قراءة نقدية في ديوان “ليل الغاب” للشاعر عبد المنعم حمندي

حبيبة المحرزي

تونس

جدليْة الزمان والمكان كما يدل عليها العنوان الليل والغاب، وعلاقتهما بالشاعر كمدرك لحقائق تتعارض مع انسانية الانسان وحرية المكان وامتداد الزمان.

ديوان يضمّ اكثر من خمس وعشرين قصيدة وكلها تقريبا قصائد تفعيلات الخليل و تلميذه الاخفش فجلّها على الخبب او المتقارب او المحدث او الرمل او الكامل… وهي بحور بايقاع  متسارع يعكس نفسية شاعر انزوى في “ليل الغاب” انه الوطن الغاب بكل مؤثثاته من محامد اقترنت بالماضي المنقضي ومكاره شوهت الحاضر المعاش. مخاوف ومخاطر يفرضها الزمان “ليل”

القصيدة الاولى  عنوانها “الشاعر ودخان المدينة” هذا المركب العطفي يلخص كل ما اكتنزه الشاعر من معان وصور جعلته في  صراع مع الدخان الذي يحجب المدينة.

“سقطت في الدموع وجوه…” السقوط والدموع والوجوه. ثابتة منقضية في الماضي.

هذه الصورة التي تستنسخ وجوها في الدموع في الصباح والنهار  هي الغربة والبعد، هو الحيرة والقلق بالاستفهام الانكاري الذي شُحن استغرابا وحيرة صارخة :

” اصماء ام سيئة الحظ؟

اصمّاء ام هي خرساء، عمياء هذي المدينة؟

الا تحترق من حزنها؟

فهل غادرتك المروءة ام قدّ قلبك من صخر؟ تشخيص المديتة ونعتها بالقسوة والتحجّر ،

اما ان للنهر ان يستجيب لهارون؟ الخراج؟

والعظام والمدينة يائسة”

والمطارق في كل راس. ”

تدرج الشاعر من الذاتية الفردية الى الماساة الجماعية التفصيلية التفسيرية لتاكيد شمولية الاذى للتنديد والتحذير فلا تحترق جراء حزنها

وان صدّر الشاعر ديوانه بهذه القصيدة  فلانها ستكون الحاضنة والتي منها ستتداعى بقية الصور بمضامين وان بدت مختلفة الا انها لا تخرج عن معاناة شاعر مكلوم جراء الاسى والضياع والاحتراق في مدينة لم ير منها الا الدخان. حقيقة ثابتة او فكرة رمزية تكشف الماساة الحقيقية ، غير ان الشاعر وبعد وصف الواقع من منظار ذاتي تبناه في قصيدة “ويسالونك عن الروح” اقتباس من القران الكريم “ويسالونك عن الساعة” فالروح قيد شرطي لقيام الساعة، وفيها تهديد وتذكير بالفناء ودعوة ضمنية بطابع قدسي الى التفكير في الاخرة وقيام الساعة.

هكذا نحرث الماء حين نزف المنى للنخيل،

ونزف المطامح للمستحيل

ونهيء ارواحنا للرحيل

كل روح لها عنكبوت

وطيور ابابيل في الملكوت

هذا التناص مع النص القراني للتذكير بالعقاب للظالمين “طير ابابيل “اقتباس من القران واعادة انتاجه بما يتلاءم مع الضرف الراهن، الحرب والظلم والانتقام “والحجارة من سجيل” والاستفهام عن مضمون جوابه “لا” المبطن في الاستنكار. هذا الصراخ سيزداد حدة كلما مضينا في الديوان كي يرجنا “المعري في تجلياته” هذه القصيدة على بحر  الخبب وكان الشاعر يقتفي اثر المعري ممتطيا ناقة تخب في الرمال الصحراوية توظيف التراث الادبي العربي  بذكر احد اعلام الادب الخالدين واسقاط المعاني المتصلة ،خاصة عندما يردفها بطلب “امر” من سجل الحركة :

“خفف الوطء.. هذا التراب رفات..

ابي او ابيك، دمي في الحصاة وفي العشبة اليابسة…

اطأ الارض..

قد ينبت الورد في صخرة

هذي قبورنا..

فاين القبور من عهد عاد؟

خفف الوطء.. ما اظن اديم الارض الا من هذي الاجساد.

هذا التأكيد في الطلب تبريراته مادية تاريخية منطقية معقولة لان “القبور من عهد عاد”. امامن ارض تخبئ الاجساد؟

تاكيد على نهاية الانسان الحتمية. خاصة عندما يتحالف المكان مع الزمان بفعل فاعل وبخبر مؤكد “قد اضات الطريق واظلمت نفسي”…

وفي الضوء عم الظلام، كل شيء هنا معتم.

كل ذرة رمل دم.

من نشيج التوابيت والميتين…

وحين تعود بلادي اعود.

الطباق والثنائيات وسائل بلاغية بها يصرخ الشاعر ويعلن الحداد والظلام لان المكان لم يعد . وعودته قيد شرطي لعودة الهدوء في نفس الشاعر المنتحب لان “البوم كلما حدق في الشمس… حل المغيب.. هذا لتصادم بين الضوء والضياء بين الصبح والمغيب سببه مكان مشوه، حبات رمله من دم. وهنا ننجلى معاناة الانا في خضم مضرج والشرط بمفهوم الزمن يظل قائما” حين تعود بلادي اعود”

لكن لسائل ان يسال اين المعري واين تجلياته في هذه القصيدة… هو صنو الشاعر ،هو حبيس المحبسين كما الشاعر، حبيس الذات المكلومة والمكان المشوه من الغربان… تجليات لتاكيد الغربة في وطن “يحث فيه الخطى في الوجيب” هو التراث الحضاري يظل يومض ملحا على الاستمرار ولو بأشكال مختلفة.

ولئن اكد الشاعر على الوطن المسلوب فقد افرد زمانه بنائحة مضرّجة الما واسى وشجونا. زمن استثناه وخلفه وراءه وشد الرحال”نحو زمان اخر” هو في حد ذاته مواصلة في منهج التجديد دون ان يغرق في تقليد الاولين.

قصيدة على بحر الكامل، تبدا بالتمني المستحيل مسبوقا بنداء الاستغاثة :

يا ليتني في غير هذا العصر

زمني ظلام حالك

يا ليتني صقر تحدى…

ان يستثني الشاعر وينبذ هذا العصر. دون سواه: السابق او اللاحق وان يبرر هذا الرفض

” هذي الدموع نسيتها، فهل تموت نخلة عطشا؟ لا خبر يجيء

يا ليتني خبر ولست المبتدا…

اعتماد وظائف نحوية لغوية للدلالة على رفض الوضعية الثابتة، رفض ان يكون المعرفة وله الصدارة كي ينجو من عصر فيه الارض بور والاهم” تغيير العقول”ولو بزلزلة او انفجار، تردي الوضع والرغبة في نسف واعادة تشييد بعقول سليمة رشيدة، هذا التجانس بين الزمان والمكان “هذا الظلام الغول” يصبح بديلا عن المكان” مقبرة تبتلع ما يجول، عقارب صفر وليل في الاسى يطول، ”

والقصيدة وان تمددت في المكان والزمان بخلاف انكماش الشاعر المغترب المتازم الذي “ينتظر حلما.. اعياه السهر.. فلان الماساة كلية وليست جزئية، جماعية وليست فردية.

لا ضوء المح في النفق

لا نجم يلمع في الغسق

ليت الغمام الحر يسكب غيثه….

ليت امي لم تلدني…

لابد من فجر نحاسي… قبل انحناء النهر والندب على مافات

يصلبون الشمس في الحلاج

اسقاط صورة صلب الحلاج هو مؤشر الظلم والظلام والبغي والسواد والاجرام. معان تخرج من سياق الواقع لتغرق في متاهات زمن مرفوض منبوذ لما صحب من عنف وظلم مازالت الانسانية تستنكرها وتدينها .

زمن وان ادان صلب الحلاج فقد ثمن “الاسراء والمعراج” كقيمة ثابتة لم يتعض منها الانسان

“يا محنة تجتر في ظلمائها الاسراء والمعراج

يا محنة.. يا ليتني… نداء وتفجع وتمنّ مستحيل، ليغرق في استفهام عن المكان، رفض واباء ورغبة في انسحاب لزمن اخر يؤثقه” اناس غير الناس، بديل فيه برق “يفيء وساوس الخناس” تناص مع القران وكان الشاعر يستمد قوته ويشحذ اسلحته من نصوص قرانية مقدسة غير قابلة للتشكيك،

والشاعر ان ضج بالزمان ورغب في بديل فانه ايضا قد فقد المكان ويبحث له عن سبيل في استفهام تفجعي اغترابي” كيف السبيل الى الوطن؟” جمل استفهامية المستفهم عنه الخبر، هذا الخبر الذي تمنى ان يكونه الشاعر، خبرا يوضح السبيل والطريق المؤدي الى “الوطن” تيه وضياع وعجز عن بلوغ نقطة وصول تبدو معتمة لكن “متاملا… ليلا طويلا… الزمان يحدد الوضعية، الظلام والليل الطويل، والسبيل مكوناته ”

غابة حجرية وسفائن،

في بحر ماساة  تعوم…

في كل فجر راية سوداء..

جمجمة….

الموت، الغيم.. والافق غربان وبوم… الحزين  بالدماء، معجم لغّم الطريق والسبيل وجعله سبيلا الى الموت والفناء لا الى الوطن الضائع،” هل نخلع الجلد.. ام نخلع الشمس ونفتتح السماء؟

نمنا على صرر الحقائب

بين الموانئ والمطارات..

اسماؤنا عبر الاثير مطارق

بوسائل الاعلام…

صورة موجعة نقلتها كل وسائل الاعلام، نفس الصورة اوجعت  نزار قباني حين ساءه وضع” وطن مشتت يتابع اخباره في وسائل الاعلام”

لا شجر ولا نهر

البديل :عطش والنهر مغترب،

على ضفتيه ينتحب…

غرباء في وطن يقيء عقاربا…

طريق مسموم ملغم خطير والشاعر لم يجد الخبر الذي تساءل عنه في العنوان” كيف؟ “يعني لا سبيل”… غربة واغتراب وتشاؤم. هذا الضياع وعدم الاهتداء الى الطريق سيغرق الشاعر في غياهب الارض بحثا عن دليل عن حجة من ماض تليد.

“الحفر عن مسلة عراقية” مسلة تشبه ذاك العمود الدقيق المربع الاضلاع والذي نقشت على اضلاعه دعائم حضارات الاقدمين في مصر، لكن الشاعر يعمّم الظّاهرة ويوحد التراث

“من مفرقيك :تحديد ابتداء الغاية المكانية ثم الزمانية “هذا التلازم في المكان والزمان والمخاطبة هي العراق، “قوس الارض، صنعت النجوم برافديك” والرافدان هما دجلة والفرات” وعطاؤهما الذي” شيّد صرح الحضارة .. مقارنة بين ماض مشرق منير وحاضر نسفته”اللام النافية للجنس “لا شمس تبزغ، لا نجوم ولا مياه ولا شجر”

ياس والم وحاضر رث مخرّب”وا خيبة التضليل و التجهيل والترحيل.” ندبة اخرجت الشاعر من مجرد ناقل واصف الى نادب ملتاع متفجع.  لكن صوت الحق حتما ينتصر” حكمة سارية في المطلق لكن” الغول والسعلاة والعنقاء” متى؟ “لما استوطنوا واستفسروا ودماؤهم في لوحة منقوشة فوق الجدار. اذن فمسلة العراق توثق الدماء والجرائم في مقابل الحضارة والتاريخ لشعوب اخرى.

وان مضينا في الديوان بين لطم الزمان وغدر المكان وصل بنا الشاعر الى:

“ليل الغاب” عنوان يطوح بنا الى الغاب ليلا، فالمكان بخباياه وخفاياه نهارا يبعث على التوجس فما بالك اذاكان الليل مرخ ستائره، هنالك. اسم اشارة للمكان البعيد مع معجم”يتربص، الليل، تخشى النار…”

استفهام عن مضمون جملة جوابه “نعم او لا” لكن باب التخيير واضح :”اشعل ام انتطر… الفجر… ضياء وانفراج حتمي لازمة ليل وأشجار تخشى النار،

لكن الهول في تكسر المالوف” ظلي يتبع ظلا يصحبني. ” اغتراب وانفصام وانشطار جراء ظلمة وترد. وسموم افاع ورهبة وضياع. وتناص مع  القران” من طير وابابيل ترشق احجارا من سجيل، قابيل يقتل هابيل” فالتقاتل ازلي  والموت ابدي. والشاعر اذ يستشهد بتجربة قديمة قدم ادم فليكون لمعانيه بعدا انسانيا عاما.

يا للزمن العاهر،، عهره بسبب تجار الحرف…. نصبوا في عمق الليل

المشانق للعشاق المظلومين،

مشانق للشمس وللنخيل

وللفرسان المظلومين

وطن ام منفى

وطتي الغابة

العنف المستشري طال الطبيعة والفرسان والمحبين. حرب وظلم واضطهاد …و وطن لا يشبه الغاب بل هو غابة وردت في صيغة المؤنث لاستثنائها من الغاب الامن به شمس ونخيل وعشاق وفرسان امنين.

القصيدة “يحمل اوجاع الروح” جملة فعلية فاعلها محذوف تقديره “هو” لكن هذا الغائب الذي اراد الشاعر ان يتملص منه لربح حيز من حرية التعبير وكشف بواطن الداء لم يمهله الا مجرد كلمات وان كانت عميقة شجية “اوجاع واحزان” ليس الا “الانا” الغريب:

“اضطربت دنياي

وتاقت روحي

لصباح بغدادي

لا يشبه اي صباح

لنوارس فوق الماء

هي عقدة المكان موشحا بالزمان” بشعاع الشمس، “جدال ومراوحة بين موجود بعيد مضرج شنقا وعنفا.. ليصبح الماضي  وازعا للتجمل. طباق وتضاد بين” تجمل ≠القبيح”

“الماضي≠الاتي” الشاعر يتجاهل الحاضر، الموجود الذي اصبح الجدار العازل بين الماضي الجميل والمستقبل التعيس كخبر  مؤكد لا شكّ فيه. هذا الواقع سيصير اداة تسليم ورضى بالمقسوم،

“هذا حظي من الدنيا”

القصيدة ستكون تعليلا وتعريفا ب”هذا”

تطول الطريق، وفي الخطو تكبو وتنهض رغم الحفر..

الشوارع مزكومة بالوباء

ملائكة الموت تسرع…

فتشبث بصبرك…. اني ضرير

مواجع والام.. وباء ومرض

من يرتق موجه يرني… غريق..

اني ضرير. جملة خبر مؤكد تمهد او تستشرف صرخة اخرى لشاعر يرعبه الوباء ويؤرقه الحيف والعنف والضياع فكتب :

“ابصر بالعمى. قصيدة الثنائيات والتراجم بالضديات المستحيل جمعها الا في صرخة شاعر صار” يبصر بالعمى” لانه قرر ان يكون مختلفا عن السائد منذ الازل. ومن النظرة الاولى نتفاجا بتجميع ما لا يتجمع فالكفيف هو المعترف” ما رايت الفجر قط”خبر منفي مؤكد النفي بمفعول مطلق جازم بات” قطّ” والامر معقول من جنس من لم ير الفجر لانه اعمى. هذا  الاستثناء ليس الوحيد لان الطباق مكثف للتدليل على ان  الامر يخرج عن المالوف.

“عرس ≠ماتمي. فقراء≠اغنياء،

” يا ليتني اعمى” تمني العمى تبريره “ماكنت رايت” اذن فالتمني منشود لتجنب رؤية، مشهد” الأشجار… وهي عنصر قار في اىقصائد كلها  فهي الختم القانوني لكل فكرة او مشهد او موقف “والموج”.. والامنيات المرجوات لا تعدو ان تكون امنيات فقراء”رحيق زهرة، في نخلة عمياء” “النهر مضطرب” احوال واوصاف تعج عنفا وحركة لا ارادية يتدخل فيها الحلم” رؤياي صادقة” الفجر غام، لا نوافذ للضياء، ازمات، كرة من الثلج، زلازل، هواجس، والنفي المطلق “ليس من امل قريب “والامنيات البيض مثل صبية حسناء حاصرها العلوج “تشبيه تمثيلي يعكس تخوف الشاعر الذي تمنى الا يرى. لكنه” يبصر بالعمى”. قصيدة ارتجت فيها الاماني وتصدعت مكونات وطن مجروح امواجه لم تعد تغسل الندوب جراء الحروب.

والشاعر يؤكد على القناعة والاكتفاء  فيجمع بعض قصائده تحت قرار” تكفيني تلويحة وردة ”

ليستبد به الزمان ويصبح”ميلاد النهر” مؤشرا على تحوّل جذريْ عبر عنه بالتقابل والتقاطع بين حاضر مضرج افعاله كلها مستمرة لا منقضية، هذا الاستمرار المشوه للحاضر والمستقبل “السمع ، التدليس، بالتزوير والتهجين” صحت نحن شجر الارض”… لكن الشاطئ يناى،، مااشقى النهر حين يغير مجراه.” جثث ،ضياع ونمور وضباع ونعاج”مابين قوارب لا تعرف اين تسير.. اضطراب وهلع” ما احزنني الان ” الزمان الحاضر محزن مشط مقارنة بماض كان فيه” الليل من أجمل اصباح الدنيا”

لوعة واحتراق عن زمن فيه تصالح وعشق” يمشط شعر الشمس في ينبوع الطوفان. هي العشق والاغتراب ،هي التيه والضياع بين امكنة تشهد عن ازمنة ولت وانقضت بفعل” الطوفان”

مازال الشاعر مكتفيا ب”تلويحة وردة”

لكن” ابناء الماء” قصيدة” بحرها الكامل وهي مرتع للشعراء” “امرؤ القيس وعمر بن كلثوم وابي نواس” والفرزدق واستفهام عن الانتماء “من نحن؟”

معان وقفز الى البعيد البعيد لاثبات تاريخ مجيد، ثورة واستنجاد بابناء الماء، رمز الطهر  والحياة، شعراء حضروا برموزهم ” البكاء على الاطلال، الحرب بين قبيلتين، وكاس النواسي، زمن ولى لكن الحاضر “امطاره تغسل الصباح” هذي العيون الخضر”. عندما يصبح المكان موثقا لجمال الماضي بل الشاعر يطبق نظرية التناسخ ويقر بها”الشعراء تعدهم شجر شجر، وظلالهم حجر حجر” والماء حاضر في الزمن الماضي وغائب في حاضر مريض هده” الضما”

تكفيني تلويحة وردة.

في عيد الحب… زمان متوتر مضرج خيبات، احلام وشباب تخرب لتخرب المكان

“اقتلع الحطابون  الاشجار

وفر الطير وهام،

تيبس ريش العصفور…. ”

والحكمة حاضرة بقوة” لا يعرف اوجاع العاشق غير المعشوق” والمطلوب بسيط لكنه مصيري بالنسبة الى الشاعر” تكفيني نظرة حب او تلويحة وردة” والماساة الاصلية رهينة المكان المشوه “اقتلع الحطابون الأشجار” فكيف يعيش النهر؟ استفهام يعكس القاعدة… النهر يعيش بالاشجار. ولاول مرة تعيش القصيدة انفراجا في مستقبل قريب

” ساغني ”

لاعادة الخضرة و”يندحر القهر”،

تلك هي الامنية الرئيسة ، عودة الخضرة وانبثاق الاشجار ليعيش النهر،، دجلة والفرات. غير  ان هذا الامل لن يمضي فيه الشاعر بعيدا بحضور

“طائر السعد” طائر السلام حسب المخيال العربي، يعيش بين القبور، مرة اخرى “البطل” مرتبط بمكان بديل حتمي لضنك دفين، بطل يذكر بالموت، و”الأشجار تنبت أشجارا” استفهام تعجيزي يجعل “من غيرك…؟” معان متضاربة متقاطعة متلاطمة “الموتى≠الأحياء” لكن الجناس التام” اشجار، اشجارا… انسان ، الانسان.”. تلك المعضلة القصوى. لا الاشجار اشجار ولا الانسان الحالي انسان.. البحث عن الانسانية كمصدر صناعي منقرض. وان كان للطائر محطة ارضية بين القبور فان لفيروز وجود دلالي عنيف مرتبط بالمكان الثابت المتحرك، دلالة توحد المنحى الفني ذي الابعاد الانسانية الخالدة.

“فيروز والبحر” اية صلة لفيروز بالبحر؟

القصيدة قصة تامة الاركان

زمانها: الصباح

مكانها :البحر

شخصياتها :الشاعر والرياح وفيروز…. ”

حدثها “خلعت اساي، يممت وجهي،

العقدة، الرياح هبت… عنف

تغني الشاعر بفضائل فيروز كعنصر استقرار نفسي رغم الحاضر المرتبك العنيف، وصوت فيروز عنصر مساعد على تراكم الاشجان بل يدعو الى استزادة” الاه اه”

تشبيه تمثيلي عميق “الشعراء موج وفيروز بحر” . بخاصية الثبات والدوام وهم الموج المتغير المتلاشي بمفعول الزمان والمكان.

وكدنا نمضي وفي القلب غصة وفي البال استفهام :”اين الشاعر من الحبّ” هل تقوقع داخل الالتزام وحذا حذو محمود درويش وغسان كنفاني وناجي العلي، هل واد العواطف ليزرعها سبيلا الى الوطن وحده؟

الجواب:”احبك”

هي استراحة المحارب تتقاذفه الامواج وتتطوح به الرياح ويتربص به الموت في زمن مخرب ومكان متهتك،

“احبك ادري بان دمائي شعاع من الذكريات” اذن فالرفض والانعتاق من الحاضر الاسي الى ماض رحيم لم تبق منه الا الذكريات ” والطباق بين” اقتربنا≠اغتربنا مع الاستفهام الانكاري “فمن ينشر القبلات، اهذي الفراشات ام القبّرات؟” والنخلة والنسيم والنهر  “وفي القلب حب قديم” لكن الخوف من صعود القلاع ينهي مسيرة عشقية قد تكون رمزية بمؤثثات ارض وعصافير والفراشات والقبرات ونخلة و”النهر” هذا الحاضر الثابت خوفا من صعود القناع.

لكن “النهر سيفقد احساسه” والشهد يصبح مرا” ولا طعم للطيبات “وهل يعود التحسس بالطعم والرائحة؟…” هي كورونا تحط في اخر الديوان لتوثق لفترة حالكة قاتمة ستتناقل اخباررها الاجيال القادمة ان سلمت من فيروس لا يرى.

و” المعطف البعيد”

النصب” نصب الحرية “ساحة التحرير” رمز الثورة والمطالبة بالحرية، ها هنا مهبط الشهداء، مهبط الشعر والشعراء. “والاهم التناص مع النص القراني كقيمة من التراث الاسلامي المرجعي ” وماتحمل العاديات.. والعاديات ضبحا”

هنا يشحذون الفرات

هاهنا تخجل الذكريات” هاهنا يستقيم الطواف والصلاة. تقديس” نصب الحرية ” يصبح محجة للجميع لا لشيء الا لمناشدته الحرية وثباته على المبدا.

لكن” الفوبيا” بوجع الروح والخوف والرهاب الى اين امضي؟ “ومن حسن حظي نسيت الخطى في المسير”

والشاعر” يتقلب بين المجامر وحده” والطير عنصر تحول واستبشار” رف قلبي” وتخضبت الارض من نور بابل، المكان حاضر بايحاءاته “بوسع السماء…”

” المعطف البعيد” بانت الارض مقلوبة والسماء غدت تحتنا” الحاح الماضي والمقارنة بين الاسلاف “الطيبين” لا ياكلون سوى قطف ما يزرعون ما يحصدون، “والطلب” اعطني قمرا وجوادا ورمحا وسهولا ونهرا سعيدا وصبحا ومفاتيح للغيم هذه المؤثثات هي عناوين اسلاف كانوا متشبثين بالارض في زمن كان طيبا.واليوم انقلب الى الضد.

ليصل حد

” النباح”اخر التوتر واخر الصراخ اودى للنباح، نباح الاعلام.

كلهم ينبحون دونما رؤية او ضمير.

اينما تلفّت سيباغتك النابحون

كلهم ينبحون، الدعاة، الغزاة….. ينغلق المشهد على موقف خاد من ابواق الاعلام المتواطئ مع الغزاة السفاحين.

ديوان وان خاض في جدلية  الزمان والمكان وبينهما شاعر مكلوم مبعد محروم فقد اماط اللثام عن جروح تنزف واوجاع تنهش وطنا حضر بكل مسلاته وثرواته بفراته ودجلته ببابل وبغداد بنخله واشجاره وخضرته ووروده و انكساراته وصرخات شهداء تناسخت أرواحهم ودماؤهم استوطنت حبات الرمل لتنظم لاسلاف ابرار ما باعوا الوطن ولا تواطؤوا مع الفاسدين القتالين. لغة معبرة شحنت مجازا وبديعا لتكون كفيلة بنقل معاناة “سجين المحبسين” ماضيا المعري وحاضرا الشاعر.

تجربة شعرية رائدة  وان تمردت على القصيدة العمودية واشكالها وقوالبها وقوافيها فان الشاعر ظل وفيا لتفعيلات الخليل والاخفش  ليضيف للشعر الحديث تجربة  شاعر استطاع ان  يتخلص من السريالية المعقدة بقصائد ثرية بالايحاءات والقدرات التعبيرية التاثيرية. هو نهج اختاره الشاعر عبد المنعم حمندي في مسيرته الابداعية التي اخلص فيها للتراث العربي واستقى منه معان وصورا واستشهد بتجارب اعلام خلدهم التاريخ اضف الى ذلك اعتماده على التراث الديني الاسلامي القراني كمرجع به تقاس الامور..

ديوان “ليل الغاب”  مادة ثرية وتجربة تفاعل ايجابي بين الحداثة في الشعر  والتراث العربي الاسلامي وحتى الانساني  لدراسة الطلاب المتخصصين في الادب مستقبلا. .

التعليقات مغلقة.