معرض فني ليبي يرسم صورة قاتمة عن المجتمع بعد الربيع العربي

danyahajjaji

Danya Hajjaji

سلّط فنانون ليبيون الضوء على تأثيرات أزمة ما بعد الثورة خلال معرض فني محلي في طرابلس في مطلع نيسان/أبريل الجاري. فقد نظّمت “مؤسسة ورق للفنون”، وهي منظمة غير حكومية تعمل على إعادة إحياء المشهد الفني الليبي من خلال التراكيب وورش العمل، معرضاً بعنوان “إنذار” من الأول إلى الخامس من نيسان/أبريل، وكانت القيّمة عليه.

قالت تقوى أبو برنوسة، وهي من مؤسّسي “ورق للفنون”، لموقع “المونيتور”: “يركّز المعرض على التعبير عن مفهوم قضايا حقوق الإنسان في المجتمع المعاصر”، مضيفةً: “نحن نعتبر أن هذه هي وسيلتنا لخوض معركة مضادة”.

تقاطرت الحشود، على امتداد خمس أمسيات متتالية، إلى استديو “ورق” في وسط طرابلس. بعد عبور الشريط الأصفر الذي نجده في مسارح الجريمة والذي كان متدلّياً من إطار باب، كان الزوّار يجدون أنفسهم داخل فضاء أبوكاليبتي. وفي وسط القاعة كانت هناك مقاعد خشبية مبعثرة تجسّد تشكيلاً فوضوياً، وتحيط بها شاشات كمبيوتر تُعرَض عليها أفلام قصيرة تثير الاضطراب في النفوس. وزُيِّنت الجدران بأعمال فنية مؤرِقة فيما كان الاستديو غارقاً بالإنارة الحمراء والزرقاء الساطعة. وكان تسجيلٌ لأصوات حرب مخيفة وبعيدة تتردّد أصداؤه عبر فضاء المعرض.

لا يشبه معرض “إنذار” كثيراً المعارض الفنية “الجذِلة” التي شهدتها طرابلس في السابق.

عرض فنانون من خلفيات متنوعة أعمالهم عبر وسائل مختلفة مثل الرسم والتقنية الرقمية والفيديو والتصوير وفن الخط.

ارتكزت طالبة تكنولوجيا المعلومات، رزان النعاس، في عملها الرقمي “خُطِف ولم يعد”، على تروما شخصية عاشتها بنفسها. العام الماضي، قامت عصابة بخطف جدّها سليمان، وهو الرجل العجوز الذي يظهر في أمامية العمل الفني.

قالت النعاس لموقع “المونيتور”: “بكيت حتى جفّت الدموع في مقلتَيّ. شعرت وكأنه الجحيم، أمضيت شهراً كاملاً في التحديق في عينَي والدتي الحزينتين التي كانت تبكي غياب والدها”.

أبقى الخاطفون جد النعاس محتجزاً لديهم إلى أن قامت عائلتها بدفع فدية كبيرة جداً تجسّدها الفنانة في خلفية العمل المعروض من خلال الأوراق النقدية من فئة عشرة دينارات.

تروي النعاس: “أردت أن أتشارك هذا الشعور مع الجميع. أردت أن أتشارك معهم فكرة أنهم قد يستيقظون ذات يوم ليجدوا أن أحد الأشخاص الأقرب إليهم قد تعرّض للخطف”.

استلهمت معلّمة المدرسة فايزة رمضان لوحتها “عزل حمائي” من تجربتها في تدريس الصف الثاني. تجسّد الخطوط العريضة المحيطة باللوحة باللون الأزرق أولياء الأمور الليبيين يتحدّثون بحرية كبيرة عن أهوال الحرب أمام أبنائهم الذين يجري تجسيدهم من خلال الوجه المينيمالي في وسط اللوحة. تتذكّر رمضان لقاءها مع والدة إحدى الطالبات العدائيات، وقد عزت الوالدة سلوك ابنتها إلى اكتشاف الطفلة أن عناصر من تنظيم “الدولة الإسلامية” ذبحوا عمّها.

تروي رمضان لموقع “المونيتور”: “يجلبون تلك الأمور معهم إلى قاعة التدريس. يتكلّمون عن الحرب والخطف، وعمرهم لا يتجاوز الثمانية أعوام. … يجعلني ذلك أشعر بأنه ليس هناك من أمل للأجيال الفتيّة”.libyaartexhibit-570

اختارت وعد حجا، الطالبة في هندسة المعلوماتية، مقاطع فيديو من موقعَي “يوتيوب” و”فيميو”، ومن الإعلانات التجارية التلفزيونية لإنتاج فيلم قصير يتضمن مشاهد عنف مركَّبة، ويُعرَض بصورة متكررة عبر شاشة كمبيوتر موضوعة في وسط الاستديو. لقد سعت جحا إلى تجسيد تهديدات غير متوقّعة تتربّص بالليبيين في حياتهم اليومية. يُظهر أحد المشاهد المؤثّرة يدَين تغطّيان النصف السفلي من وجه دمية روسية، في محاكاة للنقاب. ثم تنزف الدمية، ما يدفع باليدَين إلى وضع اللعبة جانباً وإزالة بركة الدماء التي خلّفتها وراءها. وفي مقطع الفيديو التالي، تَظهر اليدان وهما تغلقان صنبور الماء.

قالت جحا : “تجسّد الدمية الصغيرة مع النقاب نظرتنا إلى الإسلام الآن بعد ظهور تنظيم الدولة الإسلامية. قُتِلت، وقد غسل يدَيه بالمعنى الحرفي للكلمة وكأن شيئاً لم يحدث”.

أنتج الفنان الرقمي، علاء بودبوس، وهو شخصية بارزة في المشهد الفني في طرابلس، سلسلة مؤرقة من الرسوم بعنوان “أطفال الحرب”، يجسّد من خلالها نشأة الأطفال في بيئة يطغى عليها العنف.

يظهر في الرسم الأول طفلٌ في الرحم تحيط به كلمات مكتوبة باللغة العربية، مثل “حرب” و”اغتصاب” و”دماء” و”عنصرية”.

قال بودبوس : “لقد ثبت علمياً أن الطفل في الرحم يتأثر بالأحداث المحيطة بوالدته. وهكذا إذا كانت الوالدة محاطة بالحروب والقتل والاغتصاب… فهذا يؤثّر في نمو الطفل داخل أحشائها”.

أما الرسم الثاني، وهو عبارة عن قناع غاز مع صمام استُبدِل بلهّاية أطفال، فيجسّد محاولات فاشلة للتخلص من فظائع الحرب والحفاظ على براءة الطفولة. وفي الصورة الثالثة التي يظهر فيها طفلٌ يقيس طوله بالوقوف إلى جانب رشاش كلاشينكوف، العِبرة هي إظهار السهولة التي يحصل بها الأطفال الليبيون على السلاح.

عرض طالب الفنون سالم بحرون خمسة من أعماله الرقمية في المعرض. لعل لوحة “صمت” هي الأقوى وقعاً، كونها تجسّد وجهاً مغطّى بالدماء يعرفه الكثيرون. فالطفل موضوع اللوحة ليس سوى عمران دقنيش، الفتى السوري ابن الخمسة أعوام الذي لفت أنظار العالم من خلال الصور التي التُقطِت له بعد هجوم جوي على حلب، والتي يظهر فيها جالساً في إحدى سيارات الإسعاف، مصاباً وآثار الذهول بادية على وجهه.

يقول بحرون: “تعبّر الرسوم عن الحزن والغضب والصراع الذي قد يشعر به المرء تجاه محيطه. لقد شعرت بحاجة ملحّة إلى رسمه”.

على الرغم من الانهيار الذي تعيشه ليبيا، يسجّل المشهد الفني في طرابلس ازدهاراً كبيراً. وقد أشار بودبوس إلى أن مدناً ليبية أخرى، على غرار بنغازي وسبها، تنظّم أيضاً معارض حيث يجري تسليط الضوء على المواهب المحلية.

أضاف: “لدى الأشخاص، لا سيما الشباب، رؤى وتطلّعات. أرى الوجه الآخر لليبيا من خلالهم”.

في بعض الحالات، انبثق الاهتمام بالفنون من التدهور في الظروف المعيشية في ليبيا. لم تنكبّ رمضان بالكامل على الرسم إلا بعدما اختبرت فترة من البطالة إبان الثورة. وسرعان ما تحوّل الرسم إلى أكثر من مجرد هواية تشغل بها أوقاتها.

تقول رمضان: “بما أننا لا نتمتع بالحرية للتعبير عن آرائنا بصورة مباشرة، يمكننا أن نصبّ كل مشاعرنا في الفنون. إذاً الفنون هي بمثابة علاج بالنسبة إلي. وهي تثقيف للجمهور”.

منذ الربيع العربي، تبلغ الحياة اليومية في ليبيا مستويات جديدة من الصعوبات والمشقّات الشديدة.

أدّت الإطاحة بنظام معمر القذافي في العام 2011 إلى حدوث فراغ في السلطة لا يزال مستمراً حتى يومنا هذا، وقد استغلّته المجموعات القتالية ذات الأجندات المختلفة. تتحدث منظمة “هيومن رايتس ووتش” في تقاريرها، اعتباراً من العام 2016، عن انتهاكات تعسّفية لحقوق الإنسان، مثل التعذيب والخطف والإعدام على أيدي الميليشيات والإسلاميين والقوات العسكرية ذوي الولاءات المتنوعة.

على المستوى المدني، الظروف المعيشية هي أقرب ما يكون إلى الحضيض: ينقطع التيار الكهربائي لساعات متواصلة، ويتسبب التضخم المتسارع بارتفاع في أسعار المواد الغذائية، وتبقى الجرائم من دون عقاب، وغالباً ما تفشل الجهود التي يبذلها المواطنون الساعون إلى عيش حياة طبيعية. الشهر الماضي، اعتُقِل ثلاثة أشخاص لمشاركتهم في فعاليات احتفالاً بـ”ساعة الأرض” في بنغازي.

على الرغم من أن الليبيين لا يزالون يرزحون تحت وطأة المعاناة التي يتسبّب بها الوضع الراهن في البلاد، يمثّل توسّع المشهد الفني شعاعاً وامضاً من النمو الإيجابي.

ختمت النعاس: “الفن وسيلةٌ للبقاء – هذا هو الشعار الأساسي للمجتمع الفني الليبي. الفن يمنحنا الأمل، إنه يغذّينا، ويُبقينا على قيد الحياة ويسمح لنا بالاستمرار”.

المصدر : al-monitor

قد يعجبك ايضا

اترك رد