دور الإعلام في الحد من ظاهرة العنف الاسري

د.خماس لعيبي

لقد أصبح العالم بأسره في وقتنا الحالي في حاجة ماسة لوسائل الإعلام، لما لها من أهمیة كبیرة في حیاة المجتمع بشكل عام وحیاة الفرد خاصة، وهذا إن دل على شيء فهو حتما یدل على الدور الكبیر لها كونها ركیزة أساسیة تحرك دورة الحیاة الاجتماعیة، لما تسمح به من تبادلات معلوماتیة واتصالیة جعلت من العالم قریة صغیرة مترامیة الحدود إذ أنها المساهم الأبرز في بناء وتنشئة المجتمعات ورسم ملامحها المستقبلیة فلا یختلف اثنان على أن الهدف الأسمى الذي تصبو إلیه وسائل الإعلام هو الرقي بالمستوى الثقافي والاجتماعي والسیاسي والاقتصادي  للأفراد، وذلك من خلال احتكاكهم وارتباطهم بوسائل الاعلام فهي بذلك تعد الوسیط الدائم في ظل هذه التبادلات المعلوماتیة والإعلامیة.

وتنوع وسائل الاعلام في عصرنا الحالي ما هو إلا دلیل على تباین واختلاف خصائصها ومميزاتها من جهة وتأثیرها على الجمهور من جهة أخرى وقدرتها على إیصال المادة الإعلامیة بالشكل المرغوب و فعالیة تضفي علیها قدرا من الدقة والواقعیة، حیث انقسمت هذه الأخیرة بین وسائل مكتوبة وأخرى مسموعة وسمعیة بصریة، بحیث تمتاز كل واحدة على حدى بامتیازات تخصها عن غیرها، سواء كان ذلك من حیث شكلها الذي تظهر به للجمهور أو من خلال ما تعتمد علیه في طرح موادها الإعلامیة، كما تتعدد الطرق المعتمدة للتأثیر على الجماهیر من وسیلة لأخرى كل حسب ما تمتاز به كل وسیلة فمنها ما یمتاز بسهولة تأثیره ووصوله إلى المتلقي عن طریق الصوت والصورة معا وأخرى عن طریق الصوت وحده فیما تكتفي أخرى بالاعتماد على حاسة البصر فقط، فكل منها له طرقه وأسالیبه التي یفرد بها عن غیره.

ونظرا لقیمة ومدى فعالیة وسائل الإعلام على اختلاف أنواعها في المجتمع، نجد أنه من الجلي الوقوف والإشارة إلى جوهر ما تقدمه وسائل الإعلام وتولیه عنایة في المجتمع، فإلى جانب أنها تعمل على تنشئة المجتمعات من خلال النهوض بمستقبل أفرادها وتنمیة قد ارتهم وخلق الانسجام والتماسك الاجتماعي، إلا أنها لا تتوان في تسلیط الضوء على العدید من القضایا الهامة والحساسة في المجتمع كون هذه الأخیرة من شأنها عرقلة كل ما یصبو إلیه المجتمع ویعد العنف أحد القضایا الخطیرة التي استفحلت في المجتمع وخلفت من الأضرار كل ما یستدعي ویشجع وسائل الاعلام على الوقوف عندها ودراستها ومحاولة إیجاد حلول لها، فالعنف الذي یعد السلوك اللاعقلاني واللاإنساني هو مشكلة لم تسلم منه حتى أكبر المجتمعات المتقدمة، مما جعل من الأمر یستدعي ضرورة إیجاد حلول وتفسیرات صریحة نتیجة استفحالها وانتشارها بهذه السرعة ودون استثناء  یرجع ذلك إلى جملة من الأسباب التي تدفع بها للتزاید والتفاقم كفقدان السیطرة على الأعصاب والمشاعرلدى الابوين بالإضافة إلى الاعتقاد أن ممارسة العنف هو حل جذري للمشاكل أو وسیلة لكسب الاحترام من الآخرین في محاولة فرض الهیبة دون أن نهمل أو ننسى أن المشاكل الاجتماعیة كالبطالة والآفات الاجتماعیة والضغوطات النفسیة، إضافة إلى المشاكل العائلیة وتأثیرها على الأ فراد كل هذه الأسباب تؤثر وتمثل أحد أهم أسباب قیام العنف وتفشیه في المجتمع فهو بذلك سلوك عدواني ولا إنساني منبوذ في المجتمع، لما یتركه ویخلفه من آثار سلبیة على كل متضرر منه سواء جسدیا أو نفسیا ، ومن المعروف أن للعنف أنواع متعددة كالعنف الجسدي والعنف اللفظي، والعنف المدرسي والعنف الأسري وغیر ذلك. والعنف الأسري هو أشهر وأخطر أنواع العنف على الإطلاق، وهو بدوره یشمل أشكالا عدیدة، فمنه من یمارس ضد المرأة وآخر على   الطفل . لذا فأن الاعلام  في سعي دائم إلى الإحاطة بالقضیة ومحاولة بلورتها للكشف عن أسبابها ودوافعها وآثارها الآنیة والمستقبلیة على الأسرة بشكل خاص والمجتمع بشكل عام ومحاولة الوصول إلى حلول تحد منها وبالتالي فوسائل الإعلام تعنى بمعالجة  هذا النوع من القضایا بحكم أنها واسعة المجالات ومتنوعة الجماهیر وعالیة التأثیر على الوظیفة الأولى للإعلام هي دفع ومساعدة الناس على الاستنباط وقرارات سلیمة من خلال المعلومات التي تقدمها وسائل الإعلام والوصول إلى ارآء  .

ماذا تقدم وسائل الإعلام؟

حسب مقال لأحد العاملين في مجال الاعلام حول تأثير الإعلام على الرأي العام للحد من ظاهرة العنف المجتمعي، أكد فيه أن بعض البحوث أثبتت وجود علاقة وثيقة بين السلوك العدواني والتعرض لهذه المضامين ويمكن إيجاز أهم الآثار التي تتركها مشاهدة العنف على النحو التالي:

1-رفع حدة الآثار النفسية والعاطفية عند الفرد مما قد يقود إلى ارتكاب سلوك عنيف تجاه الآخرين، ويتوقف سلوك الفرد العنيف (أي استجابته للمشاهدة) على مدى إحساسه وشعوره بالإحباط والضيق والتوتر.

2-تعزيز السلوك القائم بالفعل داخل الفرد، حيث تعمل المشاهدة للعنف أو قراءتها على تعزيز وتدعيم السلوك الموجود أصلا عند المشاهد، وذلك لأن الشخص العنيف يسبب دوافع العنف داخله، ويرى السلوك العنيف المتلفز على أنه تجربة حقيقية.

3-التعلم والتقاليد: من المعروف أن إحدى طرق تعلم الإنسان هي التقليد والمحاكاة، من هنا تأتي خطورة عرض أفلام العنف لأن البعض قد يقلدها على غرارها.

فإن الكثير من البرامج التي تقدمها وسائل الإعلام العربية وخاصة الفضائيات، هي برامج مستوردة من أمريكا وغير أمريكا (مسلسلات، أفلام وبرامج متنوعة تدور حول ممارسة العنف ضد الشخصية المعنفة).

ما دور وسائل الإعلام؟

تنال مختلف وسائل الإعلام المكتوبة والسمعية والبصرية وحتى الإلكترونية على معظم اهتماماتنا، وتكاد تحاصر تلك الاهتمامات زمانيا ومكانيا، حيث تقدم إلينا هذه الوسائل مضامين مختلفة ومتنوعة مفيدة أحيانا وغير مفيدة أحيانا أخرى، ومن بين المضامين الضارة التي تعرضها وسائل الإعلام العنف بكل أشكاله ومظاهره، الشيء الذي يحتم علينا دراسة هذه الوظيفة التي تقدمها وسائل الإعلام، وفي نفس الوقت دراسة الدور الذي على عاتقها، الذي ينعكس في الجهود الإجرائية من جهة (دراسة المضامين الإعلامية قبل عرضها) والتوعوية من جهة أخرى (محاربة مظاهر العنف المجتمعي)، وللقيام بهذا الدور وحسب ما ذكرته الباحثة بيطار في مقالها حول العنف في وسائل الإعلام، وجب الوقوف أمام فرضيتين أساسيتين هما:

1-الفرضية الأولى: وهي فرضية الاتجاه السلبي، تدعي هذه النظرية بأن وسائل الإعلام تساهم في انتشار العنف، وذلك من خلال المضامين التي تضعها في متناول الجمهور من خلال التلفزيون والصحف والمجلات والفيديو والأفلام السينمائية، لذا يطالب أصحاب هذه الفرضية برقابة مشددة على المحتويات الإعلامية العنيفة كالإساءة للمرأة أو الطفل أو كبير السن أو أي فرد من أفراد الأسرة، كما أنهم يرون أن التخطيط البرامجي الهادف مع الرقابة قادران على تحويل وسائل الاتصال إلى أدوات فعالة لمواجهة العنف الأسري ومعالجته.

2-الفرضية الثانية، وهي فرضية الاتجاه النشط أو المشارك، فيتعدى تصورها نطاق الرقابة والبرمجة البناءة، ليصل إلى حد مساهمة وسائل الإعلام ومشاركتها المباشرة والصريحة في التصدي لمشكلة العنف الأسري، وذلك من خلال جهود توعوية مدروسة ومتكاملة يتم تنفيذها في إطار سياسة وطنية، وهذا يعني أن وسائل الإعلام يمكن استغلالها عن طريق الحملات الإعلامية، التي تسعى إلى استبدال المعلومات الخاطئة حول مفهوم العنف ومخاطره وآثاره على الأسرة والمجتمع، بمعلومات حقيقية ودقيقة وذلك باستخدام وسائل إعلامية مخصصة لهذه الغاية.

إذن فلا يشكل الإعلام “جزيرة معزولة” عن محيطها، وبالتالي لا يمكن له رغم حيوية دوره أن يعمل منفرداً، ولهذا لابد من وجود خطط حكومية متكاملة يكون الإعلام جزءاً منها، خطط واضحة الرؤية والأهداف، تصمم لها الاستراتيجيات اللازمة، وتعمل وفق آلية تحقق توحيد وانسجام الخطاب الإعلامي مع هذه الخطط من ناحية، ومع جميع المواد التي ينتجها ويبثها، إضافة إلى وجوب إعادة النظر في المدة البرامجية للتوعية المقدمة في هذا المجال، بحيث تتمتع بالقدرة على الوصول إلى الناس جميعاً وبأقصى درجات الجودة، فجودة ما يقدم هي المعيار الأساسي، لأن الرداءة تسيء إلى كل القيم والمعايير، كذلك اعتماد المادة البرامجية التفاعلية التي تتيح للناس التواصل والسؤال، والتعبير عن الرأي واكتساب المعرفة الحقوقية والقانونية في كيفية معالجة العنف الاسري.

ومن خلال ما ورد سابقا حول تحديد مفهوم العنف الأسري واهم اسبابه فإننا نوصي بالآتي لمعالجة ظاهرة العنف الأسري :

1-  الدور الأساسي و المؤثر في الأنشطة الإعلامية وعلى مختلف انواعها .

2-  ضرورة قيام المحطات الفضائية بتخصيص جزء من برامجها  التلفزيونية في إقامة ندوات لمناقشة ظاهرة العنف الأسري ومعالجته.

3-  تضمين برامج التلفزيون بعض الأنشطة التربوية الخاصة بالأطفال وكيفية توجيه أنشطتهم السلوكية.

4- ضرورة قيام الشرطة المجتمعية بزيارات ميدانية للأسر التي يسود فيها العنف الأسري وكيفية معالجتة .

5- توظيف اختصاصين في علم النفس وعلم الاجتماع في أنشطة الشرطة المجتمعية.

6- مساهمة وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في تشخيص ومعالجة ظاهرة العنف الأسري .

7- زيادة مدخلات الأسرة المشمولة بالاعانة الاجتماعية لزيادة مدخلات الأسرة لسد احتياجاتها المادية.

التعليقات مغلقة.