ما بين محوٍ و غياب … البياض يغمر أعمال “مي النعيمي”

الفنانة مي النعيمي

حسن عبدالحميد

يبدو اللوّن الأبيض بمثابة فضاء فارغ و مناخ مفتوح على مصرعيه ، ممّا قد يتيح  للرّسام المتمرس  فرصة الفحص و التملّي في مكنوناته الضامرة و الخفيّة على نسيج  سطح لوحته البِكر ، يرى – ” فاسيلي كاندينسكي ” أحد أهم و أشهر الفنانّين العالميين في مجال الفن التجريدي للحدّ الذي جعل من  واحداً من أبرز المبتكرين والمجددين في حيثيات الفن الحديث – في مساحة البياض الرابض على سطح  قماشة اللوحة قبل أن يباشر أو ينقض الرسّام لتنفيذ ما يروم رسمه عليها من رؤى و أفكار و تصوّرات ، كما لو كانت ” مساحة اللوحة” كياناً مكتظاً مليئاً  بالتوترات و فوضى الأحاسيس و التطلعات  المتنوّعة و المختلفة ، تبعاً لثقافة و وعي الفنان و مراميه التعبيرية  أم التجريديّة أم الأثنين – معا-  تلك التي منها يستقي موضوعاته .

ما دمنا وقد شمّرنا بالكتابة عن جانب حيويّ ومهم في تجربة الفنانّة التشكيّليّة ” مي النعيمي ” في لوازم سعيها الحثيث و الجديد ، حين أصابت بمغامرتها  قلب فكرة الرسم  باللوّن الأبيض و درجاته المهيمنة على عموم مساحات معرضها الشخصي ، المزعم إقامته قريباً في أحدى قاعات العرض الخاصة بالفن التشكيلي، بعد أن  أختارت له أسم ” غياب ” ، تمهيداً و تعليلاً  لموضوعة  أفعال المحو و فداحة فكرة التلاشي و من ثم الغياب قصراً ، تحت طائل عدة أسباب، سنتطرّق لها ، لاحقاً .

أثر اللوّن و خواصه

وقبل  الشروع  بمحافل  الدخول صوب  صعوبة الخوض في ملامح و نواتج  هذه المغامرة الإجرائية و الجريئة – في ذات الرؤية و المسعى- والتي ألتمعت و سطعت في عقل و مخيلة  “مي النعيمي ” وتاقت لتنفيذها على نحو ما شاهدنا و فحصنا للعديد من منجزات معرضها القادم ” غياب”، ينبغي التمهيد و التذكير بنواحي الجوانب السايكولوجية الأثيرة والمميّزة لإدراكات اللوّن الأبيض ، من حيث إملاءات كونه يرمز إلى بداية  و فرصة جديدة  للفهم و طبيعة  معاينة مفردات الحياة ، فضلاً عن كونه مستقلاً و محايداً وغير متحيز لأي جانب، وفي إتجاه كل شيء ، وأي مكان و زمان ، من حيث هو نتاج دمج جميع  ألوّان الطيف بحاصل كمياته المتساوية، دون أدنى تحيّز للوّن معين دون غيره، كما ويعتبر هذا اللوّن الأخف من بين بقية الألوان ، مما جعله رمزاً للنقاء والبراءة، إلى جنب  تمتعه بخاصية إستجلاب الدعة الهدوء و الراحة و الحلم و بالأمل ، بل و يُعد بوجه نظر علماء النفس بمثابة دواء حقيقي  حالات في تجاور  الكثير من حالات التوتر و الكبت  و الارهاق و التعب، كما تثري  براعة سيكولوجية إدراك الألوان في تأثيرات الجوانب الذهنية والعاطفية على الأشخاص ممن يرمون التفكير في العديد من جوانب الأمو و الأشياء ، كذلك الإذان بوجود  نماذج ذاتية التفسير فيما يخص و يتعلق بسيكولوجية  إدراك قائمة الألوان الأخرى .

الأثر و المعنى

لعل تعليلات و نوازع فهم وتقصي  الأثر  والبحث  عن قيمة المعنى ، بفحواها الوجودي و الكوني في مرتسمات  ” مي النعيمي” تروم لما هو أبعد ، و ربما،  أعم و أشمل ممّا أفضنا به في طبيعة غايات و مديات تفسيراتها التعبيرية   لمعنى  فكرة الغياب و أثار المحو و نواتج ما يتركه الرحيل و الزوال من وحشة إغتراب ، و تداعيات  فقدان لأشخاص و إضمحلال معالم ، و ضياع آثار تأريخيّة ، شاء أن  رضخت مدفونه تحت ركام معالجات  و معاجين بيضاء ،تارة ما تكون على هيئة أكفان شفافة ، وأخرى راحت تتخفّى  وتتماهى فما بينها ،عبر معادلات خلق حالات من الصراع الدرامي  داخل العمل الواحد ، من تلك التي برعت افيها لفنانّة في تحشيد طاقاتها التعبيرية و قدراتها المعرفية ، ومناهجها الدراسية و الاكاديميّة – “بكالوريوس – رسم وبكالوريوس -نحت ثم  ماجستير فنون اسلامية- كلية الفنون الجميلة بغداد “، أقامت العديد من المعارض الشخصيّة في أربيل و القاهرة ، فضلاً عن مشاركات في عدد من الملتقيات و المعارض الجماعية على الصعيد المحلي و العربي و العالمي ،  و حفول مشاركتها في موسوعة اللوفر/ باريس ونيلها عدة جوائز من إيطاليا وبريطانيا وغيرها – كل هذا وذاك يؤشر صوب إمتلاك ” مي ” لخواص و مهام مثل هذه المآثر التي تتطلّب قدراً عالٍ من دقة و براعة التعامل و قدرة التطاول في تمرير موضوعاتها الإنسانيّة و الحضاريّة ” حضارة العراق القديم و واقعه الحالي ” من ممرات و نوافذ هذا اللوّن ، و كيفية الإستعاضة الروحية  ببعض الإستعانات التي تضيف  للمشهد  أبعاد أثرى و أعمق، لكنها ” أي تلك الاستعانات الطفيفة  ببعض الالوّن الأخرى” –  قطعا ً- لا تؤثر على  مسارات الجو العام الذي تشهده هذه الأعمال ، عبر مرامي وغايات و مسالك ذلك الطريق الذي أختطته ” مي النعيمي ” في مسالك سيراه المضني و المدهش في عموم تجربتها الأثيرة والمثيرة هذه .

 

 

Hasanhameed2000@yahoo.com

اقرأ المزيد

التعليقات مغلقة.