لماذا تركز روسيا على شرقي أوكرانيا؟

المستقلة /- تدور المعارك الضارية على أشدها في مناطق مختلفة من الأراضي الأوكرانية، لكن روسيا تركز هجماتها على الشرق الذي يضم خاركيف أو “مدينة اللهب”، ودونباس الذي يعرف باسم “إقليم الفحم”. وتتجدد الاشتباكات العنيفة بين الجيشين الأوكراني والروسي في خاركيف ودونباس، بعد تعديل موسكو خطتها من غرب لشرق أوكرانيا، حيث إن السيطرة عليهما أصبح محور التركيز لموسكو وفقا لتقارير صحفية غربية.

 

خاركيف “مدينة اللهب”

حققت القوات الأوكرانية مكاسب ضد نظيرتها الروسية في هذه المدينة حسب بياناتها العسكرية مؤخرا، حيث تؤكد كييف استعادة 4 قرى في خاركيف، وسط محاولات روسية لتطويق قواتها في دونباس، مستخدمة مدينة إيزيوم قرب خاركيف قاعدة انطلاق لها.

وتعد خاركيف ثاني أكبر مدينة في أوكرانيا من حيث عدد السكان، وتقع في الشمال الشرقي على بعد نحو 40 كيلومترا من حدود روسيا.

ووفقا لإحصاءات 2001، كان 62 بالمئة من سكانها من الأوكرانيين ونحو 32 بالمئة من من أصل روسي، نصفهم تقريبا يتحدثون الروسية، كما أنها مدينة استراتيجية تقع عند التقاء 3 أنهار، وكانت ساحة لمعارك مروعة بالحرب العالمية الثانية بين ألمانيا النازية والاتحاد السوفيتي، واسمها مشتق من اسم الرسام العالمي الشهير إيليا ريبن بخاركوف.

وتسمى خاركيف “مدينة اللهب” لضمها أكثر من 300 مشروع صناعي، إذ تعد معقلا للصناعات العسكرية الأوكرانية بما فيها الدبابات والعربات المدرعة وشركات الصناعات المرتبطة بالفضاء ومحطات الطاقة النووية والطائرات العملاقة.

كما أنها أول عاصمة للجمهورية الاشتراكية السوفيتية الأوكرانية من ديسمبر 1919 إلى يناير 1934، قبل أن تنتقل العاصمة إلى كييف.

ويقول المفكر الروسي ألكسندر دوغين إن العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا ليست نزاعا محليا، بل إن “روسيا وضعت في عميلتها كل أوراقها للتصدي للهيمنة المطلقة للغرب في أوكرانيا، وبهذا ليس أمام موسكو سوى الانتصار في الحرب”، حسب رأيه.

ويضيف، أن “أمام الغرب خيارات عدة، أما روسيا فليس لديها إلا خيار تحقيق النصر، والهزيمة تعني أننا سنأخذ العالم إلى المجهول في ظل استمرار الاستفزازات الغربية”، وفقا لسكاي نيوز عربية.

ويردف المفكر الروسي: “الشرق الأوكراني يقع تحت احتلال الغرب، ومن هنا تريد روسيا تحريره، أي تحرير المناطق الممتدة من خاركيف إلى أوديسا، مرورا بخيرسون وزابوريجيا وميكولايف، لكن تطورات العملية العسكرية على الجبهة تجعل هذا النصر غير كاف، لأن بقاء النظام النازي الحاكم في أوكرانيا يعني بالنسبة لروسيا حربا جديدة في المستقبل” وفق تعبيره.

 

إقليم الفحم

أما دونباس فيسمى “إقليم الفحم والزئبق”، ويشهد منذ أكثر من 8 سنوات نزاعا مسلحا عنيفا بين القوات الحكومية وانفصاليين تتهم كييف موسكو بدعمهم.

ويعيش 4 ملايين في الجزء الانفصالي من إقليم دونباس، الذي يشمل مقاطعتي دونيتسك ولوغانسك.

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتن اعترف باستقلال تلك المنطقتين شرقي أوكرانيا، قبل بدء العمليات العسكرية في 24 فبراير الماضي.

كما أن نسبة السكان ذوي الأصول الروسية في المنطقتين عالية مقارنة بالمناطق الأخرى، والأمر نفسه بالنسبة للمناطق المحاذية الأخرى، سابوريشتشيا وخاركيف، وكذلك أوديسا التي تقع على البحر الأسود.

 

ارتباط بروسيا

ويقول الباحث في الشؤون الأوروبية المؤرخ غيدو هاوسمان، إنه “بعد اكتشاف الفحم بكميات كبيرة في إقليم دونباس، أصبح مركزا للثورة الصناعية السوفيتية، وأصبحت اللغة الروسية أكثر شيوعا في التعليم، كما تدفق الكثير من الروس على هذه المنطقة الصناعية الجديدة”.

ويردف: “خلال فترة الاستقلال القصيرة عام 1918 لم تكن دونباس جزءا من أوكرانيا، وخلال الحقبة السوفيتية انتقل المزيد من الروس للعيش هنا، لهذا يشعر كثير من السكان بارتباطهم بروسيا أو حتى بالاتحاد السوفيتي”. واسم دونباس اختصار لكلمتي “دون” من دونيتسك، و”باس” من باسين بالروسية، أي “حوض دونيتسك”، وجاء اسمها من حوض الفحم الذي اكتشف عام 1721، وسمي على اسم نهر دونيتس، حسب الموسوعة البريطانية “بريتانيكا”.

وتشتهر المنطقة تاريخيا بأنها معقل عمال مناجم الفحم، كما تعد أكبر منطقة منتجة للحديد والصلب في أوكرانيا، وواحدة من أكبر مجمعات الصناعات الثقيلة والمعدنية في العالم.

وفي حوض دونيتسك أيضا يستخرج الزئبق، كما تتخذ صناعة الإسمنت أهمية كبرى، فضلا عن الصناعات الخفيفة وصناعات السلع الاستهلاكية.

ويقول الخبير في الشأن الروسي أشرف الصباغ، إن “دونباس منطقة متجاوزة للحدود، كونها تمثل جزءا من منطقة روستوف أوبلاست الروسية، كما أنها تضم حوض فحم دانيتسك، وهي منطقة مهمة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا لروسيا”.

ويضيف أن “في بداية الحرب نجحت روسيا في إعطاء انطباع للعالم كله أنها قادرة على احتلال كل أوكرانيا، لكن الغرب لم يدع الأمر يتم مثلما حدث في القرم وسيفاستوبول ومدينتي دونيتسك ولوغانسك، إذ نهضت آلته بكل مكوناتها وأفسدت توقعات وأحلام موسكو، بينما كانت الأخيرة تظن أن كل شيء سيحدث بسهولة”.

 

التعليقات مغلقة.