هل تتغلب العشيرة على الحزب في الانتخابات العراقية

المستقلة /- يبدو أن الطابع العشائري بات طاغيا على المشهد الانتخابي في العراق، حيث يشكل مرشحو القبائل نسبة كبيرة بين المتنافسين على مقاعد مجلس النواب في الانتخابات ، وتتطلع كل قبيلة إلى اختيار مرشحيها بغض النظر عن البرامج الانتخابية.

ويرى أستاذ الإعلام الدولي والمحلل السياسي الدكتور مؤيد خلف الدليمي، أن للعشائر العراقية دورا وتأثيرا فاعلا في المشهد السياسي والاجتماعي والأمني منذ بدء التشكيلات السكانية لبلاد ما بين النهرين، وتحديدا إبان الحرب العالمية الأولى والاحتلال البريطاني، مرورا بالعهدين الملكي والجمهوري وصولا إلى عراق ما بعد عام 2003.

ويبيّن ، أن طبيعة التأثير تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة وما يحيط بها من متغيرات، وقد يكون التأثير واضحا جدا في الانتخابات القادمة، بسبب بعض العقليات الإدارية التي تتحكم بزمام الأمور وهي خاضعة لسلطة العشيرة والقبيلة.

ويضيف الدليمي، أن مضايف العشائر في أغلب الأحيان هي المسيطرة على كل شيء وهناك تدار الصفقات، لذلك أصبح للعشيرة والقبيلة تأثير واضح على القرار السياسي.

ويعتقد أنه رغم ذلك الدور والتأثير لن تستطيع العشيرة في هذه الانتخابات دفع مرشحيها لعضوية مجلس النواب العراقي، بسبب قانون الانتخابات الجديد الذي قسم المحافظات والمدن إلى دوائر انتخابية متعددة، مما أدى إلى تفتيت العشيرة انتخابيا وتشتيت ناخبيها بين تلك الدوائر، كما أن وجود أكثر من مرشح لهذه العشيرة أو تلك في الدائرة أو المنطقة يخلق صراعات تضعف حظوظهم في الفوز.

ضعف الدولة
وإذا ما عدنا إلى التاريخ السياسي العراقي نجد أن العشائر العراقية كان لها دور كبير في المشهد منذ عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، واستمرار هذا الدور قد يكون برز بشكل كبير جدا في عهد النظام السابق، بحسب رئيس مركز التفكير السياسي الدكتور إحسان الشمري.

ويوضح الشمري أن دور العشائر وسطوتها بعد عام 2003 يرتبط بضعف الدولة وضعف تطبيق القانون، فكلما كانت الدولة ضعيفة يتزايد دور العشائر، فغياب القانون يدفع العشيرة إلى الصعود باعتبارها الطرف الحامي على حساب الدولة العراقية.

ويعتقد أن العشائر قادرة على اختيار ومساندة مرشحيها للظفر بعضوية مجلس النواب، لكن هذا الأمر يرتبط بتماسك العشيرة، حيث عمدت الأحزاب السياسية نتيجة تنافسها على إيجاد أكثر من مرشح في العشيرة وهذا أضعف دورها.

ويشدد الشمري على أن المرشح الذي لا يمتلك النضج والثقافة السياسية، وبقي مرتبطا بالحزب السياسي أو الجغرافيا التي دفعت به إلى عضوية مجلس النواب، وعدم تركيزه على القضايا العليا للبلاد “لن يستطيع أن يكون فاعلا ومؤثرا في المشهد السياسي العراقي”.

توازن القوى
مرت العشائر العراقية بمراحل قوة وضعف وذلك حسب حاجة الدولة للعشيرة، فعندما يغيب التهديد الأمني يتراجع دور العشائر بشكل كبير، واليوم الفاعل السياسي أقوى من الفاعل الاجتماعي، بحسب غانم العيفان الباحث في الشأن الأمني والسياسي.

ويضيف  أن هنالك علاقة بين فواعل سياسية معينة وبعض العشائر، وتحولت هذه التفاهمات إلى شبه تحالف بين القوى السياسية وبعض القوى العشائرية، حيث تسعى الأطراف السياسية المتنافسة للحصول على عمق جماهيري أكبر وضمان مساندة العشيرة.

وينوه العيفان إلى وجود توظيف كبير جدا للمال السياسي، وتوظيف للسلطة بشكل هائل، وهناك تراجع واضح لمفهوم الدولة ومؤسساتها المستقلة، وذلك أدى إلى الإخلال بميزان القوى المتنافسة.

أقوى من الحزب
بدوره يقول الشيخ صباح المحلاوي، شيخ عشيرة البو محل في الأنبار، إن التنافس الانتخابي في المحافظة على أشده ومعظم المرشحين هم أبناء عشائر، والعشيرة الآن أقوى من الحزب في موضوع الانتخابات، وجميع المرشحين رجعوا إلى عشائرهم ولم يعتمدوا على أحزابهم.

وفي حديثه  يؤكد المحلاوي أن قوة العشيرة تتمثل في انتمائها لمناطق وجودها على الساحة السياسية، بالإضافة إلى أعداد الناخبين من أبنائها، ودورها الرئيسي في استتباب الأمن من خلال التجارب السابقة على مدى أكثر من 15 عاما.

وينوه المحلاوي إلى تحديات كثيرة تواجه محافظة الأنبار، أخطرها الانتماءات السياسية المشبوهة والعمل على إرباك الوضع الأمني والاقتصادي داخل المحافظة، والأكثر خطورة هي سياسة التجويع والمفاضلة بين مناطق المحافظة، فهنالك مناطق يعمها الإعمار والبنى التحتية الممتازة ومناطق أخرى معدومة.

ويرى الباحث الاجتماعي الأقدم محمود داود الملا خضر، معاون مدير الرعاية الاجتماعية في الأنبار، أن معظم المجتمع في الأنبار وباقي المحافظات يميل للعشائرية حسب التركيبة الاجتماعية لكل محافظة، ولذلك أصبح رسم السياسة يعتمد على رجال القبائل أكثر من المدينة.

وفي حديثه ، يعرب الملا خضر عن اعتقاده أن دور العشائر في السياسة يكاد يتبع المصلحة الشخصية لرئيس القبيلة، ولكن القرارات السياسية قليلا ما تتأثر بالإرادة العشائرية، كون أغلب زعماء القبائل ولاؤهم مادي وليس سياسيا لخدمة المحافظة.

الشرشاب: تأثير مرشحي العشائر في الانتخابات أقوى من قوة رؤساء الكتل السياسية (الصحافة العراقية)
أداة سياسية
ويقول الشيخ خالد قاسم الشرشاب أحد مشايخ عشائر البدور جنوب العراق إن التنافس الانتخابي بين مرشحي العشائر موجود، لأن أبناء العشائر لا يختلفون عن غيرهم من فئات المجتمع، ويرغبون بالتنافس الانتخابي والسياسي من أجل تعزيز وجودهم ونفع محيطهم.

وفي حديثه  يؤكد الشرشاب أن كلمة العشيرة في القرار السيادي مصادرة من قبل قيادات السياسة والقيادات الدينية، كون العشائر لا تمتلك تنظيمات بالمعنى الحرفي، لذلك غالبا ما تكون العشائر أدوات من أجل تعزيز قرار القيادات السياسية والدينية.

ويؤكد الشرشاب أن مرشحي العشائر في مجلس النواب السابق والحالي وقوة تأثيرهم أقوى من قوة رؤساء الكتل السياسية، لأن شرعيتهم ممتدة في بطون عشائرهم، وأهم دليل على ذلك أن الكتل السياسية تطرق بابهم من أجل تحصيل أصوات ناخبيهم.

هيمنة عشائرية
ويعتقد الناشط في الشأن السياسي يزيد الحسون أن التأثير السياسي في محافظة صلاح الدين هو على الأغلب بيد العشائر التي تدعم مرشحي العشيرة نفسها، حتى تكون هيمنة عشائرية على مقدرات الدولة.

وفي حديثه  يبين الحسون أن فوز المرشح على أساس عشائري تجعله يعمل لمكاسب عشيرته فقط، حيث قام بعض السياسيين بشراء بعض شيوخ العشائر خصوصا في محافظة صلاح الدين.

ولا ينكر الحسون الدور الإيجابي الذي تقوم به العشائر، ولكن في الوقت نفسه هناك دور سلبي تلعبه بعض العشائر بسبب التنافس بين أبنائها، وهذا يسبب تمزيق النسيج الاجتماعي.

 

التعليقات مغلقة.

المزيد من الاخبار