طريقة احتساب الإيرادات، أو تضخيم المصروفات، أو تأجيل المستحقات، أو تمرير تسويات غير مفهومة للرأي العام.
ومن هنا، فإن إعلان هيئة النزاهة فتح تحقيق مستقل، أو حتى توضيح أسباب عدم فتحه، سيشكل خطوة ضرورية لاستعادة الثقة في الرقابة على واحد من أكثر القطاعات المالية حساسية في البلاد.





