سيادة الدولة العراقية ومسار الأزمة الى الحل

نوري المالكي / رئيس وزراء العراق السابق

يرتبط مفهوم السيادة ارتباطاً مباشرة بتكامل أركان الدولة المستقلة وفق ما تقره مباديء القانون الدستوري والقانون الدولي. وبرغم أهمية تقنين مبدأ السيادة في دستور الدولة ومجمل منظومتها القانونية ومعاهداتها الرسمية مع الدول الأخرى، إلّا أن الأهم من الجانب القانوني النظري هو كيفية تطبيق سلطات الدولة والقوى السياسية المشاركة في الحكم قواعد مبدأ السيادة عملياً. فربما تكون المنظومة القانونية للدولة فائقة الدقة في سد أبواب نقص السيادة، إلّا أن الحكومة أو غيرها من سلطات الدولة أو الكتل السياسية؛ يمكن أن تتسبب من خلال سلوكياتها وأدائها السياسي والأمني والإقتصادي، في فتح ثغرة واسعة في جدار السيادة، وتجعلها منقوصة عملياً.

إرث السيادة العراقية

يمكن القول أن الجزء الأساس من السيادة العراقية، بصورتها القانونية والعملية، تحقق بعد انتهاء القيمومة البريطانية وانهيار المعاهدات بين بريطانيا والدولة العراقية بسقوط النظام الملكي في العام 1958، وهي المرة الأولى التي ينتزع فيها العراق سيادته بعد من مئات السنين ظل يرزح فيها العراق تحت سلطات الإحتلال، وآخرها الإحتلالين التركي حتى العام 1917 والبريطاني حتى العام 1958. إلّا أن السيادة العراقية تصدعت مرة آخرى بعد استيلاء حزب البعث على السلطة في العراق في العام 1968. وكان التفريط بالسيادة العراقية يتم من أجل مصالح الحزب الحاكم وشخوص قياداته، وبهدف استمرارهم في السلطة. وقد برز هذا التصدع بأجلى صوره في العام 1975 من خلال معاهدة الجزائر التي وقعها نظام البعث مع إيران؛ بهدف مقايضة أراضي العراق ومياهه بإخماد الحركة الكردية في شمال العراق. ثم تعزز نقص السيادة العراقية تدريجياً بعد العام 1980؛ بسبب سلوكيات النظام وطموحات رئيسه صدام حسين، وأبرزها:

مغامرة الحرب على ايران في العام 1980، والتي أدت الى دخول القوات الأمريكية والفرنسية الحرب الى جانب النظام البعثي، وانتهاك سيادة أراضي العراق ومياهه وأجوائه.

فضلاً عن دخول القوات الإيرانية الى أراضي العراق في عدد من جبهات الحرب.

منح تركيا عمقاً داخل الأراضي العراقية يصل الى (20) كيلومتراً، وهو ما سمح بدخول القوات التركية الى أراضي العراق الشمالية مراراً وتكراراً، بدءاً من العام 1983، وعسكرتها فيها.

منح أجزاء من الأراضي العراقية الى دول الجوار خلال عقد الثمانينات من القرن الماضي، ومنها منطقة الرويشد وجزء من بادية الأنبار الى الأردن، وأجزاء من أراضي محافظة البصرة ومدينة أم قصر وبعض مناطق حقل الرميلة الجنوبي النفطي وأجزاء من المياه الدولية العراقية الى الكويت، ومنطقة الحياد وجزء من باديتي النجف والسماوة الى السعودية؛ وذلك مقابل دعم أنظمتها له في حروبه وبقائه في السلطة.

مغامرة احتلال دولة الكويت في العام 1990، والتي نتج وضع العراق تحت طائلة أحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وفق القرار 660 الصادر عن مجلس الأمن الدولي في العام 1990، ثم دخول القوات الأمريكية وحلفائها العراق خلال حرب تحرير الكويت في العام 1991، وانتهاك سيادة العراق وأرضه ومياهه وأجوائه، ثم إقرار مناطق حظر الطيران من قبل مجلس الأمن الدولي، وتحول محافظات كردستان الى محمية مستقلة عن الدولة. ويعني ذلك بكل وضوح أن العراق بات منقوص السيادة قانونياً وعملياً.

العودة في أواخر العام 1990 الى الإلتزام بمعاهدة الجزائر (1975) مع إيران، بعد أن خرج منها النظام ومزّقها رئيسه في العام 1980 تمهيداً للحرب؛ بدعوى أن المعاهدة تنتهك سيادة العراق وتستقطع بعض أراضيه ومياهه، ومنها: نصف شط العرب وست مناطق حدودية، أهمها زين القوس وسيف سعد. لكن النظام عاد إلى التمسك بالمعاهدة، لتخفيف الضغط عليه خلال مغامرة احتلال الكويت.

احتلال العراق من القوات الأمريكية وحلفائها في العام 2003، احتلالاً كاملاً؛ متذرعة بقرارات مجلس الأمن الدولي. وبذلك بات العراق فاقداُ للسيادة بشكل كامل وفق أحكام القانون الدولي، بعد أن كانت سيادته منقوصة منذ العام 1991.

وبالتالي؛ فإن الحديث عن السيادة في عهد النظام البعثي البائد هي أكذوبة سمجة، كان النظام يمررها على البسطاء من أنصاره في الداخل والخارج، بل أن سلوك النظام البعثي لم يقتصر على التسبب في انتزاع أجزاء من أرض العراق منذ سبعينات القرن الماضي، ثم احتلاله منذ العام 1991 وانتهاك سيادته وحسب، وإنما تسبب في انتهاك سيادة كثير من الدول العربية الخليجية، وفي مقدمتها الكويت والسعودية وقطر والإمارات، من خلال إعطاء الذرائع للقوى العالمية بالتواجد بكثافة غير مسبوقة في المنطقة الخليجية وأراضيها ومياهها وأجوائها، وتحويلها الى ساحة إقليمية ودولية لكل أنواع الصراع السياسي والإقتصادي والجيوسياسي والستراتيجي.

السيادة في ظل النظام السياسي العراقي الجديد

لقد كان إرث النظام البعثي للشعب العراقي بعد سقوطه في العام 2003؛ دولةً محتلةً بلا سيادة؛ بسبب سلوكياته ومغامراته. وبعد استتباب الأمر قانونياً وعملياً لقوات الإحتلال، بادرت واجهتها المدنية المعروفة بـ “سلطة الإئتلاف المؤقتة” الى تأسيس نظام سياسي عراقي جديد وفق مخططاتها ورغباتها. إلّا أن الشعب العراقي بقيادة مرجعيته الدينية وجهود قواه السياسية الإسلامية المشاركة في العملية السياسية؛ مارس أقوى أنواع المقاومة من أجل تخفيف أضرار النظام السياسي الذي أنشأه الاحتلال. وفرَض العراقيون رؤاهم خلال عملية تدوين الدستور الجديد وإقراره، ثم إجراء الإنتخابات التشريعية العامة التي أثمرت عن تشكيل القوى السياسية الإسلامية شبه أغلبية في السلطتين التشريعية والتنفيذية، وهي القوى الرافضة للإحتلال والداعية لعودة السيادة، والتي ساهمت بفاعلية في إعادة أجزاء من السيادة رسمياً وعملياً.  ولكن قوة هذه المقاومة الداخلية لم تمنع سلطة الإحتلال من فرض رؤاها أيضاً على شكل وطبيعة النظام السياسي الجديد؛ الأمر الذي كان يقوض كثيراً من جهود العراقيين لاستعادة السيادة. ولذلك لم تكن عودة السيادة أمراَ ممكناً، حتى بصورتها المنقوصة؛ للأسباب التالية:

تذرع قوات الاحتلال بأحكام القانون الدولي التي وفرتها لها قرارات مجلس الأمن الدولي التي أسبغت على الإحتلال صفة قانونية؛ بدءاً بالقرار 660  في آب/ أغسطس 1990 وانتهاءً بالقرار 1483 في أيار/ مايو 2003، ثم تمسكها بالاتفاقيات السياسية والأمنية بين سلطة الإئتلاف المدنية والسلطات العراقية التي تشكلت مع انبثاق مجلس الحكم الإنتقالي.

تصاعد موجات الإرهاب والعنف التي حوّلت العراق الى ساحة للموت الجماعي للشعب العراقي، وعدم قدرة الدولة العراقية على مواجهتها؛ بسبب حل الجيش وضعف قوات الشرطة وعدم وجود أجهزة أمن ومخابرات.

طبيعة النظام السياسي المشوه ولادياً، والذي يفضي تلقائياً الى تشكيل حكومات توافقية توازنية محاصصاتية، ويساهم في تفكك قرار الدولة الخارجي؛ بسبب ارتباط بعض القوى السياسية المشاركة بقوات الاحتلال، وبعض آخر بدول أخرى؛ مايعني أن قرار السيادة العراقية كان مرتهناً بالخارج غالباً.

وقد استمر هذا الوضع حتى العام 2006 مع تشكيل أول حكومة عراقية دائمة منتخبة، ثم أخذ بريق هذه العوامل يخف بالتدريج، حتى العام 2011 والذي تكللت جهود الحكومة العراقية خلاله بعودة السيادة كاملة الى الدولة العراقية، وهو ما سنأتي عليه في فقرة قادمة.

وعي العوامل الإقليمية والدولية المؤثرة في مجال السيادة

يشكل العراق جزءاً أساسياً من ساحة صراعٍ دولي وإقليمي مشتعلة في الشرق الأوسط. وقوام هذا الصراع وجود الإرادات الإقليمية والدولية الخمس التالية:

المشروع الأمريكي في الشرق الأوسط، وهو مشروع هيمنة يعمل على ضمان تدفق النفط، وتصدير السلاح، وأمن إسرائيل وإعادة بناء المنطقة ثقافياً. ويقع العراق في قلب هذا المشروع.

المشروع الإسرائيلي الصهيوني الذي يعمل على ضمان أمن إسرائيل في عمق أمني ستراتيجي يشمل العراق أيضاً.

الأحلام التركية العثمانية في المنطقة، والتي لاتكتف باستباحة شمال العراق؛ بل تخطط للاستيلاء على ما كان يسميه العثمانيون “ولاية الموصل”، وصولاً الى التأثير في قرار بغداد.

طموحات السعودية في تنصيب نفسها قائدة مطلقة للمنطقة، دينياً وسياسياً وأمنياً ومالياً. ويقع العراق في قلب هذه الطموحات.

رؤية ايران الأمنية المبنية على تحليلها بأن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل والسعودية يعملون منذ العام 2003 على تحويل العراق الى منطلق لمهاجمتها وإسقاط نظامها. ولذلك؛ تعتقد إيران بأنها تدافع عن نفسها في العراق.

وما ينتج عن تضارب الإرادات الإقليمية والدولية هذه؛ يصيب العراق في الصميم؛ ليس لأنه ساحة صراع وحسب؛ بل لأنه مستهدف بذاته أيضاً في ثرواته ومقدراته، وفي أمنه السياسي والإجتماعي والإقتصادي والثقافي، ولا يستطيع أن يكون بمنآى عن الشد والجذب والصراع. ولذلك؛ فإن الموضوع ليس موضوع صراع إيراني أمريكي، ولا تضارب بين محور المقاومة و المحور المهاجم؛ بل الموضوع يكمن في المشاريع التي تريد ابتلاع العراق سياسياً وأمنياً واقتصادياً؛ سواء كانت ايران موجودة أو غير موجودة، أو كان هناك محور اسمه المقاومة أو لم يكن.

ولذلك؛ فإن الوعي العميق بالعوامل الإقليمية والدولية، ودوافعها ومنطلقاتها؛ تقود الى وعي عميق أيضاً بسبل مواجهتها وتفكيكها والتخلص من آثارها السلبية. وجزء من هذا الوعي أن نفهم أن شعار الحياد و نأي العراق بنفسه عن صراع المحاور، لايعني أنه سيكون بمأمن عن مخاطر المشاريع؛ لأن كل مشروع منها يصنِّف العراق جزءاً من خططه الستراتيجية. وبكلمة أوضح؛ فإن العراق ينبغي أن يعرف أين تكمن مصالحه السياسية والأمنية والإقتصادية والثقافية في خارطة المحاور الدولية والإقليمية، وماهي المشتركات التي تجمعه بكل منها وتفرِّقه عنها، وأين يجب أن يقاوم ويرفض، وأين يجب أن يتفق ويتقارب. أما نظرية نأي العراق بنفسه عن صراع المحاور، انطلاقاً من النظرة المتساوية اليها؛ إنما هي نظرية سطحية لاترتقي الى الفهم الستراتيجي لدوافع الصراع ومنطلقات مشاريع المحاور المذكورة.

وهذا لا يعني أن مصلحة العراق تكمن في الانخراط في أحد المحاور؛ بل تكمن في النظرة الواقعية العميقة الى منطلقات كل محور وأهدافه، وكيف يستطيع العراق تجنب سلبيات هذه الأهداف الى مستوى مقاومتها، واستثمار ايجابياتها بحذر، والتحرك بتوازن ستراتيجي إيجابي بينها. وهذه اللون من التوازن الايجابي الفاعل هو الكفيل بضمان مصالح العراق وسيادته.

والتوازن المطلوب لايعني الحياد السلبي؛ لأنه مضر جداً، و يؤدي الى فرض الدولة العراقية حصاراً مميتاً حول نفسها. أما التوازن الستراتيجي الإيجابي فيعني الحياد الإيجابي الفاعل، والانطلاق في رحاب مصالح البلد الحقيقية، ودرء المفاسد عنه، والابتعاد عن التأثيرات السلبية لبعض أنواع العلاقة، واستقطاب التأثيرات الايجابية؛ ما يؤدي الى جلب ما ينفع استقرار البلد ونموه.

وأود أن أكون أكثر وضوحاً؛ فإن مشكلة العراق مع المحور الأمريكي ـــ الإسرائيلي ـــ السعودي هي مشكلة ستراتيجية ترتبط بالمشروع الاستكباري الهجومي السلطوي لهذا المحور، والذي يستهدف سيادة العراق في الصميم. أما مشكلة العراق مع ايران فهي مشكلة تكتيكية ترتبط بتمدد رؤيتها الأمنية المبنية على حماية حدودها ونظامها و أمنها؛ لتصل الى التدخل في الشان العراقي المحلي. وبالتالي؛ فإن رفض المشروع الأمريكي ـــ الإسرائيلي ـــ السعودي؛ لا يعني السماح للجمهورية الإسلامية الإيرانية أن تتدخل في حركة الدولة العراقية بعيداً عن قراره وسيادته.

تعاطي حكومتنا مع قضية السيادة

ليس انحيازاً أو مبالغة إذا قلنا بأن 21 أيار/ مايو  2006، وهو تاريخ مباشرة حكومتنا الأولى عملها، هو تاريخ مفصلي بالنسبة للعراق؛ ففيه استلمنا بلداً بدون سيادة، مقطّع الأوصال، تهيمن قوات الاحتلال على قراره الداخلي والخارجي، ولايزال يخضع لبنود الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وتنشط الجماعات الإرهابية في كل شوارعه وأزقته وبراريه، وتتوزع ولاءات كثير من الأحزاب المشاركة في الحكم على الأنظمة الإقليمية والدولية، وتمارس جماعات سياسية ودينية أخرى نشاطاتها السياسية والدينية والإقتصادية بعيداً عن قرار الدولة.

هذا الواقع الإستثنائي كان بحاجة الى تفكير استثنائي وتدابير استثنائية؛ للدفع به تدريجياً نحو هدف السيادة. وكان علينا رسم ستراتيجية عامة ومخططات عملية فرعية بالغة التعقيد على عدة مستويات، وتنفيذها وكأننا نمشي على حد السيف. وقد وضعنا قواعد لهذه الستراتيحية تتمثل بما يلي:

العراق أولاً ومصالحه أولاً، وأن مصالحه تكمن في سيادته الكاملة واستقلال قراره الوطني.

إن السيادة الكاملة لها تعريف واحد وشكل تطبيقي واحد، تحددهما أحكام القانون الدولي وقواعد القانون الدستوري، وهو ما ينبغي أن نصل إليه وفق جدولة زمنية واضحة.

الوعي بحقيقة الصراعات الداخلية ومشاريع الهيمنة الإقليمية والدولية التي تؤثر في بلوغ هدف السيادة الوطنية، والعمل على التعامل معها بواقعية في إطار ستراتيجية التوازن الإيجابي، ومعرفة ما ينفع العراق ومايضره في صراع المحاور.

التخلص التدريجي من وجود الاحتلال، بكل أشكاله: العسكرية والسياسية والثقافية، من خلال تفكيك أسبابه وسد ذرائعه على الصعد كافة، وفي مقدمتها الذرائع القانونية والأمنية.

تفكيك علاقات القوى السياسية، المشاركة في حكم العراق، مع الخارج.

تفكيك الشبكات المسلحة والإقتصادية لبعض الجماعات السياسية والطائفية، والتي كانت تعمل كمافيات إجرامية.

وأستطيع القول أننا حققنا أغلب خططنا في هذا المجال، في الفترة من 2006 وحتى 2011، وهو العام الذي حققنا فيه السيادة للعراق، والتي تكاملت في العام 2013. ويمكن الوقوف على تفاصيل هذا الإنجاز خلال فترة الثمان سنوات من عمر حكومتنا الأولى والثانية:

نفذنا خطط فرض القانون والأمن السياسي والإقتصادي، بدءاً بالعاصمة بغداد، مروراً بالبصرة ومحافظات جنوب العراق، وانتهاءً بالموصل ومحافظات غرب العراق؛ الى المستوى الذي انخفضت فيه العمليات الإرهابية، بدءاً من العام 2009 الى واحد بالمائة مما كانت عليه في العام 2006، واستتب الأمن في ربوع العراق كافة.

استقطبنا الدعم الدولي والإقليمي دبلوماسياً وسياسياً وأمنياً واقتصادياً، بما يدعم سياستنا المتوازنة الفاعلة، ونمو اقتصادنا الوطني، واستقلال قرارنا العراقي.

قطعنا دابر أغلب العلاقات الخاصة للقوى السياسية العراقية مع الأنظمة الإقليمية والدولية.

منعنا خضوع القرار السيادي العراقي للخارج، برغم كل الضغوطات الهائلة التي مورست ضد حكومتنا، ومنها رفضنا الطلبات الامريكية المتكررة والملحة منذ العام 2011، للدخول في مشروع إسقاط النظام السوري؛ لأننا كنا نعلم الفشل الحتمي لهذا المشروع أولاً، وتبعاته الأمنية والسياسية الخطيرة على العراق ثانياً. وكذلك رفضنا التهديدات الأمريكية من أجل قطع العلاقات مع إيران، وعدم شراء السلاح من روسيا.

حصلنا على قرارات مهمة من مجلس الأمن الدولي، تعزز سيادة الدولة العراقية، أبرزها: القراران 1956 و 1957 في  كانون الأول/ ديسمبر 2010 والقرار 2107 في حزيران/ يونيو 2013.

أخرجنا القوات الأجنبية من جميع أراضي العراق، وحققنا السيادة قانونياً وعملياً خلال العام 2011، بعد توقيع حكومتنا اتفاقية الانسحاب التدريجي للقوات الأمريكية (SOFA) مع حكومة الولايات المتحدة الأمريكية. وقد عبرت في 18 كانون الأول/ ديسمبر 2011، آخر القطعات العسكرية الأمريكية الحدود البرية العراقية باتجاه الكويت. وقد كانت الظروف، خلال مفاوضاتنا التي بدأت خلال العام 2008 مع الجانب الأمريكي، صعبة وغير متكافئة، وكان هناك تضاد في الرؤية بين الطرفين؛ فقد كنا نعمل على إخراج القوات الأمريكية بأكملها من العراق، في حين كان الجانب الأمريكي يسعى لإبقاء قواته لأطول فترة ممكنة، ليس لمهام أمنية داخل العراق؛ إنما لأغراض تتعلق بالنفوذ السياسي والأمني في المنطقة. وقد ساعد على ذلك إدراك الأمريكان جديتنا وإصرارنا على إجلاء قواتهم وإنهاء نفوذهم العسكري والأمني والسياسي.

ولا نغفل هنا الضغط النفسي المساعد الذي تسببت فيه مقاومة الفصائل الإسلامية المسلحة للقوات الأمريكية، وتحديداً مقاومة أبناء الوسط والجنوب؛ بالنظر للخسائر البشرية التي كانت تلحقها بالقوات الأمريكية، سواء اتفقنا مع أساليب هذه المقاومة أو اختلفنا؛ فقد كانت دون شك عاملاً داعماً لاتفاقية إخراج القوات الأمريكية.

وقد كنا نعلم يقيناً أن معركتنا ومقاومتنا من أجل تحقيق السيادة واستقلال القرار العراقي، ستثير ضدنا القوى الدولية والإقليمية، وفي مقدمتها حكومات واشنطن وتل أبيب والرياض وأنقرة، وكذا الجماعات المرتبطة بها، وفي مقدمتها جماعات البعث والقاعدة وداعش، وكذا بعض الطائفيين الداخليين المشاركين في العملية السياسية، وأننا سندفع ثمن تحقيق هذا الإنجاز، خاصة بعد أن رفضنا الإملاءات الأمريكية المخلة بسيادة العراق والمضرة بمصالحه، ولا سيما المتعلقة بالملفات الإيرانية والروسية والسورية. وكان إطار هذا الإستهداف هي المؤامرة المضادة للحكومة العراقية التي نترأسها، والتي بدأت بساحات التمرد في المحافظات الغربية خلال العام 2013، ثم الاختراقات الأمنية والسياسية الأمريكية، والتحركات السعودية والتركية والقطرية الطائفية، وصولاً الى تعبئة تنظيم “داعش” وتمويله وإدخاله الى المحافظات الغربية في مطلع العام 2014. وهدف كل هذه المؤامرة معاقبتنا على إنجاز تحقيق السيادة واستقلال القرار العراقي، ومنعنا من تشكيل الحكومة الثالثة؛ رغم الفوز الساحق الذي حققناه في انتخابات العام 2014.

التعليقات مغلقة.