عالم شارك بتجربة لقاح فايزر يصفه بالمعجزة

المستقلة /- قال العالم الأمريكي والتر إيزاكسون، إنني “كنت جزءا من تجربة لقاح فايزر” الذي أعلنته الشركة كأول لقاح ناجح لمكافحة فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19″، واصفا إياه بأنه “معجزة في الطب الجيني”.

وروى إيزاكسون، الذي يعمل في جامعة تولين، ومؤلف كتاب (كاسر الشيفرة: جنيفر داودنا، تعديل الجينات، ومستقبل الجنس البشري)”، في مقال نشرته صحيفة “واشنطن بوست”، تفاصيل تجربته خلال مراحل تجهيز لقاح “فايزر”.

وتاليا نص المقال كاملا

“انظر إلي في العينين”، أمرت الطبيبة وهي تحدق في وجهي من خلف واقي الوجه البلاستيكي. كانت عيناها زرقاوين بزرقة قناع المستشفى نفسه الذي تضعه على وجهها تقريباً. ومع ذلك، بعد لحظة بدأت أستدير لأواجه الطبيب على يساري الذي كان يغرس إبرة طويلة في عمق عضلة أعلى ذراعي. “كلا”! حذرت الطبيبة الأولى. “انظر إلي!”.

ثم شرحت. نظرا لأنني كنت جزءا من تجربة إكلينيكية مزدوجة التعمية للقاح تجريبي لفيروس “كوفيد-19″، كان عليهم التأكد من ألا تصلني أي إشارة حول ما إذا كنت قد حقنت بجرعة حقيقية من اللقاح أو بمجرد دواء وهمي مكون من محلول ملحي.

كان ذلك في أوائل شهر آب (أغسطس)، وقد اشتركت في التجربة السريرية للقاح الذي كشف للتو عن نتائج واعدة للغاية: ذلك الذي طورته شركة “فايزر” الأمريكية بالتعاون مع شركة “بيونتيك” الألمانية. وهو نوع جديد من لقاح الحمض النووي الريبوزي الذي يعتمد على تقنية لم تُستخدم من قبل.

تعمل اللقاحات عن طريق تحفيز جهاز المناعة لدى الإنسان. وتمثل إحدى الطرق التقليدية في حقن نسخة ضعيفة من الفيروس الخطير في الجسم. وهذه هي الطريقة التي نقاوم بها الآن الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية وجدري الماء. وهناك طريقة أخرى تتمثل في استخدام نسخة من الفيروس أو جزء من الفيروس بعد أن يكون قد تم قتله بالكامل.

يعني نجاح لقاح “فايزر” أن عام الوباء 2020 هذا سيُذكر في التاريخ على أنه الوقت الذي بدأت فيه اللقاحات الجينية في الحلول محل اللقاحات التقليدية. فبدلاً من تقديم جرعات صغيرة وآمنة من الفيروس نفسه، تقدم هذه اللقاحات الجديدة جزءًا من الترميز الجيني الذي سيوجه الخلايا البشرية لكي تنتج، وحدها، مكونات الفيروس المستهدف. ويمكن لهذه المكونات الآمنة أن تحفز جهاز المناعة لدى المريض.

وهذه معجزة أخرى من عجائب ثورة التكنولوجيا الحيوية، حيث تصبح معرفة الترميز الجيني بأهمية الترميز الرقمي نفسها، وتصبح الجزيئات بمثابة الرقائق الدقيقة الجديدة.

اشتركت في التجربة في مستشفى أوتسنر في مسقط رأسي في نيو أورلينز، جزئيا لكي أكون مواطنا صالحا، ولكن أيضا لأنني أكتب كتابا عن أداة تعديل الجينات المعروفة باسم CRISPR، والجزيء النجم في الكتاب هو “الحمض النووي الريبوزي RNA”. ويستفيد اللقاح الذي طورته شركتا “فايزر” و”بيونتيك” من الوظائف الأساسية التي يؤديها الحمض النووي الريبوزي: العمل كمرسال للحمض النووي الريبوزي (mRNA)، الذي يحمل التعليمات الوراثية من الحمض النووي الموجود داخل نواة الخلية إلى منطقة التصنيع في الخلية؛ حيث يوجِّه إلى نوع البروتين المطلوب صنعه. وفي حالة لقاح “كوفيد-19″، يوجه “مرسال الحمض النووي الريبوزي” الخلايا لصنع نسخة من البروتين الشائك الموجود على سطح فيروس كورونا. ويمكن أن يحفز هذا البروتين الشوكي عندئذٍ جهاز المناعة لدينا لإنتاج أجسام مضادة تحمي من فيروس كورونا الحقيقي. وإضافة إلى إصدار “فايزر”، تقوم شركة “موديرنا” التي يوجد مقرها في كامبريدج بولاية ماساتشوستس أيضًا بصنع لقاح على مبدأ “مرسال الحمض النووي الريبوزي”.

عندما تطوعت للمشاركة في التجارب، قيل لي إن الدراسة يمكن أن تستمر لمدة عامين. وأثار ذلك بعض الأسئلة. وسألت المنسقة: ماذا سيحدث إذا تمت الموافقة على اللقاح قبل ذلك؟ أخبرتني أنني سأصبح “غير مُعمّى” بعد ذلك، بمعنى أنهم سيخبرونني بما إذا كنت قد تلقيت الدواء الوهمي، وإذا كان الأمر كذلك، سيقومون بإعطائي اللقاح الحقيقي على الفور.

وماذا سيحدث إذا تمت الموافقة على لقاح شركة أخرى بينما كانت تجربتنا ما تزال جارية؟ اعترفت المنسقة: “هذا لم يتم التقرير بشأنه”.

وهكذا، ذهبت إلى القمة. طرحت هذه الأسئلة على فرانسيس كولينز، مدير المعاهد الوطنية للصحة، التي تمول وتشرف على دراسات اللقاح. وأجاب: “لقد طرحتَ سؤالاً يُشرك حاليًا أعضاء مجموعة عمل اللقاحات في مناقشة جادة”. قبل أيام قليلة فقط، تم إعداد “تقرير استشاري” حول هذه المسألة من قبل قسم أخلاقيات البيولوجيا الحيوية في المعاهد الوطنية للصحة. وحتى قبل قراءة التقرير، شعرت بالارتياح والإعجاب لأن المعاهد الوطنية للصحة لديها ما يسمى بقسم الأخلاقيات الحيوية.

وكان التقرير مدروسًا جيداً. إذا كنتَ في مرحلة تجربة لقاح حصل على موافقة إدارة الغذاء والدواء، فسوف تحصل على الفور على اللقاح الحقيقي إذا كنت ضمن مجموعة الدواء الوهمي. وإذا كنت في إحدى التجارب وحصل لقاح شركة أخرى على الموافقة، فسيتم تقديم اللقاح الجديد لأولئك الذين كانوا في مجموعة الدواء الوهمي. وهذا هو السبب في أنه من الجيد التطوع للمشاركة في التجارب السريرية.

الأخبار الرائعة حول لقاحات الحمض النووي الريبوزي هي أن بالإمكان إعادة برمجتها بسهولة. حتى بعد هزيمة “كوفيد-19” سوف تظهر فيروسات جديدة. وعندما يحدث ذلك، سوف يستغرق الأمر أيامًا فقط لترميز تسلسل جديد من الحمض النووي الريبوزي لصنع لقاح لاستهداف التهديد الجديد. وسوف تمكننا الأدوات المصنوعة من الحمض النووي الريبوزي من تعديل مادتنا الجينية وابتكار لقاحات قابلة لإعادة البرمجة بسهولة بالغة.

كانت هذه بالتأكد جائحة بائسة في سنة مروعة. ومن الجيد أن كليهما ينتهيان على ما يبدو بالحمض النووي الريبوزي -الجزيء الأساسي الذي ولد على الأرجح وجود الحياة على كوكبنا قبل بضعة مليارات من السنين- وهو ما يؤذن بولادة حقبة جديدة من التكنولوجيا الحيوية.

التعليقات مغلقة.