كيف نحمي العراق من الإنهيار (سياسة إجتثاث ثقافة الفساد) – الحلقة الرابعة

 

محمد توفيق علاوي

سياسة اجتثاث سياسة ثقافة الفساد

أبناء شعبنا على مفترق طرق اما دمار بلدنا أو النهوض به

هناك من يتحدث بإجتثاث البعث، مع العلم إن فكر البعث لا يمكن أن يشكل في يومنا الحالي أي نوع من انواع الخطورة، فهذا الفكر الذي فشل بشكل ذريع في دولتين في المنطقة قد أصبح في قمامة التأريخ، ومن الإستحالة أن يخرج مرةً أخرى كفكر يتبنى الوحدة العربية والحرية والإشتراكية، لأنه تبين بشكل واضح أن تلك الأهداف كانت عبارة عن كذبة كبيرة، فأكثر فكر كان معادٍ للوحدة العربية ومزق العالم العربي وكان سبباً لنشوء حروب ونزاعات بين الدول العربية بل سبباً لإحتلال دولة عربية من قبل دولة عربية ترفع شعار الوحدة العربية وسبباً لقتل الآلاف من الأبرياء العرب.

أما شعار الحرية فأكبر دليل على هذه الكذبة هو إمتلاء السجون بمئات الآلاف من الأبرياء لأنهم يتبنون فكراً آخر،  فالعراق تحت حكم البعث كان الدولة العربية الوحيدة في العالم التي تحكم باعدام او بسجن من ينتمي إلى أي حزب سياسي غير حزب البعث، إن أول من إجتث فكر حزب البعث هو المقبور صدام حسين، حيث  حول الحزب إلى مجموعة من الموالين والأقرباء قد تخلوا عن فكر البعث الذي رفعوه وأحالوه إلى منهج دكتاتوري هدفه الأساس بقاء صدام في الحكم، ومقارعة الأعداء بكافة الطرق المشروعة والغير مشروعة.

للأسف منذ سقوط صدام حتى اليوم، فإن أطول فترة من حكم الأسلاميين تبين أن رفع شعار الإسلام هو أيضاً كذبة كبيرة، حيث تم تبني نقيض المفاهيم الإسلامية العظمى من العدالة والمساواة  والصدق والنزاهة وتقديم المصلحة العامة على المصالح الخاصة، كما إستحال هذا الفكر ألإسلامي العظيم  إلى نفس منهج صدام الدكتاتوري في حكم البلد من قبل الموالين والأقرباء للإبقاء على حكم المفسدين و(لا يعطوها) لغيرهم من المناوئين حتى وإن كانوا مصلحين، مع مقارعة الأعداء، كمنهج صدام، بكافة الطرق المشروعة وغير المشروعة، مع تميز هذا الحكم عن حكم صدام بسرقة الأموال من قوت الشعب بمبالغ خرافية لم تشهدها أي دولة من دول العالم منذ أول التأريخ حتى يومنا هذا، فأستحال البلد إلى خرائب مع وجود موازنات إنفجارية لم يشهدها العراق منذ قيامه حتى يومنا هذا وأنعدمت الخدمات وانتشر الفقر والبؤس والفساد والمعاناة على كافة المستويات ولكافة أرجاء البلد وأنحائه.

للقضاءعلى الفساد وثقافة الفساد نحتاج إلى ما يلي:

اولاً، القيادة المصلحة :هنالك مثل صيني يقول (إذا أردت أن تعرف فساد السمكة فأنظر إلى رأسها) للأسف إن إستشراء سياسة الفساد على هذا المستوى الواسع في الفترة السابقة كان بسبب فساد الرأس، فلا يمكن إصلاح الوضع إلا بإصلاح الرأس، ولا يكفي إصلاح الرأس بمفرده بل يجب إصلاح الرؤوس، فهناك عدة رؤوس تسيطر على كافة مفاصل الدولة من وزارات وهيئات ومجالس محافظات ومحافظين وضباط كبار في الجيش والشرطة ومسؤلي مجاميع قتالية من الحشد الشعبي ورجال العشائر والصحوات والحرس الوطني وغيرهم. إن هذه الرؤوس التي تمثل أغلب الجهات السياسية المختلفة التي تحكم البلد قد تعاهدت فيما بينها عهداً غير مكتوب على تقاسم السرقات من قوت الشعب كعمولات أو رشاوى أو فضائيين وغيرها من الطرق، لقد أنشأت هذه الجهات لجاناً إقتصادية لشرعنة السرقات، ولا يمكن أيقاف هذه السرقات في الوقت الحالي  إلا بتشكيل حكومة تكنوقراط وإزاحة كل من عليه شبهة أي فساد من تولي أي منصب تنفيذي بل تغليب التكنوقراط الكفوئين وذوي الماضي النزيه لتولي كافة المواقع التنفيذية في البلد.

ثانياً، وضع سياسة واضحة وفاعلة للقضاء على الفساد:يجب أن يجتمع  كافة رؤساء الكتل السياسية وتبني تعهد فيما بينهم على حل لجانهم الإقتصادية وتبني عدم تدخلهم بشؤون وزاراتهم وتغيير الوزراء المفسدين وغير الكفوئين، وأن تأخذ هذه الجهات السياسية تعهداً من وزرائهم في عدم الإستفادة الشخصية بأي شكل من الأشكال من مواقعهم، وأخذ تعهد من هؤلاء الوزراء بتقديم إستقالاتهم بمجرد إنكشاف أي تهمة فساد بحقهم، إن هذه الكتل السياسية امام مفترق طريق، إما دمار العراق وهو الطريق الذي نحن سائرون فيه وهو بسبب سياسات تلك الكتل والأحزاب السياسية ، والطريق الثاني هو الحفاظ على ما تبقى من العراق والسعي لتطويره والنهوض به مرة أخرى.

فضلاً عن ذلك يجب جلب شركة أو عدة شركات إستشارية عالمية، وعرض كافة المشاريع الموازنة الإستثمارية من مليون دولار فما فوق سواء على مستوى الوزارات أو المحافظات أو غيرها من مؤسسات الدولة على هذه الشركات الإستشارية للتأكد من جدوى المشروع الإقتصادية إبتداءً ثم التأكد من أن مواصفات المشروع هي طبقاً للمواصفات العالمية، بل يمكن لهذه الشركات أن تضع المواصفات إن كانت هناك حاجة لذلك، ثم التأكد من إتخاذ الإجراءات الصحيحة لكافة المراحل حتى مرحلة الإحالة، وهي أهم مرحلة حيث يجب التأكد من رصانة الشركة المحال إليها المشروع وكفاءتها وقدرتها على إنجاز المشروع ضمن الفترة الزمنية المخصصة لذلك. ويسري نفس الأمر على كافة التجهيزات وشراء المعدات والطائرات والأسلحة وغيرها، فضلاً عن مراجعة تشكيلات الشرطة والجيش والمجاميع القتالية للتعرف على الفضائيين وكافة مفاصل الفساد ضمن هذه التشكيلات.

ثالثاً، كيفية ايقاف رشاوى الموظفين المفسدين: كما إن هناك فساداً مستشرياً على مستويات أخرى، فلا يتمكن المواطن من إتمام أي معاملة ضمن دوائر الدولة من دون دفع الرشاوى بمختلف الأشكال وللكثير من موظفي الدولة، وذلك لا يمكن القضاء عليه إلا بإتخاذ إجراءات جدية، وإني أقترح أن تعلن حالة طواريء، ولكن ليست حالة طواريء امنية وعسكرية، بل حالة طواريء ضد الفساد، تحدد ساعة الصفر وبعدها كل من يفسد من موظفي الدولة يعاقب بأشد العقوبات، وتفتح خطوط ساخنة بين المواطن وهيئة حكومية خاصة تنشأ لهذا الشأن للتبليغ عن أي حالة فساد أو رشوة في الدولة، وبعد التأكد من قيام أي موظف في الدولة بأخذ رشوة يفضح في وسائل الإعلام، ويفصل من دائرته ويسجن لفترة لا تقل عن ثلاث سنوات، وتطبق نفس الآليات بحق الشركات التي تدفع الرشوة للحصول على العقود الفاسدة بطريقة مخالفة للقانون؛ قد يستمر بعض الموظفين في الدولة بالفساد حتى مع هذه الإجراءات الشديدة، ولكن هؤلاء لا يمكن أن تتجاوز نسبتهم ال ٢٪ إلى ٥٪، يجب التضحية بهؤلاء، فهؤلاء ليس مكانهم دوائر ألدولة، بل مكانهم السجن.

رابعاً،الضرب بيد من حديد لجميع المفسدين كما طالبت به المرجعية الرشيدة: حيث طالبت المرجعية الرشيدة  رئيس مجلس الوزراء الدكتور حيدر العبادي بالضرب بيد من حديد لكل مفسد أفسد في الفترة السابقة والحالية، ولكن للأسف الشديد فإن الأخ حيدر العبادي لم يضرب هؤلاء بيد من حديد كما طلبت منه المرجعية، إن هذا الأسلوب المتهاون في التعامل مع الفساد ومع المفسدين سيفقد الدولة وما تمتلكه من صولة وقانون لردع الفساد والمفسدين، حيث لا يمكن ردع المفسدين إلا بعقوبات شديدة بحق رؤوس الفساد، وبخلافه فلا يخشى من سلطة الدولة لردع المفسدين وبالذات إذا كان هؤلاء ينتمون إلى إحدى الجهات السياسية، لقد أتخذت إجراءات عقابية شديدة ولكن بحق أشخاص لا يمتلكون الإسناد السياسي، إن معاقبة رؤوس الفساد بعقوبات شديدة وبالذات إذا كانوا ينتمون إلى إحدى الجهات السياسية الحاكمة سيكون دوره مفصلياً للحد من الفساد، ولهذا أسندت المرجعية الرشيدة الدكتور حيدر العبادي بهذا الإسناد المتميز في مطالبته بالضرب بيد من حديد، لإنها تعلم أثر هذه السياسة في ردع رؤوس الفساد وبداية حقيقية للقضاد على الفساد. ولكن تلكوء الأخ حيدر العبادي وتفريطه بهذا الإسناد أفقد البلد فرصة تأريخية للقضاء على الفساد، بل قد ترتد آثار هذا التلكوء سلباً عليه.

 

اترك رد