“ماهيّة المثقف…..والسلطة”

المحامي مجدي خضوري

الثقافة هي ذلك المركب الكلي الذي يشمل المعرفة والمعتقد والفن والأدب والأخلاق والقانون والعرف والقدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضواً في المجتمع، ويُعرّف المثقف بأنّه ذلك الشخص المؤهل لتقديم العلم النافع والتحلي بالسلوك الفاضل المفيد له وللمجتمع.

هناك في كل مجتمع توجد شريحة اجتماعية متميزة عن باقي شرائح المجتمع، تكون مؤهلة للتأثير في ذلك المجتمع سلباً وايجاباً وتأخذ مواقع ريادية في رسم هوية وشخصية ذلك المجتمع بشكل جماعي.وفي المقابل تتحمل هذه الشريحة مسؤولية كبيرة في تحديد اتجاه تكامل هذا المجتمع نحو الرشد والنضوج في جميع مجالات حياته من خلال بث الوعي داخل صفوفهم وممارسة النقد البناء والايجابي للافكار والثقافات الاجتماعية والسياسية وغيرها وتبني قضاياه وتحديد اولوياته.

وهؤلاء النخبة هم من يعرفون في اوساط مجتمعاتهم بـ((المثقفين )) ولكن المثقف وكما يصفه احد الباحثين هو من توفرت لديه ثلاث عناصر رئيسة وهي (المعرفة) و (الوعي) و(الموقف) فيكون تراكم معرفي بمنضومته الثقافية والاجتماعية المتفرعة عن قيم ومبادئ مجتمعه المتجذرة والمتأهلة فيه المصحوبة بوعي كامل وعالي يمكنه من التمييز بين ما هو حقيقي وثابت في المنظومة الثقافية لمجتمعه وبين ما كان زائف وغير مرتبط بقيم واعراف ذلك المجتمع ليتخذ على هذا الاساس المواقف العملية والسلوكية المناسبة من قضايا المجتمع في مختلف الميادين.

فيما اختلال أي عنصر من هذه العناصر الثلاثة لا يمكن ان نعتبر هذا الانسان داخلا ضمن هذه الشريحة المتميزة سواء كان حاملا لأعلى الشهادات الاكاديمية وفي مختلف الاختصاصات ام لا  فلا يكون فعله او قوله ذا اثر حقيقي في المجتمع لكونه لا يحمل أي قيمة خاصة تميزه وتؤهله للتأثير. وفي اغلب مجتمعاتنا العربية وخصوصاً في مجتمعنا العراقي تعيش هذه النخب حالة من الانعزال والانكماش والتقوقع من خلال شعورها بالتهميش والتغييب والالغاء وعدم الاهتمام والتفاعل من باقي شرائح المجتمع مما يعطلها ولا يفسح لها المجال للقيام بمهامها الملقات على عاتقها.

اما السلطة فلها تعاريف كثيرة منها هي العلاقة التي يسعى من خلالها كل فرد أو مؤسسة إلى تسخير الأفراد والمؤسسات الأخرى للعمل طبقاً لإرادتهم. فقد نصّت كثير من الدول في دساتيرها على ماهية السلطة وتطبيقاتها بأقسامها الثلاثة التشريعية والتنفيذية والقضائية كما نصت كذلك على مبادئ حريات وحقوق الإنسان ومن تلك الحريات حرية الفكر والراي والنشر والخ من الحريات. أما فيما يخص الدستور العراقي الدائم لعام 2005 وفي الفصل الثاني منه باب الحريات وفي المادة( 38) نصت على ان تكفل الدولة حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل وحرية الصحافة والطباعة والإعلان والإعلام والنشر وحرية الإجتماع والتظاهر السلمي ونصت المادة( 37) على ان تكفل الدولة حماية الفرد من الإكراه الفكري والسياسي والديني  ونصت المادة (42) لكل فرد حرية الفكر والضمير والعقيدة. وكانت المادة( 46) الجوهرية في هذا الباب حيث نصت” أن لا يكون تقييد ممارسة أي من الحقوق والحريات الواردة في هذا الدستور أو تحديدها إلاّ بقانون على أن لايمس ذلك التحديد والتقييد((جوهر الحق أو الحرية))”.

إنَّ للمثقف دوراً كبيراً في واقع الناس ، لأنَّ المثقف الذي جمع من المعلومات قسطاً كبيراً ، ينبغي ألاَّ يقتصر على الجمع والاستقصاء والارتشاف والاستقاء للمعلومات فحسب ، بل يطمح بأن يكون له دور ريادي في إصلاح الواقع الذي يعايشه ، وعدم اعتزاله  كما لدوره في المجتمع….ووظيفته في بثِّ أفكاره ومسؤوليته حول المعلومات والعلم الذي استقاه ، و كيف يبلوره لواقع عملي .

(فالمثقفون اليوم هم جنرالات المعركة المقبلة وقادتها ومحددو نتائجها ، لقد بات عليهم من الآن فصاعداً القيام بدور محوري في معركة الدفاع عن الأمة وحضارتها وإذا أصبح المفكر بوقاً يستوي الفكر عنده والحذاء).

هناك ثمة تصنيفات عدة للمثقفين تدل على كثرة المقاربات وتنوع مصادرها واختلاف رؤى أصحابها الفكرية: كمثقّفٍ ساكنٍ ومثقّفٍ متحرّكٍ، الأول لا دور له في مجتمعه، وأما الثاني فينهض بدور في المجتمع. وهناك مثقّفٍ منغلقٍ ينتج ثقافة الجمود، ومثقّفٍ منفتحٍ ينتج ثقافة التجديد، الأول يعيش خارج الزمن، فمسيرته إلى التوقّف، والثاني يواكب المجتمع ويعيش فيه، فمسيرته إلى النمو والتجدّد. كذلك هناك مثقّف النخبة الذي يعيش بعيداً عن الناس، ويتحدّث بخطاب القلّة أو النخبة فقط، ومثقّف الجمهور الذي يعايش الناس ويتحدّث بخطابهم خطاب الجمهور والكثرة. وهناك أيضاً مثقّفٍ مستبدٍّ يتحول قلمه إلى رفض الآخر ويمارس القمع والإرهاب، ولا يتحدّث إلا بلغة الرفض والنفي والإقصاء، ومثقّفٍ شوروي ديموقراطي» يتحدّث قلمه بلغة التعددية والتعايش والتسامح، ويمارس الحرية والعدالة. وهناك مثقّف السلطة الذي يكرّس الاستبداد ويمارس الظلم ويعشق المال، ومثقّف الأمّة الذي يعشق العلم وينشر العدل ويزرع الحرية.

وأخيراً هناك من يصنف المثقف إيديولوجيا إلى المثقف الرجعي في مقابل المثقف الثوري أو المثقف المحافظ مقابل المثقف التقدمي أو المثقف الاشتراكي مقابل المثقف الليبرالي أو مثقف اليمين مقابل مثقف اليسار أو المثقف المناضل المخلص الصادق مقابل المثقف المزيف، وهناك من يرتب المثقف حسب الهرم الاجتماعي فيقول مثقف الطبقة العليا ومثقف الطبقة المتوسطة ومثقف الطبقة الصغيرة.

إن العلاقة بين المثقف والسلطة قد تكون علاقة جدلية مبنية على التحدي والنقد والنضال المستميت والصمود والصراع من أجل تحقيق الحرية وإحقاق حقوق الإنسان وإبطال الباطل و تقويض دعائم الفساد السياسي ، و غالبا ما يكون رد فعل أصحاب السلطة تجاه هذا المثقف هو استعمال الضغوطات المعنوية والمادية من نفي واعتقال وتعذيب أو استعمال خطاب اللامبالاة والإقصاء والتهميش وطرده من وظيفته أو اللجوء إلى تسييجه بالإقامة الجبرية. ويصبح المثقف هنا بمثابة فاعل ثوري ملتزم بالمبادئ التي يؤمن بها ، يقوم بوظيفة التوعية والتنوير والتأطير ويتحول إلى رمز ثوري .

وهناك من المثقفين من يتصالح مع السلطة ويتكيف مع الواقع ويتأقلم مع النظام ويتحول إلى بوق سياسي ومحام يدافع عن النظام السياسي الحاكم و يحمل إيديولوجية السلطة القائمة على شؤون البلاد، ويوصلها بعد ذلك في خطاب مبرمج إلى الجماهير الشعبية دفاعا عنها وتبريرا لها قصد أن يعطي لها المشروعية والصلاحية ويغطي بغرباله الفكري على أخطاء وهفوات الطبقة الحاكمة.

وهناك من المثقفين من يلتزم بالحياد والصمت ، ولا يحرك ساكنا أوجامدا، وإذا أفصح فإنه يعبر عن مواضيع مجترة عفا عنها الزمن ، لاعلاقة لها بما يؤرق هموم الجماهير الشعبية الكادحة، فيحلق هذا المثقف في سماء الخيال والتجريد بعيدا عن الواقع ومشكلاته، ويسبح في أحلام  رومانسية وردية بعيدة عما يعانيه الناس من فقر وبطالة وظلم وصراع طبقي واجتماعي وإحباط وقهر وقمع… ويصبح هذا المثقف عبارة عن مخدر أو مسكن يدغدغ عواطف الطبقات الاجتماعية الدنيا.

تلكم هي أهم الملاحظات المتعلقة بالجدلية والمثقف والسلطة، وقد أثبتنا أن هناك ثلاث علاقات جوهرية بين المثقف والسلطة، ويمكن اختزالها في علاقة التحدي التي ينهجها المثقف العضوي ضد السلطة المستبدة حيث يدخل معها في صراع نضالي قصد نصرة الحق والتصدي للفساد، وعلاقة استلاب التي يمثلها المثقف المتأقلم الذي لا يهمه سوى خدمة مصالحه الشخصية والدفاع إيديولوجيا عن مصالح الطبقة الحاكمة ، وعلاقة الحياد التي يمثلها المثقف الرومانسي الذي يلامس المشاكل الإنسانية بسطحية وتخييل ذاتي مجرد و تعبير رمزي غامض.

اترك رد