هل تنتصر العدالة لانصاف الصحفيين العراقيين الذين قتلوا وقيدت قضاياهم ضد مجهول

بمناسبة اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين

إبراهيم الخليفة

يحتفل العالم اليوم الثاني من نوفمبر 2021 باليوم الدولي  لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم الوحشية المرتكبة ضد الصحفيين ، وقد حددت الأمم المتحدة  هذا اليوم بقرارها  68/163، الذي حث فيه المجتمع الدولي ،الدول الأعضاء على إتخاذ تدابير محددة لمواجهة ثقافة الإفلات من العقاب الحالية ، والتي تنامت بشكل كبير في العديد من الدول التي  تواجه تراخي في تنفيذ القانون او سطوة الجماعات المسلحة وخاصة في دول العالم الثالث، وقد اختير هذا اليوم استذكارًا لمقتل صحفيين فرنسيين في محطة إذاعة فرنسا الدولية (RFI) بعد اختطافهما في بلدة كيدال شمالي مالي في 2 تشرين الثاني /  نوفمبر2013، ويدين هذا القرار الذي وصفه البعض بأنه تاريخي جميع الهجمات ووسائل العنف المرتكبة ضد العاملين في مجال الصحافة والإعلام، وضمان المسألة وتقديم مرتكبي هذه الجرائم إلى العدالة، و حصول الضحايا على الإنصاف المناسب، وتدعوا الدول على توفير بيئة آمنه لتمكين الصحفيين من أداء عملهم الميداني باستقلالية وحيادية.

وبدعم من اليونسكو بأعتبارها المنظمة الدولية المعنية “بالتدفق الحر للأفكار عبر الكلمة والصورة” فقد حُدد يوم الثالث من نوفمبر الجاري للاحتفال بهذه المناسبة  ومما جاء في كلمة اليونسكو “ستكون الفعالية الرئيسة للاحتفال باليوم الدولي 2021 لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين عبارة عن ورشة  تتضمن مناقشة مائدة مستديرة رفيعة المستوى مختلطة الشكل في معهد سيراكيوز الدولي للجرائم. وستتيح  هذه المنصة الحوار بين المدعين العامين والصحفيين بشأن تدابير الوقاية والحماية للتصدي للتهديدات التي تطال سلامة الصحفيين، ويسلط الضوء على الدور الفعال لأجهزة النيابة العامة في التحقيق والملاحقة ليس في جرائم القتل فحسب، وإنما في ما يتصل بالتهديدات بالعنف ضد الصحفيين”.

و بضوء هذه المناسبة تعمل المنظمات الدولية  على انهاء ثقافة الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين  وجعله على قائمة أولوياتها والتي هي من أكثر القضايا  إلحاحا لضمان حرية التعبير والوصول الآمن وغير المقيد للمعلومات ،وتشيرمعلومات مرصد اليونسكو للصحفيين  بمقتل  أكثر من (1200 )،صحفي في جميع أنحاء العالم ما بين (2006 و2020)، اثناء تأديتهم لواجباتهم الميدانية في تغطية الأحداث،وما يزيد من قلق المنظمات الدولية أن الافلات من العقاب  يعني في مضمونه التشجيع على  ممارسة المزيد من العنف ضد  العاملين في وسائل الإعلام وبالتالي يحجم الدور الرائد لهذه الوسائل في محاربة الفساد وانتشار الجريمة وفي التضييق على حرية الإنسان والتستر على الإنتهاكات الجسيمة المرتكبة ضد بني البشر والنقل الحر للمعلومات وتبادله.وتسلط الاحتفالية بهذه المناسبة التي تكون تحت عنوان “التصدي للتهديدات بالعنف والجرائم ضد الصحفيين لحماية حرية التعبير للجميع” على الدور النشط و الفعال الذي يفترض أن تقوم به النيابة العامة ( الادعاء العام)في التحقيق والمتابعة ، ليس فقط جرائم القتل وإنما التهديد والذي  يقع تحت إطار الشروع بالقتل، والخطف ،التعذيب ،الإختفاء القسري ، الإعتداءات الجسدية المضايقات، والتضليل  وخاصة في مجال الاعلام الرقمي.والتي نشطت عبر وسائل التواصل الإجتماعي. إن الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين لها تأثير بالغ على المجتمع ككل، لأنها تمنع الناس من اتخاذ قرارات مستنيرة. وقد برهنت جائحة كوفيد-19 وما رافقها من انتشار واسع للمعلومات المضللة على أن الاطلاع على الحقائق وعلى المعلومات العلمية هو بالفعل مسألة حياة أو موت. وعندما يصير الحصول على المعلومات مهددا بالخطر، فإن ذلك يبعث برسالة مقلقة تقوض الديمقراطية وسيادة القانون.

أن أخذ العدالة مجراها فيما يتعلق بالانتهاكات التي ترتكب ضد الصحفيين  يعزز من بيئة العمل الإعلامي ، وفي توفير الوقاية والحماية للصحفيين ولهذا بات من الضروري أن يتم تبني مزيداً اليات الحماية الوطنية للصحفيين.

يعد العراق من طليعة الدول التي يتعرض بها الصحفيين إلى إنتهاكات جسيمة  بسبب البيئة غير الامنة في البلد، رغم أن الدستور العراقي الصادر 2005، قد كفل حرية التعبير وكذلك قانون حماية الصحفيين، فقد اشارت ادبيات نقابة الصحفيين العراقيين بمقتل أكثر من  (500) صحفي وعامل إعلامي في مختلف أنحاء البلاد  على يد الجماعات الارهابية تحت مختلف تسمياتها فضلا، عن حالات الخطف والاحتجاز غير المشروع والتغييب القسري والتهديد بالقتل  والتهديد بالفصل العشائري  كل هذه تعتبر جرائم ترتكب بحق العاملين في مجال الإعلام.يقول الخبير القانوني طارق حرب ” أن اغتيال الإعلاميين العاملين في المؤسسات الإعلامية أو حتى مهاجمة   تلك الوسائل أو ابنيتها ومعداتها لم يغير من الخط السياسي والإعلامي للمؤسسة موضع  الاستهداف او الاعتداء اذ تتمكن تلك الوسيلة من الحصول على إعلاميين آخرين  .. أن مسألة اغتيال الإعلامي لا علاقة لها بحرية التعبير والرأي والفكر… وإنما الاغتيال يستهدف الزوبعة الإعلامية التي تتبع حادثة الإغتيال..

أغلب حالات استهداف الإعلامين في العراق قيدت ضد مجهول  ما عدا حالات محددة جدا، وغالبا  ما اشتكيت  المنظمات المحلية والدولية  من ان السلطات العراقية لم تقوم بواجبه في حماية الصحفيين وقيدت اغلب حالات استهداف العاملين في مجال الإعلام ضد مجهول مثل  المرصد العراقي للحريات الصحفية في نقابة الصحفيين العراقيين، جمعية الدفاع عن حرية الصحافة في العراق ،المرصد العراقي للحريات الصحفية ، مركز ميترو” للحقوق الصحفية، فيما قالت  لجنة حماية الصحفيين CPJ الامريكيه، لهذا العام، ياتي العراق ثالثا في الترتيب العالمي إفلات قتلة الصحفيين من العقاب”.  ما عدا حالتين أو اكثر، وهنا لابد من الإشارة إلى الحكم   الذي صدرعن محكمة عراقية يوم امس الاثنين 1 نوفمبر حكما بالإعدام شنقا بحق المتهم الرئيسي بقتل صحفيين معروفين بنشاطهم الداعم للاحتجاجات الشعبية قبل عامين في مدينة البصرة جنوبي البلاد.وهما مراسل قناة “دجلة” في البصرة الصحفي أحمد عبد الصمد (37 عاما) وزميله المصور صفاء غالي (26 عاما)، وفقا للمادة 13 من قانون مكافحة الإرهاب.  كما سبق  وان تم نشر اعتراف ضابط شرطة عراقي يعترف بقتل المحلل الإستراتيجي والأمني هشام الهاشمي.ان ملاحقة مرتكبي الجرائم ضد الصحفيين والاعلاميين ينعش الامل في السير نحو انصاف الضحايا كما يعزز الديمقراطية وحقوق الإنسان ويخلق بيئة مناسبة للسلطة الرابعة.

إن تنامي سياسة الإفلات من العقاب في الجرائم المرتكبة ضح العاملين في الإعلام  ليس مقتصرة على العراق أو بلد محدد بعينه، حيث قالت اليونسكو  ان تسع حالات من الاعتداء على الصحفيين من مجموع عشرة حالات قتل دون حل قضائيا.وأن أحدث الإحصائيات المتعلقة بقتل الصحفيين والإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضدهم، فضلاً عن تحليل الاتجاهات حول سلامة الصحفيين أثناء الاحتجاجات والاعتداء النفسي عبر الإنترنت. تظهر البيانات الجديدة أن عمليات قتل  الصحفيين آخذة في الانخفاض على مستوى العالم مع انخفاض بنسبة (20٪) السنوات الخمس الماضية (2016-2020) مقارنة بفترة السنوات الخمس السابقة (2011-2015). ومع ذلك، تسلّط البيانات الضوء أيضًا على أن مستوى الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين لا يزال مرتفعًا للغاية على مستوى العالم، حيث بلغ معدل الإفلات من العقاب ( 87٪) ، وهو معدل مرتفع مماثل للسنوات السابقة، وأن التهديدات بالعنف ضد وسائل الإعلام آخذة في الارتفاع.أن الجرائم التي ترتكب ضد الصحفيين وفي مختلف عناوينها اوتنكر واجحاف بالدور الريادي الذي تقوم به وسائل الإعلام في توصيل المعلومة الصحية للمواطن ، او تجاهل لدورها الريادي في خدمة المجتمع ايام الازمات، صحيح أن ثقافة الإفلات من العقاب بدأت تنحى منحى ايجابي لصالح العدالة وإنصاف العاملين في هذا المضمار لكن لازل ذلك دون المستوى المطلوب.

التعليقات مغلقة.