كلمة أمين عام جامعة الدول العربية في افتتاح مؤتمر المنظمة العربية للتربية والعلوم والثقافة

المستقلة – القاهرة – وليد الرمالي

القي الامين العام لجامعة الدول العربية كلمة في افتتاح اجتماعات المؤتمر العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة ونصها كالتالي

معالي الدكتورة آسيا محمد عبد الله
وزيرة التربية والتعليم بجمهورية السودان
الدكتور/ سعود هلال الحربي
المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الالسكو)
أصحاب المعالي والسعادة السادة الوزراء
رؤساء الوفود وممثلي المنظمات الإقليمية والدولية
السيدات والسادة،،
يسعدني أن أشارك معكم في افتتاح اجتماعات الدورة العادية الرابعة والعشرين للمؤتمر العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الالكسو)، والتي تعقد في مرحلة تشهد فيها منطقتنا العربية تغيرات وتحديات كبرى تستدعي العمل على تأكيد وتنشيط الدور الحضاري المحوري الذي تلعبه المنظمة في مجالات عملها التي تتنوع ما بين التعليم والثقافة والبحث العلمي والحفاظ على الهوية الثقافية والحضارية لأمتنا العربية، إضافة إلى دورها الفاعل في تكريس ثقافة الحوار ونبذ العنف وتلاقي المعارف وحوار الحضارات بين الأمم.
​لقد ترسخ الإجماع في مختلف دول العالم العربي بشأن مركزية التعليم في أي مشروع حضاري أو مسعى تنموي .. التعليم هو الرافعة الحقيقية لنقل المُجتمعات من حال إلى حال، ذلك أنه يمسُ بناء الإنسان وتكوينه الوجداني ورؤيته للعالم.. وتلك هي الأسس التي لا غِنى عنها لأي نهضة حقيقية تستهدف تغيير المجتمعات في جوهرها وطريقة عملها، وليس فقط في مظهرها وما تمتلكه من إمكانيات مادية أو ثروات اقتصادية.
​إن الإنسان العربي الذي ننشده هو الذي يكون حراً في ضميره، كريماً في أخلاقه، مُبدعاً في تفكيره .. هذا الإنسان العربي هو نتاج غرس مجتمعاتنا وحصيلة ثقافتنا ونظمنا التعليمية .. والحقُ أنني لاحظتُ في الآونة الأخيرة أن الكثير من الدول العربية قد أدرك الأهمية الكبرى لصياغة برامج تعليمية جديدة، والتخطيط لمشروعات تربوية شاملة يكون من شأنها أن تنقل التعليم في منطقتنا من حالٍ إلى حال، وأن تُحدث فيه ما يقترب من الثورة الكاملة .. لقد أدركت هذه الدول أن النهضة الاقتصادية المنشودة مرهونة في الأساس بتنشئة بشر يستطيعون العمل في اقتصاد حديث يوشك أن يُغادر عصر الصناعة، بل وعصر المعلوماتية، إلى ما يُسمى بالثورة الصناعية الرابعة … وليس سراً أن الدول المتقدمة تنخرط هي الأخرى في الإعداد والاستعداد لهذا العصر الجديد الذي يدق الأبواب بعنف، وتوشك رياحه العاتية أن تقتلع كل ثوابت الاقتصاد والتصنيع والإدارة، بما يجعل تغيير النظم التعليمية وتطوير أساليب التنشئة والتربية ضرورة لازمة من أجل البقاء في ساحة المنافسة .. وإذا كان هذا هو حال الدول التي أحرزت في مضمار الحضارة ما أحرزت من تقدم وارتقاء، فما بال دولنا التي ما زالت تنشد التنمية، وتبذل الجهد من أجل التحديث؟
​السيدات والسادة ..
​اسمحوا لي أن أطرح أربع نقاط رئيسية أرى أنها تُشكل الأساس الضروري لأي منظومة تعليمية عربية في المستقبل.. وهي نقاط تعكس خطوطاً استرشادية عامة، وليست سياسات مُحددة.. وغايتي من وراء طرحها أن أُحفز النقاش وأشجع على وضع موضوعات التعليم على أجندة الحوار العام.
أولاً:
الهدف من العملية التعليمية، هو تنشئة الفرد العربي القادر على التعامل مع المستقبل بكافة قضاياه وتحدياته، والحامل –في الوقت ذاته- لتراث أمته الحضاري بكافة روافده وتجلياته .. التعليم هو ذلك الجسر الذي نقيمه واصلاً بين ماضينا ومستقبلنا .. وقوة مُجتمعاتنا ومنعتها، وتلاحم نسيجها وترابطها .. من قوة هذا الجسر الحامل لتراثنا ولغتنا وثقافتنا الأصيلة، والعابر إلى المستقبل بعلومه وفنونه وقيمه وأفكاره.. إنها معادلة جد دقيقة.. فالانتماء إلى المستقبل وحده يخلق إنساناً مسخاً، ممسوح الذاكرة، ضعيف التكوين، منسحقاً أمام الآخرين وتفوقهم.. أما الاستغراق في الماضي وحده فيفرض على المجتمع عزلة كاملة عن العالم، ويضع بين عالمنا العربي والعالم المعاصر حجاباً حاجزاً وسداً منيعاً.. وقد جربنا العُزلة أزماناً، ولم نجن سوى التأخر الحضاري والانحطاط الثقافي.
ثانياً:
أن أساليبنا التعليمية ومناهجنا التربوية وثيقة الصلة بطبيعة الحياة السياسية التي ننشدها، وبصورة المجتمع المدني الذي نتطلع إليه.. إن الديمقراطية، أيها السيدات والسادة، ليست في جوهرها وممارستها سوى عملية تعليمية يُمارسها الشعب باتساعه… وهي فلسفة وطريقة حياة قبل أن تكون تنظيماً للسياسة أو أسلوباً للإدارة.
الديمقراطية، والحال هذه، لصيقة بالتعليم الحُر المُنفتح .. وهي وثيقة الصلة بغرس ملكة التفكير النقدي وتعزيز الاهتمام لدى الفرد بما يتجاوز الهموم المعيشية المباشرة إلى الشئون العامة والقضايا التي تخص المجتمع على اتساعه.. وهذه كلها قيم تُغرس من الصغر وتُربى في سنوات التكوين الأولى.. وأقول بصراحة أن الوصول إلى حالة من الممارسة الديمقراطية الناضجة في بلادنا يستدعي في المقام الأول العناية بتنشئة جيل يستطيع أن يتحمل تبعات هذه الممارسة، وأن يكون أهلاً لها.. وإلا فإننا نكون كمن يُلقي بأُناس إلى بحر عاصف من دون تعليمهم فن العوم.
ثالثاً:
أن الاقتصاد الجديد، المستند إلى تسارع غير مسبوق في تطبيقات التكنولوجيا الرقمية وعلوم الذكاء الاصطناعي، يُحتم مراجعة البرامج التعليمية القائمة الآن في الدول العربية … فهذه البرامج تُسلح الطُلاب بمهارات ربما يكون السوق قد تجاوزها، وصار في حاجة إلى غيرها.. وبصورة عامة، فإن مهارات العصر القادم ترتكز في الأساس لا على المعارف أو المعلومات، وإنما على أساليب التفكير الابداعي وحل المشكلات والقدرة على العمل الجماعي والقيادة .. وهذه كلها قيم ومهارات وقدرات لا يُمكن أن يحصلها الإنسان إلا من خلال برامج تعليمية وتربوية تبدأ من التعليم الأولى، وتستمر إلى الجامعة وما بعدها.. فالعصر الجديد هو عصر التعليم المُستمر مدى العُمر، ذلك أن زمان الوظيفة التي يقضي فيها الإنسان عمره قد ولى، وصرنا اليوم في زمن يُغير فيه المرء حرفته وصنعته ربما أكثر من مرة عبر مسار حياته.. ويستلزم ذلك توفير برامج التدريب والتعليم لمراحل عُمرية مختلفة، وبحسب الحاجات والمُتطلبات التي يفرضها السوق.
رابعاً وأخيراً:
أن الدول العربية في حاجة إلى تنسيق أكبر لسياساتها التعليمية وبرامجها التربوية.. فالتحديات التي تواجهها هذه الدول متشابهة بل تكاد تكون متطابقة.. والحاجة ماسة وواضحة إلى تبادل الخبرات وتناقل الممارسات بين من يقومون على أمر سياسات التعليم في العالم العربي.. لقد واجهت منطقتنا تحدياً خطيراً خلال السنوات الفائتة، كان من نتيجته أن شهدنا انفجار مجتمعاتٍ من داخلها، وتدمير كيانات سياسية قائمة بفعل الصراع والاحتراب الأهلي، فضلاً عن جرثومة الطائفية التي تسللت إلى بعض مناطق الجسد العربي فأمرضته وأوهنته.. ولا شك أن التعليم يظل عِماد المواطنة الحقة، وبوتقة صهر كافة أبناء المجتمع في نسيج واحد متجانس ومترابط.. لا من أجل صبهم في قوالب جاهزة، وإنما لتعزيز الانتماء المُشترك وروح الولاء للجماعة الوطنية.. هذه كلها قيمٌ نحتاج إلى غرسها وتضمينها في مناهجنا التعليمية والتربوية.. تماماً مثل قيمة العروبة، التي نالها ما نالها من تشويه، حتى انفضت عنها الأجيال الجديدة، وصارت ترفضها وتتبرأ منها.. ولن يكون بإمكاننا أن نُعيد الروح إلي العروبة، قيمة وتاريخاً وثقافة، سوى بعمل حقيقي متضافر ومنسق يُنتج سياسات تعليمية وثقافية طويلة الأمد.. وبحيث يجري تطبيق هذه السياسات عبر الدول العربية المختلفة، فينشأ لدينا جيل عربي يرى الأمور من ذات المنظور، ويتشرب نفس المبادئ والقيم، ويُفكر وينظر للعالم ويخاطبه بلغة مُشتركة واحدة، وبإيمان حقيقي بقيمة الثقافة العربية واسهاماتها في الحضارة الإنسانية.
السيدات والسادة ..
لا يفوتني في ختام كلمتي أن أعرب عن تقديري للجمهورية التونسية ولمسئوليها على دعمهم المتواصل لمسيرة العمل العربي المشترك بصفة عامة وللمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم على وجه الخصوص، متمنياً لمؤتمركم النجاح والتوفيق والسداد بما يعود بالخير على أمتنا العربية.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،

قد يعجبك ايضا

اترك رد