يعقوب آل مامو :  العمر مجرد رقم  وسبيل النجاح يحتاج الى الاصرار والمثابرة

حاصل على ثلاث شهادات جامعية وأكمل الماجستير بسن 68

المستقلة/- حنان اويشا/.. في سهل نينوى وتحديداً في بلدة برطلا،  تلك السريانية الموغلة في القدم التي أنجبت العظماء من البطاركة والعلماء والادباء ومازالت، ولد وترعرع تحت ظل عائلة محبة للعلم والمعرفة حتى غدت ديدنه في الحياة، دفعه الطموح الى تحقيق أبهى صورالنجاح وبخطوات متأنية وثابتة، اما التميز والاختلاف فلهما قصص وعِبر .. لم يرض لنفسه التقوقع في دائرة محدودة وضيقة، وانما اطلق العنان لها لتخلق وتبدع وتتبارى من أجل تقديم كل ماهو في خير أهله ومدينته وبلده .

يعقوب آل مامو.. تلك الشخصية التي أبت الانحناء أمام مسلمات الحياة ، فالعمر بالنسبة له مجرد رقم لا قيمة له ، شق طريق العلم والمعرفة دون كلل او ملل ومذ نعومة الاظافر، لينال خلال رحلة حياته أربع شهادات اكاديمية في اختصاصات مختلفة ، بدأها بنيل بكلوريوس في الهندسة المدنية، ومن ثم بكلوريوس قانون، وبعدها بكلوريوس علوم الحاسبات، ومؤخرا شهادة الماجستير في القانون الدولي وهو بعمر 68 عاما، ومازال الاصرار يعزز سبيله لنيل شهادة الدكتوراه ايضا .

التقيته في منزله في قريته “برطلا” فما يزال وعائلته متشبثين بالبقاء في ارض الوطن حيث الانتماء والاصالة وامتداد الاباء والاجداد.. يصارعون الظروف الصعبة التي شهدتها المنطقة وأهلها الاصلاء من قتل وتهجير وتغيير ديموغرافي .. التقيته وسط فوضى اعتذر عنها، وما اروعها من فوضى ، كومة من الكتب وسط الغرفة لم يتسن له الوقت بعد لإعادتها الى رفوف مكتبته، بعد ان رافقته طوال رحلة اعداد رسالة الماجستير .

ولكل حديث بداية..والبداية أردتها من حيث البداية .. من الطفولة والنشأة والبيئة التي كان الفضل الاول لها في تكوين شخصيته وصقلها..

ـ انا من مواليد عام 1954 ولدت في “برطلا” وقضيت جل حياتي فيها ، ومازلت اكافح من اجل البقاء فيها.. فقد كانت قرية صغيرة سكنها المسيحيين السريان منذ القدم، وعاشوا فيها متحابين يساندون بعضهم بعضاً، رغم بساطة حياتهم ومتطلبات المعيشة الصعبة آنذاك، الا انهم اهتموا لان يكون لقريتهم خصائص المدينة خصوصاً المدارس التي تواجدت في القرية في حينها وشجعت اهلها لاكتساب العلم والمعرفة، فوجود مدرسة ابتدائية يدرس فيها عدد جيد من المعلمين ومنهم والدي كان عاملاً مشجعاً لدخول المدرسة، وكما هو معروف ان الطفل في هذه المرحلة العمرية دائما يحب التقليد خصوصا الوالدين ، فكنت اقلده عندما يرجع من المدرسة ويحضر مادته لليوم التالي وجدول الدروس ، فكان ذلك بمثابة البذرة الاولى التي زرعت في نفسي حب التعلم وكسب المعرفة ، فدخلت المدرسة باستعداد كامل وتفوقت في الدراسة ايضا بسبب متابعة والدي لي لاداء الفروض المدرسية. اما الشخصية الثانية المؤثرة في حياتي فكانت والدتي .. الام التي لم توفر لها الحياة فرصة التعليم وتجهل القراءة والكتابة، الا انها كانت بمثابة موسوعة تاريخية ان صح التعبير، كانت ترفد معلوماتنا بالكثير والكثير من المعلومات التاريخية عن القرية والاحداث التي مرت بابنائها، معتمدة على ذاكرتها الشخصية، ذلك ما كان يستوقفني في الكثير من الاحيان واسأل نفسي، كيف لها حفظ كل هذه المعلومات في ذاكرتها؟ فقلدت والدي من ناحية التعليم ومن ناحية اخرى والدتي الهمتني قدرة الانسان على البناء السليم لشخصيتة، هذه الاجواء ساعدتني كثيرا لاكون دائماً من المتميزين في المدرسة وتمكنت من لفت انتباه المعلمين والطلبة وادارة المدرسة .

*  ماذا عن دراسة المتوسطة والاعدادية .. اين أكملتها؟

ـ لحسن الحظ عندما اكملت الابتدائية ازداد عدد الطلبة في المنطقة، فظهرت الحاجة لفتح المدرسة المتوسطة بعد ان كان طلبة برطلا يواصلون دراستهم في مدارس الموصل او بلدة بخديدا القريبة ، وبعدها تم فتح مدرسة اعدادية ايضا .

* ماهو المعدل الذي حصلت علية وأهلك لدخول الجامعة ؟

ـ حصلت على معدل 75 وأهلني لدخول كلية الهندسة / قسم الري والبزل سابقاً ، حالياً يسمى الموارد المائية في جامعة الموصل، وفي حينها كان من الصعب الحصول على هذا المعدل نظراً للمستوى التعليمي العالي في جامعات العراق، الا إنني بذلت جهداً كبيراً للحصول عليه وأهلني لدخول الكلية، كان ذلك عام 1973 وتخرجت منها عام 1979.

*  يعني ذلك ان تخرجك كان مع بدايات الحرب العراقية الايرانية، ماتأثيراتها على حياتك العملية ؟

ـ نعم كان تخرجي مع بدايات الحرب، والتحقت حينها بالخدمة العسكرية حتى عام 1985 عندما جاء قرار تسريح المهندسين الذين خدموا ثلاث سنوات في الجيش، وبعدها تم تعييني تعييناً مركزياً من قبل وزارة التخطيط، وأول تعين لي كان في الهيئة العامة للسدود كمهندس تنفيذي لانشاء سد دهوك والمشروع الاروائي التابع له، وفي عام 1988 أصبحت مدير السد حتى عام 1992.. وخلال عملي في هذه الفترة وجدت ان عمليات التنفيذ ليست بحاجة فقط الى الجانب الفني او الهندسي ولكن وبما اننا كنا نتعامل مع شركات اجنبية ومقاولين عراقيين وغيرهم، فكانت تجمعنا عقود قانونية والتزامات على الطرفين، لذلك كنا نواجه مشاكل قانونية شخصياً لم أفهمها كفني ..

*  اتوقع انك رغبت بدراسة القانون لتكون مضطلعاً بكل جوانب عملك الفنية والقانونية ؟

ـ نعم صحيح .. لانني كنت أواجه صعوبة في اتخاذ قراراتي، فمن الناحية القانونية كنت اصطدم ببعض النصوص والبنود التي تمنعني من أداء وظيفتي بالشكل الأسلم، فبدأت بالاطلاع على هذه النصوص وتطبيقها في الواقع العملي الهندسي، وصدفة وفي تلك الفترة اي في تسعينات القرن الماضي فسح المجال للراغبين بالدراسة المسائية في كلية الحقوق/ جامعة الموصل، فاستثمرت القرار لملائمته مع دوامي كموظف، وقدمت للدراسة عام 1996 وبشغف واندفاع لمعرفة كل خبايا ودهاليز القوانين بشكل عام، ومايتعلق منها بعملي الوظيفي بشكل خاص ، فدرسنا القانون المدني والعقود وأنواعها وأنواع الالتزمات، ورغم تقدمي في العمر بالنسبة للطلبة الاخرين فحينها كان عمري 45 عاماً ، الا انني تميزت عنهم وتمكنت من جذب انظار الاساتذة بالمعدلات العالية التي كنت احصل عليها في جميع المواد، واحياناً كانوا يعفوني من اداء بعض الامحانات لثقتهم العالية بأني ساحصل على اعلى درجة في الصف .

بعد تخرجي من كلية القانون نُسبت الى القسم القانوني رغم حداثة دراستي للقانون ، فكما تعلمين ان الدراسة النظرية بحاجة الى دعم الجانب العملي حتى اني كنت متردد في تولي هذه المسؤوليات، الا ان المسؤولين في دائرتي اصروا على ذلك ، وفعلا تمكنت من تسجيل تفوق جديد في اداء مهامي بمستوى جيد ونلت على رضا الجميع.

*  نلت اذاً شهادة البكالوريوس في القانون وقبلها بكالوريوس في الهندسة المدنية، ما قصة اهتمامك بالتكنولوجيا وتوجهك لدراسة علوم الحاسبات ؟

ـ من بين مهامي في الدائرة عملت في إنجاز التصاميم، وفي حينها لم تكن الحاسبات متوفرة مثلما هي عليه الان ، ففي دائرتنا كلها كنا نملك حاسبة واحدة، فكنت اجلس احيانا في غرفة زميلي الذي يعمل عليه ، وعلمت منه ان هناك برامج معينة تتيح لنا الرسم عن طريقها، فأصبح لي فضول لزيادة معلوماتي عنها ، فبدأت أقرأ كتب خاصة عن الحاسبات ،وبعد فترة دفعني الفضول لمعرفة المزيد عنها ولم أكتفي بمطالعة الكتب عنها لانها لم تزودني بكل ما اردته من معلومات ، فقررت دخول كلية علوم الحاسبات كان ذلك عام 2000 وتخرجت منها عام 2004 .

* هذا يعني أن أي صعوبة في حياتك العملية واجهتها بالتعمق فيها علمياً واكاديميا؟.

ـ نعم وكان لي طموح ايضا في دراسة اللغة الانكليزية، وبالفعل تقدمت للدراسة في قسم الترجمة / كلية الاداب / جامعة الموصل عام 2013 وتواصلت فيها لعام واحد، الا ان الاحداث التي شهدتها الموصل عام 2014 واستيلاء عصابات داعش على المدينة أجبرتنا على النزوح منها، كما ان تلك الاحداث تركت في نفوسنا جرحاً عميقاً وتأثيرات نفسية كبيرة حالت دون اكمال دراستي في هذا المجال .

*  كيف وظفت الشهادة الاكاديمية في القانون لصالح عملك ومهامك الوظيفية ؟

ـ بعد الولوج في العمل القانوني وبسب نقص الخبرة في البداية ، كنا أعمل بتخوف وحذر، لدرجة انني كنت اسأل واستفسر كثيراً عن كل حالة قانونية اتولى متابعتها ولكن بالطبع مع مرور سنوات، أصبح العمل شبه روتيني ، ولكن كان هناك حالات قانونية تتطلب اللجوء الى المحاكم، وهنا كنت أعاني من قلة الخبرة في هذا الجانب مما سبب لي مواقف محرجة مع القضاة، الا انني لم استسلم وشجعتني تلك المواقف الى المضي قدما نحو تعزيز خبرتي وامكانياتي وتمكنت من تقييم كل القضايا من الناحية القانونية ومعرفة نقاط القوة والضعف فيها، لذلك وخلال فترة قصيرة لم تتجاوز ستة اشهر تمكنت من جذب انتباه القضاة في الموصل واشادوا بامكانياتي لدى أصحاب الدعاوي.

* هذا يعني أنك لم تكتفي باداء الوظيفة فقط وانما الابداع فيها ايضا وكسر الروتين الوظيفي كان من صفاتك؟

ـ نعم .. بالنسبة لي العمل الوظيفي لم يكن مجرد عمل مقابل راتب ، وتعاملت معه كأمانة ومسؤولية كبيرة لان على القانوني ان يكون متابعاً جيداً ولايترك أي ثغرة تعرضه للاخطاء، مثلما يحصل الان في الكثير من الاحيان مع موظفين قانونيين الذين يعرضون مصالح الناس للخطر نتيجة تدني مستوى الخبرة والتجارب لديهم ولعدم بذل جهود شخصية من قبلهم لتطوير قدراتهم في هذا المجال الحساس.

*  وسط قصص النجاح هذه .. أين سنجد مايتعلق منها بنيل شهادة الماجستير في القانون الدولي ؟

ـ بعد ان مضيت وتعمقت في العمل القانوني وبعد تعلمي استعمال الحاسبة وطبع كل مايتعلق بضرورات عملي ومنها لوائح المحاكم وغيرها .. لفت انتباهي موضوع مشكلة العراق المائية .. مشكلة دجلة والفرات ومنابعها من تركيا ،ايران،سوريا .. وأتجهت للعمل في قسم المياه الدولية الذي يتعامل مع دول الجوار حول مياه النهرين، وبدأت أقرأ في الانترنيت وفي الكتب عن كل مايخص هذا الموضوع من اتفاقيات قانونية بين العراق والدول المجاورة، وأبحث عن سبب هذه المشكلة، ولماذا حصلت الشحة المائية، وماهو مستقبل العراق في ظل استحواذ دول المنبع بكميات المياه الواردة الى العراق ؟ وتوصلت الى انها مشكلة كبيرة حقاً.. فالاطلاقات المائية القليلة انعكست على مياه الشرب والانتاج الزراعي وعلى الاقتصاد العراقي عموماً ، وان بناء السدود من قبل دول الجوارتسبب في مشكلة فنية معقدة وفيها ايضا جنبة سياسية وأمنية ومثال ذلك ، كان هناك اتفاقية أمنية مع تركيا وسوريا فيما يخص الحد من خطر حزب العمال الكوردستاني، ولاننسى الابعاد الاستعمارية لتركيا التي تخطت مشكلة حزب العمال وهي إدعائها بأحقيتها بمدينة الموصل وكركوك، كل هذه القضايا عكستها تركيا في نظرية سياسية على المياه، ورفضت الى جانب ايران وسوريا لتوقيع إتفاقيات بعيدة الامد لتعيين الحصص المائية والواردات لكل دولة.. كل هذه العوامل مجتمعة دعتني الى ترك جزء من مهامي وأتجهت لدراسة الموضوع خصوصا بعد تنسيبي كمدير عام للدائرة القانونية والعقود في مركز وزارة الموارد المائية في بغداد بعد نزوحنا من منطقتنا عام 2014 بعد سيطرة داعش عليها .. وتعمقت في دراسة خواص دجلة والفرات، وايضا الانهار الحدودية وعددها 42 نهرا مشتركاً مع ايران وفي الفترة الاخيرة قامت بتحويل مسار الانهر باتجاه العمق الايراني لحرمان العراق من كميات كبيرة من المياه، وحصلت مشكلة مائية بين العراق وايران أثر تدني مستوى المياه ومنها مياه الشرب، دفعني هذا كله الى تناول الموضوع وفق بحث علمي أكاديمي، وبدأت استفسر عن مدى امكانية قبولي للدراسات العليا في كلية القانون، فقدمت للدراسة في جامعة الموصل وتم قبولي كطالب ماجستير/ الدراسة المسائية، كان ذلك عام 2019 .

*  كيف تكيفت مع اجواء الصفوف والمحاضرات وانت في مرحلة عمرية مختلفة جدا عن زملائك الطلبة؟

ـ عند دخولي الصف لاول مرة كنت اقرأ الاستغراب في وجوه زملائي الطلبة كون جميعهم شباب وفي مقتبل العمر، وكنت أتوقع ان تملأ مخيلتهم اسئلة عديدة.. مالذي يفعله رجل بعمري في هذا الصف؟ أو ماذا تعني له هذه الشهادة ؟ وليس الطلبة فقط وانما حتى الاساتذة، واتذكر عندما دخل علينا لاول مرة أستاذ مادة القانون الاداري سألني، من انت ؟ ماذا تفعل هنا ؟ فاجبته انا طالب .. لم يتوقعوا ان يشغل رجلا بعمر 65 عاما مقعداً دراسياً في الدراسات العليا، خصوصا بعد الاحداث التي شهدتها الموصل ومناطقها .. ولتفوقي الدائم في كل المواد وخاصة القانون الاداري أصر استاذ المادة ان تكون رسالتي عن أحد جوانب مادته، ولكني رفضت وأخبرته بأن وجودي في هذا المقعد الدراسي جاء اساساً للبحث في موضوع المياه الدولية في العراق وماهو حل المشكلات التي يواجهها؟ وأخترت ان تكون رسالتي تحت عنوان (تسوية المنازعات الناشئة عن استخدام المجاري المائية الدولية) وناقشت الرسالة وحصلت على الماجستير بتقدير (امتياز) قبل فترة قصيرة من هذا العام 2021.

* بأختصار.. مالذي توصلت اليه في بحثك .. ماهي الحلول ؟

ـ توصلت الى ان كل محاولات إيجاد الحلول عن طريق المفاوضات التي سار بها العراق خلال مائة عام من تاريخ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 ولحد الان، سواء مع تركيا او ايران او سوريا ، كانت مجرد مماطلة وتسويف ومعالجات آنية ومجاملات بين هذه الدول ، في حين ان بالامكان إيجاد حلول عقلانية وجذرية للمشكلة عن طريق الحل الدولي واللجوء الى الامم المتحدة فميثاقها دعا الى عدم استخدام القوة والى حل مثل هذه المشكلات في العالم بأساليب معينة. واذا لم تتمكن الامم المتحدة من التوصل الى حلول، فهناك مسعى اخر يسمى (محكمة التحكيم) يمكن للعراق تقديم مبرراته في مشكلة المياه والضرر الذي تلحقه بالبلد ، واذا لم نحصل على حل فيمكن ايضا اللجوء الى المحكمة الدولية التي قدمت حلولا لبلدان عديدة عن طريق عشرات القرارات تخص المشكلات المائية. هذا كان ملخص البحث واستنتاجه، وهو ان الملف المائي بين خيارين لاثالث لهما اما الاستمرار في المماطلة في المفاوضات او اللجوء الى الحل الدولي وهو حل سلمي بعيد عن النزاعات ويضمن الحقوق بموجب القوانين الدولية، وهي قادرة على أنصاف جميع الدول في حال الالتزام بها ، وللعلم ان حق العراق في اللجوء الى التحكيم الدولي بما يخص المياه موجود ضمن بنود اتفاقية لوزان مع تركيا، ومع ايران ايضا هذا الحق مكفول ضمن بنود اتفاقية الجزائر الموقعة عام 1975 .

*  هل تفكر في نيل الدكتوراه ايضا ؟

ـ نعم اكيد وبدأت المشوار بالفعل ودخلت دورات مختلفة في الحاسبات وفي اللغة الانكليزية وغيرها تمهيداً للتقديم لها، وأجريت امتحان الكفاءة للدورات واخترت حتى موضوع الاطروحة ايضا وهو (التنظيم القانوني للمياه في العراق) ولكن بصراحة تواجهني مشكلة مادية لانها ستكون على نفقتي الخاصة مثل الماجستير .. فالامكانيات محدودة، وتكاليف الدراسة أصبحت ثقلا على وارد العائلة ، لذلك سأكون ممتنا اذا ماكان هناك جهة حكومية او منظمة خيرية تساندني في هذا الجانب وأن كان بنسبة محدودة من تكاليف الدراسة .

*  بعد هذه الرحلة العلمية الطويلة .. ماهي رسالتك للاجيال القادمة ؟

ـ انا دائما اشجع الشباب للدراسة والنجاح والمضي نحو التفوق والتميز ايضا ، فكل شهادة ينالها هي مصدر فخر له ولعائلته ولمجتمعه ولبلده ، كما أنصح ابناء بلدي العراق بشكل عام وابناء المكون المسيحي بشكل خاص بعدم المبالاة بمسألة العمر .. فهو مجرد رقم لاقيمة له امام طموح الانسان ومثابرته من أجل خير بيته وعائلته ووطنه .. فعندما يقدمون على الدراسة خصوصا الدراسات العليا فهم يقدمون خدمة كبيرة لوطنهم من خلال الفكرة التي يقدمونها ومن ثم محاولة الابداع فيها والخروج بنتائج جديدة ومجدية وذات فائدة للاجيال القادمة.

* أنبهرت منذ الوهلة الاولى بهذه اللوحة الفنية التي ترسمها الكتب على جدران هذه الغرفة.. مالذي تعنيه لك ؟

ـ مكتبتي تحوي أنواع مختلفة من الكتب في التاريخ والادب والثقافة والسياسة ، ولكن اغلبها في القانون الدولي وزعتها حسب مجالاتها، وحقيقة عندما أتواجد هنا أشعر بأن هناك أكثر من صديق بجانبي يكلمونني ونتحاور معاً في مختلف الامور والقضايا .. سعيد جداً لان لي اصدقاء اوفياء مثلهم .

* هل لك كتب مطبوعة ؟

ـ نعم ..لدي ثلاثة كتب ، إثنان منها تخص القوانين ذات العلاقة بعمل وزارة الموارد المائية ومعتمدة لديهم حالياً، اضافة الى كتاب ثالث بعنوان (السلطة القضائية المخولة لموظفي الموارد المائية)، كما لي مساهمة في كتابة مسودة مشروع قانون الاحوال الشخصية للمسيحيين في العراق .

* ماهي الصفة التي تحبذها في شخصيتك وتعتقد انها كانت وراء كل هذا النجاح ؟

ـ برأيي الشخصي ان أهم صفة تدفع الانسان الى النجاح والتفوق هي التواضع ، فانا عملت في العديد من دوائر الدولة واستلمت فيها مهام بدرجات وظيفية عالية ، ولكن “الباب المفتوح” أمام الجميع كان شعاري في الحياة ، فالتواضع كان يزيد من احترامي لدى كل الناس الذين عملت وتعاملت معهم في حياتي ، ثانياً شغفي بالعلم كان صفة اخرى قادتني الى تحقيق اهدافي وطموحاتي التي رسمتها منذ الطفولة ، وايضا القراءة والمطالعة كانت بمثابة هواية مازلت اعتز بها.

* هل لك نشاطات اخرى بعيداً عن الدراسة والوظيفة ؟

ـ اقوم ببعض الانشطة في القرية، منها كنسية واخرى ثقافية واجتماعية، وترأست المجلس الكنسي في دورته السابقة، وتوجهت في الفترة الاخيرة الى قراءة الكتب الدينية والبحث في موضوع اختلاف الطوائف المسيحية وزرت رجال الدين من كل الطوائف لجمع معلومات اكبر عن الموضوع، وبعضهم زودني بكتب كنت أبحث عنها ،وساقوم بأعداد بحث عن ذلك الاختلاف في الطوائف.

*  لا اتوقعه ولكن سأسالك عنه، في رحلة العمرهذه ، هل شعرت بالفشل في حالة ما؟.

ـ نعم شعرت به ..

*  متى؟ وكيف واجهته؟

ـ نقولها دائما لكل حصان كبوة .. في إحدى محاضراتنا في الجامعة كنا نناقش موضوع المنطق وقام الاستاذ بطرح سوال كامتحان شفهي وسألني سؤال صعب لم يمر بي سابقاً .. فاجبته لا اعرف .. فقال ماذا تعتبر جوابك هذا هل هو فشل ام كبوة؟ .. فأجبته كبوة .. فتسائل لماذا تعتبرها كبوة وليس فشل ؟ فقلت لاني لن استسلم له وسأرجع لابحث عن جواب لسؤال .. فقال لقد تعمدت في سؤالك لاني كنت متيقناً بان جوابك لن يكون بديهياً ..  لذلك انا أعتبر الفشل أساس لانطلاقة جديدة ونجاح باهر اذا ما اراد الانسان ان يحقق ذاته .

*  لكل انسان نقاط  قوة وضعف.. كيف أستثمرت نقاط القوة في شخصيتك؟ وكيف جابهت نقاط الضعف؟

ـ أعتبر الاصرار والعزيمة من أهم نقاط القوة لديّ .. العزم على الوصول الى الهدف مهما كانت عثراته، من الممكن تأجيله ولكن التغاضي عنه لايمكن .. سأعطيك مثالا : عندما قدمت عام 2004 للدراسات العليا ، لم يتم قبولي، قابلت عميد الكلية ولم يشجعني ايضا ورفض طلبي بحجة أنني موظف وحصلت على شهادات عديدة ، ” دع المجال لغيرك من الشباب خصوصا ان شرط العمر لاينطبق عليك” .. هكذا قال .. وعندما استفسرت عن هذا الشرط علمت بأن هناك حالات استثناء، فقررت مقابلة رئيس الجامعة وبدوره أخبرني بأنها ليست من صلاحياته وأنما من صلاحيات الوزير.. وبعدها قابلت وكيل الوزير وحصلت على الاستثناء، وعند العودة الى العميد رفضه مرة أخرى ومنعني من الحصول على المقعد الدراسي، ولكني لم استسلم، أجلت الموضوع ولكن لم أنساه وعدت اليه عندما جاء قرار افساح المجال للراغبين بالدراسة على نفقتهم الشخصية فأستثمرت القرار وقدمت لدراسة الماجستير.

اما نقاط الضعف فالطيبة المفرطة وحسن النية .. لم أعرف سوء النية يوما..  ولكن للاسف استغلت هذه الصفة من قبل من لايقدرونها واجبروني على عدم منح الثقة لاي كان .

* ولكن يفترض ان تكون الطيبة من نقاط القوة وليس العكس ..

نعم .. كانت كذلك سابقا ولكن واقعنا اليوم مغاير تماماً والناس تغيروا حتى في طبيعتهم واخلاقهم واصبح الاستغلال نوعا من الانتصار عند الكثيرين.

* لم تحدثنا عن العائلة .. الزوجة والاولاد .. هل ورثوا عنك هذه العزيمة والارادة ؟ وهل ساندوك في مساعيك نحو بلوغ مقاصدك؟

ـ نعم أكيد .. زوجتي تقدر الانسان المتسلح بالعلم والمهتم بالثقافة العامة وساندتني كثيرا، وهي خريجة كلية الهندسة الكيميائية ، بالنسبة للاولاد لدي اربعة اولاد وبنت واحدة .. أبني دانتي متخرج من كلية الهندسة ـ قسم الكهرباء ويعمل حاليا كموظف في سد الموصل ، وفليمون متخرج من هندسة الحاسبات وهو موظف في دائرة الري في بخديدا(قرقوش)، وأبنتي فالستي متزوجة وحاليا تعيش في كندا وهي متخرجة من كلية التربية ـ قسم علوم الحاسبات، وأبني فادي متخرج من كلية التربية ـ قسم اللغة الانكليزية، وآخر العنقود بشار حاليا في الصف السادس الاعدادي ـ الفرع العلمي، ووصيتي له ان يدخل كلية القانون ويكون خليفة لي في هذا المجال لاني لم أفلح في إقناع إخوته لتولي هذه التركة التي اعتز بها .

كلمتك الاخيرة رابي يعقوب ..

كل ما اريد ان اتوجه به الى ابناء شعبي والشباب خاصة ، هو اننا مررنا بظروف في غاية الصعوبة من استهداف وقتل وتهجير، وساهمت الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية في تهديد وجودنا على هذه الارض، وجابهنا مواقف صعبة في محاولات لاجتثاثنا من جذورنا، على سبيل المثال الموقف الذي تعرضنا له كعائلة ومحاولة اغرائنا لبيع حصتنا في أراضي زراعية تم بيعها من قبل بعض الورثة الى غرباء عن برطلا ، الا اننا رفضنا البيع واستلام حصته البالغة 63 مليون دينار، ورفضنا التفريط بقطعة أرض اخرى وبيعها لصالح بناء جامعة عليها، كل ذلك ايماناً منا بأن الارض لاتقدر بثمن، وقناعتنا بأن هذه الممارسات تهدف الى قلع جذورنا منها.

كلها امور مؤلمة بكل ماتعنيه الكلمة ولكن أدعوكم الى مجابهتها باصراركم وعلمكم وعزيمتكم، لان الاوضاع لن تبقى على ماهي عليه .. فالعراق سيستعيد عافيته وسيعود الى مكانته الطبيعية ، فلا تتسارعوا في قراراتكم، وارسموا طريق النجاح بكل تحدياته.. بالتعليم ، بالعمل ، بالمثابرة، بالثبات من أجل مستقبل أفضل .. فقد كان لشعبنا بكل تسمياته دوراً كبيراً في بناء البلد منذ عهود طويلة ولا يزال حرص ابنائه على مستقبل العراق واضحاً وحقيقياً، فكونوا احفاداً جديرين بما خلفه أولئك الاجداد المبدعين والغيورين على شعبهم ووطنهم .

 

 

 

 

التعليقات مغلقة.