قانون انتخابات مجلس النواب العراقي لسنة 2019 في ميزان النقد

د. باسل حسين
رئيس مركز كلواذا
لدراسات وقياس الرأي العام العراقي

ليس من قبيل المبالغة القول، بأن الصياغة التشريعية فن وحرفة، والقاعدة القانونية إجمالا تتكون من عاملين اساسيين هما عامل الادراك المتعلق بالمعرفة الجوهرية لموضوع القانون اي بالمادة الاولية التي ينبثق منها القانون وعامل الصياغة التي تأخذ على عاتقها مهمة اخراج هذه المادة ومدركاتها الى واقع تشريعي وقانوني عبر وسائل وادوات فنية من اجل بناء القاعدة القانونية والتعبير عنها بما يسمح ان تكون صالحة للتطبيق ، واضحة المعنى وتجسد الغاية المقصود منها .
وليس من المبالغة القول ، ان هذين العاملين لم يتوافرا غالبا في القوانين العراقية، ومنها قانون الانتخابات العراقي لسنة 2019.
لقد جاد تصويت البرلمان على الانتخابات الجديد في ديسمبر / كانون الثاني، بعد اندلاع حركة الاحتجاج الشبابي واستقالة حكومة عبدالمهدي، وكان من المفترض أن يكون هذا القانون يمثل عملية استجابة من الطبقة السياسية لمطالب الشباب ويؤدي الى زيادة مشاركة الشباب في صنع القرار السياسي، إلا ان ثمة عيوب جوهرية وشكلية تضمنها هذا القانون لعل من أهمها.

1. في الفصل الاول وتحديدا في قائمة (التعاريف والاهداف والسريان ) نجد العيوب الاتية
أ.غياب تعريف للائتلاف السياسي واقتصاره على الحزب السياسي، ولذا ينبغي اضافة تعريف له في قائمة التعريفات وعلى النحو الاتي: ( التحالف او الائتلاف السياسي) هو التحالف بين حزبين او اكثر من اجل خوض الانتخابات والمسجل لدى دائرة الاحزاب السياسية في المفوضية العليا المستقلة للانتخابات والمصادق عليه من قبل مجلس المفوضين وفقا لقانون الاحزاب رقم (36) لسنة 2015.

ب. من الغريب ان يتم تعريف القائمة المفتوحة او المنفردة، لان القانون في المادة ( 15/ ثانيا ) يقول نصا (( يكون الترشيح فرديا ضمن الدائرة الانتخابية)) وبالتالي هذا النص ينفي وجود أي قائمة سواء فردية او مغلقة او مفتوحة لأن الترشيح فردي وليس على اساس القوائم ، وعليه ينبغي رفعهما من قائمة التعاريف.
ج. من المفارقة غياب اي تعريف للبطاقة البايومترية وانما اقتصر الامر على التسجيل البايومتري، وعليه يضاف تعريف للبطاقة البايومترية طويلة الامد ( الاحيائية) ، ((بأنها تلك البطاقة الالكترونية التي تتضمن البيانات الحيوية للناخب، وتحل محل البطاقات الاخرى في عملية التصويت في انتخابات مجلس النواب العراقي ولايقبل أي تصويت من دونها)).أو اي تعريف آخر ملائم يفضي الى اعتماد البطاقة طويلة الامد حصرا.
2. في المادة (2) التي تتعلق بالأهداف
أ. تنص (م (2/ ثانيا) على الاتي (( المساواة في المشاركة الانتخابية)) وهو تعبير خاطئ لان فكرة المساواة معدومة لوجود الكوتا النسوية او الأقليات او الاهلية وهذه بالضد تمام من المساواة، وعليه ينبغي أن يكون النص كالاتي (( العدالة في المشاركة الانتخابية)).
ب. تغيب عن الاهداف أهم عبارة وهي تتعلق بالمشاركة السياسية لان احد اهم اهداف الانتخابات هو زيادة المشاركة السياسية التي تؤدي الى اضفاء الشرعية المتزايدة على النظام السياسي وتحقيق التنمية السياسية وتمكين المواطن في المشاركة في القرار السياسي على نحو غير مباشر وتاسيس عتبة مهمة للاستقرار السياسي.
وعليه نجد ضرورة إضافة العبارة الاتية (( تعزيز وزيادة المشاركة السياسية )) في قائمة الاهداف
3. تحل العبارة الآتية في المادة (2/خامسا) (( وضع القواعد والاطر القانونية لمراحل وإجراءات العملية الانتخابية )) محل عبارة (( توفير الحماية القانونية لمراحل وإجراءات العملية الانتخابية)) لان الاطر القانونية أشمل وأعم وتتضمن من بين ما تتضمنه الحماية القانونية.

4. ينبغي الانتباه جيدا الى المادة (5/رابعا) بل وهي احد الاشكالات الرئيسة والتي تتضمن عدة اشتراطات لكي تكون هناك اهلية للناخب في التصويت لاسيما في الفقرة رابعا التي تنص على الاتي (( مسجلا في سجل الناخبين وفقا لأحكام هذا القانون والانظمة والاجراءات التي تصدرها المفوضية “ولديه بطاقة الكترونية” .. الخ )) وهذا يعني السماح للناخب التصويت بكلا البطاقتين الجديدة البايومترية الاحيائية والقديمة، مما يفتح الباب امام احتمالية عمليات تزوير كبيرة باستخدام البطاقة القديمة، وعليه يجب ان تحل محلها العبارة الاتية (( مسجلا في سجل الناخبين وفقا لأحكام هذا القانون والانظمة والاجراءات التي تصدرها المفوضية “ولديه بطاقة بايومترية طويلة الامد ( الاحيائية)”الخ العبارة ))

5. في المادة (7) ينبغي الاشارة الى نقطتين مهمتين جدا
أ. في المادة (7/ أولا) تنص على الاتي (( يجب أن تجري إنتخابات مجلس النواب العراقي للدورة النيابية الجديدة قبل (45) يوما من تأريخ إنتهاء الدورة النيابية التي سبقتها )) وهذا أمر غريب لأن هذه الفقرة اهملت تماما المدد التي تفرضها المادة (64) من الدستور في حالة حل البرلمان وإجراء الانتخابات ( المبكرة ضمنا) وعليه يجب ان تضاف فقرة تنص على الاتي (( او خلال 60 يوما من تاريخ حل مجلس النواب لنفسه وفقا (للمادة 64 من الدستور ))……((بعد عبارة قبل (45) يوما من تاريخ انتهاء الدورة الانتخابية التي سبقتها ))
ب. نصت المادة ( 7/ ثانيا) على الاتي (( يحدد موعد الانتخابات بقرار من مجلس الوزراء وبالتنسيق من مع المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، ويعلن عنه بوسائل الاعلام كافة قبل الموعد المحدد لاجرائها بمدة لا تقل عن 90 يوما)).
وهو نص يتجاهل المادة (64) من الدستور ايضا الذي منح حق تحديد موعد الانتخابات الى رئيس الجمهورية في حالة حل البرلمان لنفسه خلال (60) يوما من تاريخ الحل وعليه ينبغي وضع النص الاتي الى الفقرة ثانيا وعلى النحو الاتي (( وفي حالة حل البرلمان لنفسه يحدد رئيس الجمهورية موعد الانتخابات خلال 60 يوما من تاريخ الحل))

6. تتناول المادة (8) من القانون شروط الترشح وتنص المادة ( 8 /خامسا) على الاتي (( أن يكون من ابناء المحافظة او يقيم بها)) وهو نص يخالف العديد من النصوص الدستورية، ولذا ينبغي حذفها ((بوصفها غير دستورية ويمكن الطعن بها)) وليس من داع لها، لاسيما وانها انتخابات تشريعية وليس انتخابات مجالس المحافظات.
7. تضاف للمادة (25) ((والمؤسسات التعليمية والجامعات الأهلية والأندية الرياضية)).
8. تتصدى المادة ( 38) لقضية أجهزة تسريع النتائج التي اثارت جدلا حول مدى صلاحيتها. ومع ان القانون قد اعتمدها مرة اخرى في نصوصه، إلا ان اضاف نصا إيجابيا من خلال التاكيد على ضرورة تعاقد المفوضية مع شركة فحص عالمية رصينة لتقييم عمل الاجهزة.
غير ان القانون في المادة (8/ ثالثا) نص (( ويشكل مجلس المفوضين لجنة من المؤسسات الحكومية المختصة فنيا لمراقبة وتقييم عمل الشركة المذكورة آنفا وتقدم تقريرا الى مجلس النواب بذلك )) وهو نص غريب لانه لا يعقل ان تشكل الجهة المتعاقدة لجنة للتقييم، بل ينبغي ان توكل المهمة الى جهة رقابية لغرض تشكيل اللجنة من اجل اضفاء مزيد من الشفافية والرصانة الى اليها. وعليه تحل العبارة الآتية ((ويشكل ديوان الرقابة المالية لجنة فنية مختصة مكونة عن ممثلين من مجلس الوزراء ومجلس المفوضين والمخابرات والامن الوطني ووزارات الداخلية والتخطيط والتجارة وعضو مراقب من ممثلية الأمم المتحدة في العراق وعضو عن مؤسسة المجتمع المدني مختص بالرقابة على الانتخابات لمراقبة وتقييم عمل الشركة المذكورة آنفا وتقدم تقريرا الى مجلس النواب)).

9. المفارقة أن القانون (( لم يشير إلى الإجراءات التي سيتم اتخاذها في حالة اثبت تقرير الشركة بفشل المنظومة وعدم تطابقها مع المواصفات الدولية باجراء انتخابات نزيهة وعادلة)).
وعليه أقترح اضافة النص الاتي (( وفي حالة اظهر تقرير الشركة المكلفة بقحص منظومة الانتخابات بعدم صلاحية اجهزة العد والفرز الالكتروني او فشل المنظومة مفي تحقيق انتخابات عادلة وحرة ونزيهةـ يتم الغاء الفقرة اولا من المادة (38) ويتم اللجوء إلى العد والفرز اليدوي لجميع المحطات)).

10. نصت المادة (38/ ثامنا) (( تكون نسبة البصمات غير المقروءة المسموح بها (5%) من عدد الناخبين في سجل الناخبين الالكتروني على مستوى المحطة )) ومع مراعاة وجود نسبة من كبار السن او مرضى السكر يصعب قراءة بصماتهم ، إلا انه ينبغي الانتباه الى صياغة آليات مراقبة شديدة تمنع سوء استخدام ذلك في تزوير الانتخابات.
11. ينبغي (( إحلال عبارة البطاقة البايومترية طويلة الاجل (الاحيائية) محل عبارة البطاقة البايومترية او الالكترونية اينما وجدت في متن القانون .))

12. هناك تعارض واضح بين المادة (15/خامسا) التي تنص (( اذا شغر اي مقعد في مجلس النواب يحل محله المرشح الحائز علي اعلى الاصوات في الدائرة الانتخابية)) وبين نص المادة (46 ) التي تنص (( يلتزم المرشح الفائز بالانتخابات البرلمانية بتأدية اليمين الدستوري خلال مدة اقصاها شهر من تاريخ الجلسة الاولى ،وبخلافه يكون بديله الحاصل على اعلى الاصوات من المرشحين الخاسرين في “قائمته ” في دائرته الانتخابية.))

والاصوب هو (( أن تبقى المادة (15/خامسا) هي النافذة لان النظام الانتخابي الاكثري وبالتالي اذا شغر المقعد لاي سبب يحل محله المرشح الحائز على اعلى الاصوات من المرشحين الخاسرين في دائرته الانتخابية وليس من قائمته لان النظام ليس نسبيا.)) لذا ينبغي توحيد الصياغة وان تحل عبارة ((اذا شغر اي مقعد في مجلس النواب يحل محله المرشح الحائز على اعلى الاصوات من المرشحين الخاسرين في دائرة المقعد الشاغر الانتخابية)). محل العبارة المنصوص عليها في المادة (46).
13. يتبنى القانون آلية الدورة الواحدة في التصويت من دون اشتراط حصول الفائز على أغلبية المصوتين (51%) وهي تثير اشكالية الصفة التمثيلية للدائرة فقد يفوز مرشح بأصوات قد لا تصل على 25% اقل او أكثر في حين أن ما يقارب 75%, لم يصوتوا له ولهذا فأن آلية الدورتين أكثر عدالة وتطبيقا للصفة التمثيلية للمرشح
وسوف تزداد هذه الإشكالية اذا ما اعتمد المجلس في توزيعه للدوائر بأن يفوز أكثر عدد معين في كل دائرة حينها ستزداد أزمة التمثيل النسبي وقد نرى فائزا وعضوا في البرلمان لم يحصل سوي على 10% او اقل من المصوتين في داذرته الانتخابية.
14. بالنسبة للمادة (15) سادسا التي تنص على ان ((تتكون الدوائر الانخابية وفقا للجدول الذي يقره مجلس النواب لاحقا ويجري التصويت عليه)).
وبما أن نص المادة (15) ثانيا اشار الى ان الترشيح فردي ، بالتالي ينبغي ان توزع الدوائر في العراق الى 320 دائرة يفوز بها مرشح واحد وبالتالي فأن اي توزيع آخر يفترض فيه فوز اكثر من مرشح في دائرة واحدة فهذا يناقض النص ومفهوم الاقتراع الفردي.
ومثلما أشرت سابقأ أن الاشكالية الرئيسة في نظام الاقتراع الاكثري الفردي هو قابليته الكبيرة على التعرض للتلاعب منذ تقنية (جيري ماندر) التي استخدمت مرات عدة للتلاعب لاحقا في دول عدة منها كينيا لبنان واليونان وغيرها لذا ينبغي حين عرض اي جدول الانتباه الى ضرورة عرضه للجمهور لغرض المناقشة وان لا يحتكر البرلمان وحده حق احتكار توزيع الدوائر وإنما ينبغي مشاركة الشعب في ذلك لمعرفة رايه واقترحاته خشية الاحتمالية من خضوع التوزيع لمصالح الاحزاب من دون اخذ بنظر الاعتبار نتائج ذلك على الانتخابات ومستقبلها او على عملية استقرار العراق.

التعليقات مغلقة.