عواطف الشباب “السنّة” في العراق مع تظاهرات المناطق “الشيعيّة” لكنّهم يخشون المشاركة فيها

عدنان أبو زيد

كان لافتاً في الاحتجاجات الأخيرة في العراق أنّها شملت نحو تسع محافظات من دون أن تشارك المحافظات “السنيّة” فيها. وفي حين رفع متظاهرون خلال الاحتجاجات شعار “إخوان سنّة وشيعة”، في دلالة على أنّ المصير والهدف واحد في المطالبة بالحقوق، إلاّ أن الشاب السنيّ عمر من الموصل برّر عدم مشاركة الشباب السنّة في التظاهرات بالقول: “لأنّنا ما زلنا دواعش في نظر البعض. وإذا تظاهرنا، سيسحلوننا في الشوارع ويرموننا في السجون السريّة. ما زلنا مظلومين، وحالنا مثل حالكم، وربّما أكثر سوءاً”.

وعزّز هذه الخشية الجامعة للشباب “السنّة”، قول عضو مجلس محافظة الأنبار فرحان العبيدي في تصريحات صحافيّة، بـ8 تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2019: “إنّ الصمت “السنيّ” والامتناع عن المشاركة في التظاهرات هما الصواب لأنّ التّهم ستكون جاهزة كاتّهامهم بأنهم أزلام النظام السابق أو البعثيّة والصداميّة، على العكس ممّا حصل مع أتباع الصدر “الشيعة”، عند دخولهم المنطقة الخضراء خلال آخر احتجاجات حصلت في بغداد، إذ انسحبوا من دون أيّ تهمة أو محاسبة”.

ولا يبدو قرار عدم المشاركة شعبيّاً فقط، بحسب فرحان العبيدي، الذي قال: “إنّ الصمت “السنيّ” والالتزام بقرار عدم المشاركة هما قرار رؤساء الكتل السنيّة ومعظم السياسيّين السنّة، لما يرون فيهما من إيجابيّة بحسب رؤيتهم للأوضاع الجارية”.

وأكّد ذلك أيضاً النائب في البرلمان عن محافظة نينوى أحمد الجبّوري ، إذ قال: “من الأسباب الأخرى التي حالت دون خروجهم أيضاً، الخشية من اتّهامهم من جديد بأنّهم محسوبون على التنظيمات الإرهابيّة، ومنها داعش، وأنّهم يتلقّون الأوامر من جهات خارجيّة، وهي تهم جاهزة على الدوام إذا ما شرعوا في حراك شعبيّ من أجل المطالب”.

وتحدّث أحمد الجبّوري عن أسباب مهمّة أخرى في عدم اندلاع احتجاجات في المدن السنيّة، وهي “البطش والقتل والقمع، التي انتهجتها الحكومة وأجهزتها الأمنيّة ضدّ المنتفضين الشيعة، كأنّها رسالة من الحكومة إلى الشباب “السنّة” بأنّ مصيركم سيكون القتل أيضاً اذا ما تظاهرتم، بل إنّ عقابكم سيكون أشدّ وأكثر دمويّة”.

ولفت إلى التضامن “السنيّ” مع الشباب “الشيعيّ” المنتفض، بالقول: “إنّ الشباب السنّة يتضامنون روحيّاً ومعنويّاً. وفي المناطق المختلطة مثل بغداد، شارك أبناء السنّة في التظاهرات، وهناك مشاركات واضحة للشباب السنّة في منطقة الأعظميّة بالعاصمة”.

وأكّد “سقوط قتلى في صفوفهم”، معتبراً أنّ “الأسباب التي تدفعهم إلى ذلك هي ذاتها التي أدّت إلى انتفاضة الشباب الشيعة”.

ورغم ذلك، فإنّ التضامن “السنيّ” مع التظاهرات الشعبيّة بارز على صفحات التواصل الاجتماعيّ، وفي تدوينة لصفحة

Mosul Eye عين الموصل في ‏5 تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2019، تجدّدت الدعوة إلى دعم المتظاهرين، إذ تضمّنت الآتي: “حتىّ لو كنت غير قادر على التظاهر، هذا لا يمنعك من العصيان المدنيّ والبقاء في بيتك”. ونشرت الصفحة لوحة فنيّة لدعم المتظاهرين للرسّام الموصليّ سعد الطيّب.

لا يقتصر انحسار التظاهرات عن المحافظات السنيّة، بل أيضاً لم تشهد مناطق إقليم كردستان أيّ مشاركة تزامناً مع احتجاجات الوسط والجنوب، إذ أنّ السلطات المحليّة في محافظة إربيل رفضت في 3 تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2019 طلباً تقدّم به ناشطون لتنظيم وقفة تضامنيّة مع متظاهري ساحة التحرير، عازية الرفض إلى “أسباب أمنيّة”. أمّا الأسباب فهي على ما يبدو سياسيّة، وتتجسّد في رفض حكومة كردستان بـ7 تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2019 تحميل رئيس الحكومة الاتحاديّة عادل عبد المهدي مسؤوليّة “15 عاماً من المشاكل والأخطاء”.

ورغم ذلك، فإنّ السلطات المحليّة في محافظة نينوى السنيّة كانت متخوّفة من حدوث احتجاجات، الأمر الذي دفعها إلى نشر قوّة من مكافحة الشغب في محيط مبنى محافظة شماليّ الموصل، فيما شُملت المحافظة، إلى جانب محافظة كركوك المختلطة من الشيعة والسنّة والأكراد، بانقطاع خدمة النت، تزامناً مع التظاهرات الشعبيّة في بغداد ومدن جنوب العراق، لكنّ ذلك لم يمنع انطلاق تظاهرة احتجاجيّة في كركوك بـ2 تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2019، قرب مبنى مجلس المحافظة.

وتحدّث وزير الموارد المائيّة الأسبق محسن الشمري فقال: “إنّ المحافظات السنيّة مثل نينوى والأنبار وصلاح الدين وديالى ما زالت تلعق جراحها الناجم عن الخراب والتشتّت في داخل العراق وخارجه، فضلاً عن انشغالها في إجراءات منع تسلّل داعش واستهداف الخلايا الإرهابيّة النائمة، الأمر الذي حسم الاتّجاه إلى عدم المشاركة في التظاهرات”.

أضاف: “إنّ المتظاهرين في محافظات الوسط والجنوب وصلوا إلى مرحلة من الوعي على أنّ الفساد لا يقلّ خطراً عن الاٍرهاب الذي حاربوه وقدّموا بسببه عشرات الآلاف من الضحايا والجرحى، فيما أنّ ما يترواح بين 60 و70 ألف عنصر من الحشد شاركوا في طرد داعش ورجعوا الى مدنهم بخفي حنين، وهم يشاهدون نظراءهم ينعمون بامتيازات”.

وأشار إلى أنّ “نسبة من المحرومين شاركت بقوّة مع المتظاهرين، وفي كلّ المحافظات”.

أمّا المحلّل السياسيّ من “شبكة الهدف للتحليل السياسيّ والإعلاميّ” هيثم الخزعلي فأشار إلى “أنّ المناطق “الشيعيّة” هي الأكثر تضرّراً من نقص الخدمات والوضع الاقتصاديّ والبطالة”، معتبراً أنّ “دخول المحافظات “السنيّة” على خطّ الاحتجاجات سوف يفشل أيّ حراك جماهيريّ بسبب وجود العوامل الطائفيّة”.

من جهته، قال المتحدّث باسم مكتب مفوضيّة حقوق الإنسان في العراق علي البياتي: “إنّ المناطق التي نشطت فيها الاحتجاجات والتظاهرات هي مناطق شيعيّة على الأغلب، ولكن هذا لا ينفي مشاركة السنّة في البصرة وبغداد وبابل، مع الملاحظة أنّ التظاهرات أثبتت عدم جدوى إثارة المشاعر الطائفيّة بعد الآن، وبمختلف الوسائل، ومنها العقائديّة والدينيّة، وخصوصاً بين الأجيال الجديدة المحتجّة”.

لقد هدأت التظاهرات في العراق، لكنّ تجدّدها هو احتمال راجح، حتّى في المناطق السنيّة، إذا ما استمرّ نقص الخدمات وانعدام البنية التحتيّة والبطالة والتمايز في الامتيازات بين الشعب والطبقة السياسيّة، وانتشار الفقر الذي لا يفرّق بين منطقة سنيّة أو شيعيّة.

 

المصدر: al-monitor

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.