ديمقراطية الترضيات تلغي الحاجة لصناديق الاقتراع

إبراهيم الخليفة

 

قادت الولايات المتحدة عملية غزو واحتلال العراق عام 2003 ، وأسقاط النظام والمجيء بنظام حكم حسب المقاسات الغربية في ظاهرهِ نظام ديمقراطي، أما في جوهرهِ ، الحالة تختلف كليا من حيث المبدأ والأهداف المعلنة . كان أحد مبررات الغزو هو نشر الديمقراطية وتعزيز مفاهيم  وقيم حقوق الإنسان في هذا البلد الشرق أوسطي، وتطبيق ذلك على الواقع ، جرت أول عملية انتخابية لأنتخاب أعضاء الجمعية الوطنية  الانتقالية 2004 -2005  ، بعد أنتهاء دور مجلس الحكم  ،من بين مهام عدة كلفت بها، مهمة إعداد مشروع دستور للبلاد ،جرى الإستفتاء عليه بتاريخ 15 تشرين الأول/ أكتوبر 2005 . وتأسيسا على ذلك،  انعقدت اول انتخابات برلمانية بتاريخ 15  كانون الأول/ ديسمبر 2005، وكان الغرض منها إنتخاب (275 ) نائبا، وفي  20 كانون الثاني / يناير 2006، أعلنت المفوضية العليا للانتخابات أن قائمة الائتلاف العراقي الموحد  التي ضمت الأحزاب الشيعية الدينية مثل المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، وحزب الدعوة الإسلامية ، والتيار الصدري  بزعامة السيد مقتدى الصدر، قد حازت على (128 ) مقعدا من العدد الإجمالي لمقاعد مجلس النواب في حينه ، والبالغ عددها (275 ) مقعدا، وحلت قائمة التحالف الكردي  التي تشكلت من الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني بالمرتبة الثانية بحصوله على( 53) مقعدا، بينما حصلت جبهة التوافق على  (44) مقعدا وحلت بالمرتبة الثالثة .

بتاريخ 30  كانون الثاني /يناير 2006، عقدت اول جلسة للبرلمان الجديد،  وطبقا للدستور الوطني ،المادة 76)) يكلف رئيس الجمهورية  مرشح الكتلة النيابية الأكثر عددًا  بتشكيل مجلس الوزراء  خلال خمسة عشر يوما من إنتخاب رئيس الجمهورية، ويتولى رئيس الوزراء بتشكيل حكومته خلال 30)) يوما من تاريخ التكليف ،حيث تم إنتخاب إبراهيم الجعيفري عن حزب الدعوة( ضمن الائتلاف العراقي الموحد)، أول رئيس وزراء في العراق ،جاء بعملية إنتخابية، بعد الاحتلال ، وهو المنصب الذي ظل فيه إلى أن خلفه  نوري المالكي يوم 20 مايو/أيار 2006، من نفس الحزب ، حيث اقترنت هذه الانتخابات بالكثير من الانتهاكات مثل الإتهامات بالتزوير والتدخلات الأجنبية والتأخير في إعلان النتائج .والتخندق بسواتر الطائفية، والقومية والعشائرية ، وغير ذلك من الممارسات السلبية.

أما الدورة الثانية من الإنتخابات التشريعية، فقد عقدت  في السابع من آذار /مارس 2010  وتنافس فيها  قرابة (6281) مرشحاً بينهم (1813) امراة توزعوا على (12) ائتلافاً كبيراً و(167)  كياناً سياسياً  لاشغال( 325) مقعداً في البرلمان. أسفرت النتائج عن فوز جزئي للقائمة العراقية التي يقودها رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي، عندما حصلت على (91 ) مقعداً، مما جعلها أكبر القوائم في مجلس النواب.وحلت قائمة ائتلاف دولة القانون، بقيادة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، بالمركز الثاني ب (89) مقعداً، إلا أن  التفسير الخاطىء للمادة (76) من الدستور حسب اجتهاد القاضي مدحت المحمود  حولت الرابح خاسر والخاسر رابحا ، بحيث،مكنت  نوري المالكي من تشكيل الحكومة،  وبدعم من التيار الصدري ، وتم افتتاح اول جلسة للبرلمان المثير للجدل في (14 )حزيران/يونيو،واقترنت هذه الدورة  بسلسلة  من الاتهامات  المتبادلة بشأن تزوير الإنتخابات وعدم قانونيتها ، وحسمت التشكيك هذا مفوضية الإنتخابات  بعد إعادة فرز الأصوات بتاريخ  19نيسان/ أبريل 2010  بالإعلان عن عدم وجود حالات تزوير أو  تلاعب بنتائج الانتخابات تكون ذات تأثير حاسم  ،وبعد ثمانية أشهر من المفاوضات التي جرت وسط أجواء مضطربة، توصل المالكي إلى تشكيل حكومة ائتلافية تضمنت أعضاء من تكتل العراقية. ،  وكان من أبرز نقاط البرنامج الانتخابي للمالكي هي  التأكيد على تحقيق السيادة الوطنية ، تخفيض رواتب المسؤولين والنواب ، محاربة الفساد الأداري والمالي، الأهتمام بقطاع الكهرباء وصولا إلى كهرباء بدون انقطاع عام 2014 . إلا أن هذه الشعارات كانت عبارة عن برنامج انتخابي  لم يتحقق منها على أرض الواقع إلا الشيء القليل. والدليل ان تلك المسائل مازالت قائمة حتى اليوم.

جرت الدور’ الثالثة من الانتخابات التشريعية  بتاريخ (30) نيسان/ أبريل عام 2014، والتي ُتعد الاولى بعد انسحاب جيش الاحتلال الاميريكي، وحل ائتلاف دولة القانون برئاسة المالكي بالمرتبة الاولى بحصوله على(92 ) مقعدا  من اصل 328))  مقعدا، بينما حل التيار الصدري بالمرتبة الثانية بحصوله على 31) ) و حصل ائتلاف المواطن برئاسة عمار الحكيم على ((29 مقعدا نيابيا. و كغيرها من الانتخابات السابقة اثارت جدلا واسعا بين السياسيين حول الخروقات الانتخابية مثل التزوير والتدخلات الأجنبية فيها وإجراءات تعسفية منعت عدة الالاف من المواطنين  من الإدلاء باصواتهم، اما الذين صوتوا فقد جرى التلاعب بارادتهم ، وطالب ممثلي ستة محافظات، من الأحزاب، والكتل والشخصيات السياسية  في بيان لهم، الأمم المتحدة ومجلس الأمن والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية والهيئات الدولية للتدخل الفوري وفتح تحقيق دولي بشأن الخروقات في العملية الانتخابية متهمين  السلطات التنفيذية بتغيير نتائج الانتخابات لصالحها ،وان التزوير كان يتم لصالح ائتلاف دولة القانون. كان الشيء اللافت للنظر ومحل اهتمام المراقبين للشأن السياسي في البلد  إعلان المالكي  في برنامجه الإنتخابي في حينه أنه يسعى في المرحلة القادمة لتشكيل حكومة أغلبية سياسية ، تختلف عن الحكومات السابقة التي شكلت على أساس الشراكة والوحدة الوطنية، مبررا ذلك بأن الحكومات السابقة تعثرت بسبب تركيبتها.والحقيقة هذا هو المسار الديمقراطي، وقد بلغت نسبة الاقتراع في الانتخابات أكثر من (60%) بتاريخ  11 آب/أغسطس 2014 ،كلف رئيس الجمهورية فؤاد معصوم حيدر العبادي رئيسا للوزراء خلفا لنوري المالكي المثير للجدل مع أن إئتلاف المالكي هو من حصد أكثر المقاعد البرلمانية، وفي  8ايلول/ سبتمبر 2014، منح البرلمان الثقة لحكومتهِ اي قبل يومين من انتهاء المدة الدستوريه، وبهذا التكليف قطع الطريق أمام المالكي مع أن ائتلافه هو من جمع اعلى المقاعد البرلمانية، متهما في حينها فؤاد معصوم بالتآمر عليه وخرق الدستور،وتقدم بشكوى أمام المحكمة الاتحادية ليعود لاحقا بسحب هذه الشكوى.

عبد المهدي بدل العبادي

عقدت الدورة الرابعة من الانتخابات البرلمانية  بتاريخ 12  آيار/ مايو2018،  وهي الرابعة منذ غزو العراق، وتعد علامة فارغة كونها أول أنتخابات تعقد بعد أن استردت القوات الحكومية ما يقارب  ثلث مساحة البلاد التي استولى عليها داعش عام 2014. جاء تحالف “سائرون” الذي يجمع بين التيار الصدري والحزب الشيوعي وتكنوقراط مدنيين؛ في المرتبة الأولى بـ (54 ) مقعدا من أصل (329) ، وحصل أئتلاف الفتح على  (47)مقعدا  الذي يضم فصائل الحشد ، وحصل ائتلاف المالكي  على (26) مقعدأ، عقب كل انتخابات تواجه الكتلة الفائزة مشكلة جمع 165))  مقعدا من مجموع مقاعد البرلمان البالغة  (329)  ، وقد أتفقت كتلة البناء وكتلة الإصلاح، التي تضم الحكمة والنصر وسائرون على ترشيح عادل عبد المهدي ووفق مبدأ التوافق، وليس وفق مفهوم الكتلة الأكبر، كما ينص الدستور، وذلك لتجاوز مسألة الكتلة الأكبر،  وهكذا  تم قطع الطريق ايضا امام  رئيس الوزراء حيدر العبادي  الذي كان يطمح للفوز بدورة ثانية أمام منافسه رئيس الوزراء الاسبق نوري المالكي، والذي حُسب له( حيدر العبادي) تحرير مدينة الموصل ومناطق اخرى من سيطرة داعش، كما أنه أجهض الحركة الإنفصالية التي قام بها الأكراد في 16  تشرين الأول /أكتوبر2018، وكان من بين امور عدة تضمن البرنامج الإنتخابي للعبادي لغرض الفوز بدورة ثانية مكافحة الفساد وإيقاف الهدر في المال العام ، لكنه فشل في تحسين الأقتصاد والقضاء على البطالة والفساد  وكان البرلمان أعلن في وقت سابق فوز برهم صالح مرشح الاتحاد الوطني الكردستاني برئاسة العراق بعد أن حصل على (219) صوتا. وبدوره كلف عادل عبد المهدي بمنصب رئيس مجلس الوزراء في  2))، تشرين الاول/ أكتوبر 2018 لتشكيل الحكومة خلال مدة  (30) يوماً من تاريخ الانتخابات، وقد صوت مجلس النواب في الرابع والعشرين من الشهر نفسه على المنهاج الوزاري لعادل عبد المهدي .

واتصفت هذه الجولة من الانتخابات بعدة ملاحظات  يمكن أن نورد منها  تدني نسبة المشاركة (44%)، حيث جاءت هذه النسبة المتدنية  من المشاركين في التصويت بعد دعوات اطلقها ناشطون لمقاطعة الانتخابات ،والتي تعكس عدم رضاء المواطنين عن اداء الحكومة، وطالب  العديد من الكيانات السياسية بالغاء نتائج الاتخابات للتبريرات التالية «نظراً لعزوف الشعب العراقي الكريم عن المشاركة في الانتخابات بشكل واسع، وانتشار أعمال العنف والتزوير والتضليل وشراء الأصوات واستغلال ظروف النازحين والمهجرين، بالإضافة إلى ضبابية الإجراءات التي اتخذتها مفوضية الإنتخابات في التصويت الإلكتروني مقارنة بالانتخابات السابقة  ،جاءت هذه الانتخابات والاختلافات المذهبية والطائفية لازالت قائمة وسط تنامي نفوذ كل من إيران واميريكا  في الشأن المحلي، وبعد تصاعد الضغط الشعبي الناتج من التظاهرات المستمرة منذ 1 اكتوبر/ تشرين الاول 2019، واستجابةً لدعوة المرجعية الدينية في النجف ، وبعد مقتل أكثر من (600) متظاهرا واضعاف هذا العدد من الجرحى والمغيبين ، تقدم عادل عبد المهدي بطلب إلى مجلس النواب بكتاب الاستقالة من رئاسة الحكومة. التي صادق عليها  في اجتماعه الذي عُقد في 1كانون الثاني/ يناير 2019. وبعد أن  ظلت البلاد  لأكثر من خمسة أشهر دون حكومة في أعقاب استقالة حكومة رئيس الوزراء السابق، عادل عبد المهدي.

الكاظمي يكمل ما بدأه عبد المهدي

تولى مصطفى الكاظمي رئاسة الوزراء / والذي عُد في حينها بأنه مرشح التيار الصدري وبرضاء الكتل السياسية الرئيسية، بعد أن فشل كل من محمد علاوي وعدنان الزرفي لشغل هذا المنصب ، ادى اليمين الدستورية يوم الخميس 7 آيار/مايو 2020 ، وتقدم بكابينه حكومية  وبرنامج حكومي تضمن نقاط عدة من أهمها اجراء انتخابات برلمانية استثنائية، بعد أستكمال قانون الانتخابات الجديد وحدد لها يوم العاشر من تشرين الاول /أكتوبر 2021،حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية الحكومية،اطلاق حوار وطني  مع الشعب والاصغاء لمطالب حركة الاحتجاج، ومكافحة الفساد وحماية ثروة البلاد، استقلالية القضاء وتحقيق العدالة، معالجة التحديات المالية والاقتصادية  مستقبل الوجود العسكري الغربي في البلاد  وغيرها،  لكن غالبا ماأتهم الكاظمي بالتقصير والاخفاق في تنفيذ برنامجه الحكومي، ما عدا  فقرة اجراء الانتخابات البرلمانية الخامسة وهي اول انتخابات بعد احتجاجات تشرين التي انطلقت في تشرين الاول 2019 ، والتي  اطلق  عليها حكومة حل الازمات.

بتاريخ العاشر من تشرين الاول/ أكتوبر عقدت الدورة الخامسة من الانتخابات البرلمانية  وكانت انتخابات استثنائية في توقيته، ومفاجأة في نتائجها غير المتوقعة للكتل السياسية الحاكمة التي أعتادت أن تجني العدد الأكبر من المقاعد البرلمانية في الانتخابات السابقة ، لكن هذه الجولة افرزت  فوز الكتلة الصدرية  بواقع73) )مقعدا  من مجموع مقاعد البرلمان  البالغ عددها ( (329 ، وقد وصف السيد الصدر هذا الفوز بأنه “نصر للإصلاح… وضد الفساد والتطبيع” ،وجاء في المرتبة الثانية الاتحاد الديمقراطي الكردستاني ب(53) مقعدا ، تلاه كتلة تقدم التي يرأسها محمد الحلبوسي ب(37)، مقعدا ، ثم  جاءت دولة القانون بالتسلسل الرابع  بالحصول على ) 33 ) مقعدا مقابل ( (24  في الدورة  السابقة مما شكل صدمة لها بالاتجاه الايجابي،  ثم تلا ذلك الكتل الساسية الاخرى . كمبدأ عام وحسب ماورد في المادة (76) من الدستور حاول التيار الصدري تشكيل حكومة باعتباره المحق في جمع اكبر عدد من الاصوات البرلمانية(73)،وحزب تقدم الفائز الثاني  و الديمقراطي الكردستاني  الثالث، تحت عنوان تشكيل حكومة اغلبية سياسية من خلال مشروع اصلاحي عابر للطائفية  ، ومحاسبة الفاسدين حيث تكون مختلفة عن الاليات المعتاد عليها التي يتم من خلالها تشكيل الحكومات السابقة والتي فشلت في ادارة شؤون البلاد، وبضوء هذه النتائج  ، تم طرح شعار حكومة أغلبية وطنية وبالتحالف مع الفائزين من الاكراد والعرب السنة، اختلف الأمر إن كان على مستوى الشيعة (عبر الأغلبية الكبيرة التي يمثلها الصدر) وعلى مستوى العرب السنة (عبر أغلبية واضحة يمثلها الحلبوسي) والكرد (عبر الأغلبية الواضحة التي يمثلها بارزاني). هذه الأغلبيات وجدت ولأول مرة بعد عام 2003 وقد وجدت الفرصة سانحة لكي تفرض جزءاً من خياراتها عبر إصرارالسيد الصدر على تشكيل حكومة أغلبية وطنية”.

استبدال حكومة الاغلبية بحكومة التوافقات

رفضت الكتل الساسية الخاسرة في الإنتخابات فكرة حكومة الاغلبية الوطنية واعتبرت تحالف السيد الصدر مع البرزاني والحلبوسي بانه تآمر على استحقاقات المكون الأكبر  وشق صفوفه وبمساندة بعض الدول الاقليمية والمحتل، وان هذا يعد الخطوة الاولى نحو سحب البساط من الكتلة الشيعية وحل الحشد الشعبي  والسير نحو التطبيع، وكأن التيار الصدري وجماهيره هم ليس  من اتباع المرجعية الدينية الشيعية.  ، نظرا لأن  هذه القوة الخاسرة والتي عرفت لاحقا بقوى الاطار لاتستوعب فكرة أنها خسرة في الانتخابات كونها بقت مهيمنة على القرار السياسي والاقتصادي منذ عام 2003، والشيء المثير للاستغراب ويتطلب اكثر من أجابة هو أن السيد نوري المالكي وهو الذراع  الفاعل  في قوى الإطارولديه (34) نائبا كان طرح في إنتخابات عام 2014 شعار حكومة الاغلبية.. وهذا حق مشروع من وجهة نظرنا ، لكن تبني الفكرة الان  ربما يؤدي إلى التهميش وخسران  النفوذ ،الامتيازات المادية والسياسية ،هذه الحقيقة لايمكن لقوى الاطار أستيعابها ، ويمكن أن نستشهد هنا بتصريحات للسيد همام حمودي ، احد اقطاب الاطار يرفض فيها فكرة مشروع الأغلبية  من خلال” قوله  لن نسمح أن يتسلط على العراق حزب او اي قوة … ان أرادة الشعب ستبقى حرة ولن يسمح لاحد سواء كان حزب او قوة عسكرية او محتلة أن تتسلط على الشعب العراقي مهما كانت هذه القوة …. لايمكن اقامة نظام  بأرادة شخص واحد او مجموعة او حزب وأنما يجب ان نجلس جميعا ونبحث في قضايانا ونضع الحلول لمشاكلنا ….وردا على سؤال حول حكومة الاغلبية السياسية وحكومة الترضيات قال ان حكومة الترضيات ادت إلى فشل اداري وفشل اقتصادي ” يفهم من هذا الكلام الموجه للتيار الصدري وحلفاءه الداعين إلى تشكيل حكومة أغلبية  مع أقراره  أن حكومة الترضيات  فشلت في تقديم الخدمات للمواطنين وانتشال البلاد من الوضع المآساوي الذي تبحر فيه، اذن لماذا الأصرار عليها الان؟.  إلا أن فشل  الكتله الخاسرة بالحصول على ثلثي مقاعد البرلمان في المراحل الاولى لتمكنهم من تشكيل الحكومة وفق تفسير مدحت المحمود للمادة(76 ) من الدستور، قادهم إلى أعتماد مبدأ جديد هو مبدأ الثلث المعطل ،والذي أغلق الباب امام كل محاولات التيار الصدري وحلفائه من تشكيل حكومة الاغلبية الوطنية التي ينشدها التيار..اما موقف الاحزاب الخاسرة بدلا من الايمان بفكرة الديمقراطية و بالتداول السلمي للسلطة وان تجري مراجعة لموقفها من الانتخابات ونتائجها ومراجعة خطابها السياسي وتشخيص الاخطاء ومعالجتها واتخاذ موقف المعارضة  السياسية الايجابي في البرلمان عملت على تعطيل فكرة تشكيل حكومة الاغلبية والدعوة لتشكيل حكومة توافقية او حكومة مكونات .

الانسحاب بدل المواجهة

وبعد ان وجد السيد الصدر نفسه في موقف  محرج امام تعنت الاطار في مواقفه والتاكيد على تمسكه بترشيح رئيس تيار الفراتين محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء ،وهو  عضو سابق في حزب الدعوة ، أتخذ قرار مساء الأربعاء 15 حزيران /يونيو2022، غير محسوب النتائج على المستوى الآني والبعيد والمتمثل بالانسحاب من العملية السياسية في البلاد،. حتى لا يشترك مع الساسة “الفاسدين ” وفق البيان الصادر عن مكتبه  وسحب ممثليه في البرلمان البالغ عددهم (73 ) نائبا ،  وسبقت هذه الاستقالة اقتحام مجموعة من أتباع التيار بتاريخ 30 تموز/يوليو مبنى البرلمان  في ثاني اقتحام خلال أربعة أيام بعدما اقتحموه أول مرة مساء يوم الاربعاء 27 تموز/ يوليو والقيام بأعتصام مفتوح فيه  تلا ذلك احاطة  مبنى المحكمة الاتحادية احتجاجا على جلسة محتملة للبرلمان لانتخاب رئيس جديد للبلاد وتسمية مرشح لمنصب رئيس الوزراء،وأعلنت وزارة الصحة العراقية في حينه إصابة (125) شخصا بينهم (25 )عسكريا، بينما اشارة وكالة رويتر إلى مقتل مالايقل عن (15) من  انصار التيار ، نتيجة المناوشات بين المحتجين والقوة المتواجدة في المنطقة ، يقابل ذلك حشد الإطار أنصاره للتظاهر خارج المنطقة الخضراء قرب الجسر المعلق   تاييد “للشرعية  وهيبة الدولة” ، حسب ادعاء القائمين على هذه الفعالية، فيما دعا رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي في حينه القوات الحكومية إلى حماية المتظاهرين،، وبهذا يكون السيد الصدر اوجد فرصة ذهبية للاطار وحلفاءه من تشكيل حكومة اغلبية برلمانية ، تتمكن في تمرير اي قرار يخدم مصالحهم ويضمن السيطرة المستقبليه على المشهد السياسي والامني ، وكان السيد الصدر وجَّه  مساء يوم  الأحد (12 ) حزيران/ يونيو، رسالة مفتوحة إلى رئيس كتلة “سائرون”، حسن العذاري، قال فيها إنه “على رئيس الكتلة الصدرية أن يقدم إستقالات الأخوات والإخوة في الكتلة الصدرية إلى رئيس مجلس النواب”.. وفي (13) تشرين الاول/ اكتوبر كلف رئيس الجمهورية  عبد اللطيف  جمال رشسد مرشح الاطار التنسيقي محمد شياع السوداني  بتشكيل الحكومة الجديدة، بعد ان بقت البلاد لاكثر من عام دون حكومة  كاملة الصلاحيات، عندما  نجح الاطار في اقناع حلفاء السيد الصدر من تحالف السيادة والاتحاد الديمقراطي الكردستاني وتحالف تقدم في الانظمام اليه، فالحلبوسي، ومسعود البارزاني للذان كانا يدانان بأشد العبارات التخوينه، نظرة الاطار لهما الآن تغيرت كليا ، فالحلبوسي أصبح الآن رجل المرحلة ، بأعادة إنتخابه او التجديد له لرئاسة البرلمان من جانب ممثلي قوى الاطار ، بعدما اعلن التخلي عن التحالف مع التيار .

نجد  هنا كيف ان المصالح الذاتية او الشخصية تتغلب على المصلحة الوطنية، من خلال تقديم الاطار التنسيقي التنازلات للجانب الكردي مثلا أحياء تطبيق المادة (140) من الدستور مع ان مفعولها دستوريا قد أنتهى حسب وجهات نظر البعض ، من خلال التعويضات اما الآن يراد تطبيقه على الجغرافية واعادة البيشمركة للمناطق المتنازع عليها وارجاع الادارة الكردية لكركوك، واقرار قانون النفط والغاز وكذلك للجانب السني من خلال الموافقة على انسحاب وحدات الحشد من المدن المحررة وارجاع النازحين إلى ديارهم وأنهاء ملف المغيبين، او المفقودين  وايداع  ملف المساءلة والعدالة إلى القضاء  و المشاركة السياسية في قرارات ادارة الدولة،  وهنا ظهر مصطلح تحالف ” ادارة الدولة ” ويبدو ان هذه التحالفات بدأت تواجه مشكلة عدم الايفاء بها  عندما اشارت تقارير ان رئيس الوزراء تحرك باتجاه تحويل ملف المساءلة والعدالة إلى القضاء  رفضت الهيأة على لسان الناطق بأسمها هذه الفكرة تحت مبررات عديدة،وكذلك فيما يتعلق بملف عودة النازحين وملف المغيبين، التي عبر هنا رئيس البرلمان في تصريحات صحفيه اعلنت مؤخراً. أن هذه التنازلات التي قدمها الإطار تشبه إلى حد ما التنازلات التي قدمتها القوى الشيعية للاكراد عام ،2010 ، اذن هذه فرصة لتقاسم المكاسب السياسية والاقتصاديه  وليس حكومة خدمات كما يشاع وبهذا يتم استدال الستاره عن آخر امل بتشكيل حكومة اغلبية  ولدت من رحم صنادقيق الاقتراع وليس  اغلبية تحالفات  كتل سياسية  لم تفز بالانتخابات…..

نظرة استذكارية للانتخابات والبرامج المقدمة

أن المتابع لتاريخ الإنتخابات والبرامج المقدمة من قبل الأحزاب والكتل السياسية والنتائج المتمخضة عن تلك االانتخابات سواء الخاسر أو الفائز يضع يديه على جملة من الحقائق والاشكالية السياسية المتزامنة معها ، نبدأ اولا ..في كل جولة من الإنتخابات  يسبقها أعتماد نظام إنتخابي جديد  وآليات للعد والفرزجديدة، اذ يفترض وجود قانون ثابت للانتخابات البرلمانية ،القانون يتم اعتماده، وفق مصلحة الكتلة السياسية وليس وفق مصلحة الشعب . التكرار في الشعارات ،في كل جولة انتخابية  تسود هذه  العبارات  .. اجراء إنتخابات حرة ، نزيهة وشفافة، بينما الواقع عكس ذلك ويمكن الاستدلال على ذلك من كثرة الأعتراضات على النتائج والاتهامات  المتبادلة بالتزوير. إما فيما يتعلق بالبرامج الانتخابية للافراد او الكتل السياسية، نجد أن ملف الخدمات يتصدر اولويات هذه البرامج ، كذلك ملفات الطاقة وفرص العمل من خلال تشغيل العاطلين عبرمشاريع واستثمارات جديدة، يضاف إلى ذلك ،تفعيل الرعاية الاجتماعية، وتعزيز مفردات البطاقة التموينية وزيارات ميدانية يقوم بها المرشحون لقواعدهم الجماهيرية ، ومن الظواهر التي تطغي على المشهد وتتكر قبل كل عملية انتخابية .. تفعيل المال السياسي والسلاح المنلفت وارتفاع وترالخوف من نتائج الانتخابات المزوره، تنامي الترويج للمعلومات المضللة والشائعات المدفوعة الثمن والاستهداف السياسي لبعض المرشحين،ارتفاع  الاتهامات بالعمالة والتخوين بين المرشحين وارتباطاتهم الخارجية ، وارتفاع بورصة شراء الاصوات والضغط على المستقلين ، حيث يتم صرف في كل جولة انتخابية أموال طائلة لا يعرف من هي الجهة الممولة لها داخليا ام خارجيا، ، اما على المستوى السياسي  نلاحظ أشتداد نبرة الخطاب الإعلامي الطائفي التحريضي والاقصائي، وكذلك الخطاب الديني المتطرف، يسبق ذلك، عقد تحالفات او تكتلات  ذات صفة طائفية،  ما عدا إنتخابات عام2018، التي وجدت فيها تحالفات عابرة للطائفية إلى حد ما .وبعد إعلان النتائج تتجدد الإتهامات بين الاحزاب المتنافسة بصدد النتائج من خلال الحقائق التالية.. تتعالى الاصوات بوجود تزويرفي الإنتخابات، وسرقة لاصوات الناخبين ،وجود تدخلات اجنبية في الشأن الانتخابي الوطني، حرمان العديد من المناطق من الادلاء بأصواتهم، افتعال بعض الحوادث، تكرار عمليات العد والفرز، ومن هنا تبدأ جولة المساومات والتنازلات من أجل تحقيق مصالح حزبية او شخصية، وليس لصالح الوطن او المواطن . يقترن بهذه الحقائق ظاهرة مهمة هو تدني او عزوف أغلب السكان المدلين بأصواتهم الإنتخابية لقناعتهم  بعقم العملية  ووفق الآلية التي يجري بها تشكيل الحكومة، وعدم  وجود ايً أمل في أنتشال البلد من الوضع الذي يعيشه، يلي ذلك مرحلة آخرى وهي مارثون تشكيل الحكومة  الجديدة  المتولدة ولادة قيصرية وليس طبيعية،كما يفترض ان تكون  ، الذي يستمر من شهر إلى اكثر من عام ،كما هو الحال مع حكومة  رئيس  الوزراء الحالي محمد شياع  السوداني، ولم بؤشر ايً حكومة من الحكومات التي حكمت البلاد شكلت ضمن الأطر الدستورية..  وفي المحصلة النهائية يتفاجىء  المواطن بالتناقض بين ما يطرح من شعارات وما موجود على أرض الواقع..

ولابد من الاشارة هنا ، يقترن تشكيل كل حكومة  بالشعارات المتموجة والتي تخاطب الجمهورعبر رسائل اقناع ،تلامس أحتياجاته عبر مصطلحات سياسية واعده  مثل حكومة توافقية حكومة شراكة ووحدة وطنية حكومة خدمات، حكومة كاملة الصلاحيات، حكومة حل الازمات ، حكومة انجازات، لا تهميش ولا إقصاء للاخرين ، حكومة قوية ومتوازنة،  حكومة أعمار والتاكيد هنا على المناطق المحررة من داعش ، لكن عندما يتم مقارنة مع ما يطرح من شعارات  وما تم انجازه او تحقيقه نجد أن نسبة الانجاز هامشية  غير مرضية فالبنى التحتية محطمة في مجال التعليم والصحة  والخدمات ، الكهرباء واعادة الاعمار مما يخلق حالة استياء وامتعاض من التناقض ما بين مايطرح من شعارات ومستوى التنفيذ، بل يرافق ذلك الحديث عن صفقات فساد واثراء غير مشروعة على حساب المصلحة العامة، ولهذا كان سبب العجز في الاداء الحكومي في موجة من الاحتجاجات والتظاهرات المطالبة بتحسين الاوضاع الخدمية والمعيشية للمواطن، وما رفع من شعارات في مرحلة تشكيل الحكومات السابقه يعاد الآن ولكن بقوالب خبريه مختلفة مع نفس المحتوى الاكثار من التصريحات الإعلامية والتنفيذ القليل ، واخيرا الشعارت التي  وظفها الاطاروحلفائه، لحشد التاييد لحكومة  السوداني .

حكومة الترضيات تهزم حكومة الأغلبية

هنا لابد من التاكيد ان الدافع الاساسي من نظام الحكم الديمقراطي في كل الانظمة التداول السلمي للسلطة والقبول بالنتائج التي تظهرها صناديق الاقتراع اي ان الفائز في الانتخابات سواء كان حزب واحد او احزاب مؤتلفة هو الذي يتكلف بتشكيل الحكومة وبموافقة الجميع ، دون تبني سياسة لي الاذرع ، إلا في العراق فالامور تسير بالعكس الفاشل في الإنتخابات هو من  يقوم بتشكيل الحكومة سواء بالاكراه او بعقد تحالفات تجمعها المصالح الطائفية او القومية، وهذا معتمد  منذ تشكيل حكومة إبراهيم الجعفري و سببه برأي البعض عائد للتفسير الخاطيء للمادة (76 )  من الدستور حسب وجهة نظر القاضي مدحت المحمود،  وأعتبر بمثابة عرف يتم العمل به .

والسؤال  هو لماذا  يتم إجراء إنتخابات وما يترافق مع ذلك من تسويق إعلامي للتبشيربهذا المنجز الحضاري أو مايطلق عليه البعض العرس الإنتخابي دون العمل بنتائجها، ما هي  إلا عملية خداع للرأي العام المحلي والدولي ( المتمثل بمشاركة مراقبين دوليين) بأن في العراق عملية  إنتخابية ديمقراطية تتيح للشعب أختيار ممثليه البرلمانيين بكل شفافية ، ثم يصار إلى إنتخاب حكومة ممثلة للاغلبية البرلمانية  لديها كامل الصلاحيات وبعيدة عن الضغوط للقيام بمهام عملها لسبب بسيط هو أنه في كل الدورات الإنتخابية من يشكل الحكومة الخاسر في الإنتخابات وليس من جمع أكثر الاصوات عبر صناديق الإقتراع،ليصار في النهاية  لتشكيل حكومة  الترضيات اوالتوافقيات بدلا عن  حكومة الاغلبية الوطنية،  والتي فشلت في القيام بواجبها في تقديم الخدمات للمجتمع على كافة المستويات وبأقرار واعتراف السياسيين انفسهم  ، ومع هذا يصرون عاى اعتماد هذا المفهوم . وهنا يبرز  التساؤول لماذا لايصار إلى الغاء هذه الإنتخابات مادام  لم تحترم فيها ارادة الناخب  والاستعاضة عن هذه العملية بمجلس من أهل الحل والعقد يتكون من رؤساء الكتل السياسية، قادة الاحزاب ، ومنظمات المجتمع المدنية (N G O )،بصفة مراقبين وممثلين عن سلطة القضاء، وان يتم التوافق بينهم)مادام معيار التوافق أو الترضيات هو سمة الحكم في البلد) بأختيار رئيس الجمهورية ورئيس وزراء ووفق ما تقتضي المصالح  الحزبية والشخصية ولمدة محدده لأدارة شؤون البلد، وتعاد هذه العملية بالتوافق دون أن تكلف هذه الفعالية إلا شيء رمزي مقارنة  بما كلفته العملية الإنتخابية  للميزانية  الفدرالية عام 2018 والمقدر ب( 224.6) مليون دولار،نظراً.لان حكم الأغلبية المنتخبه بات رعب يهدد مصالح الآخرين، أنه مجرد رأي يستحق التوقف عنده و التأمل فيه  !  وتبقى الديمقراطية حق مشروع من حقوق الإنسان الحضارية….

 

 

 

 

 

اقرأ المزيد

التعليقات مغلقة.