دلالات مغايرة لفاجعة بيروت

نزار عبد الغفار السامرائي

لم يستطع الانسان ان يتعايش مع الآخرين من جنسه، فرغبة التملك والسيطرة تستحوذ على فكره، وحتى يحقق ذلك لجأ الى القوة ، ثم الاقتصاد، ولما وصل الى الموجة الثالثة راح يستغل رصيده المعرفي والمعلوماتي لتسخير التكنلوجيا الفائقة في خدمة مصالحه.

وحتى يمتلك الانسان القوة راح يستنزف الطبيعة بحثا عن الموارد فأكتشف الديناميت،ثم النظائر المشعة، والمواد المتفجرة الأخرى، واذا كان الهدف من اكتشافها توفير أدوات للبشرية للاستخدام المدني من شق الطرق في المناطق الوعرة كما كان يأمل (نوبل) اوتوفير العلاج كما رغبت (ماري كوري)وغيرها من أمور إنسانية، الا ان الجزء الشرير في عقل الانسان جعله يكيفها لاستملاك القوة التي تمكنه من الوصول الى اكبر قدر من السيطرة والهيمنة.

هناك مجتمعات تتقدم وتنظم نفسها في ظلَ سلطات تستحوذ على الموارد الثلاثة (القوة،المال،المعلوماتية/التكنلوجيا). وهنالك مجتمعات لم تزل عند الموجة الأولى(القوة)، وبها تحاول ان تنمي الموجة الثانية (المال) لكنها تقف عند اعتاب الموجة الثالثة، فما يهمها ان تسيطر وتستملك وتحقق الإذعان او الهيمنة بأي شكل من الاشكال.

وهكذا في ظلَ هذه الأجواء تنام الشعوب على برميل بارود متفجر من المواد الكيمياوية، والأسلحة النووية، والذخائر المختلفة التي لا نعرف متى تنفجر ولأي سبب، سواء اكان بقصدية او دونها، فالاسباب تتعدد ولكن النتيجة واحدة، دمار واسع واشلاء ممزقة وبشر مشردون لا يجدون مأوى او رغيف خبز.

لقد وضع كتاب الروايات والأفلام والبرامج التلفزيونية سيناريوهات عديدة لنهاية العالم نتيجة ترسانة الأسلحة الضخمة التي لا يخلوا منها بلد من البلدان بنسب متفاوته مع الاستمرار بتنميتها وتوسعها والتلويح باستخدامها.

ورغم السبات التي تعيش به الا ان الحوادث تقع لتؤشر لنا حجم الدمار الذي ينتظر البشرية اذا ما استمرت بما عليه الحال من تخزين الأسلحة والمواد المتفجرة بغرض استملاك أسباب القوة.

وهنا تبرز الفاجعة التي شهدتها بيروت.

لا يهمنا من فجّر، وكيف حصل التفجير، فالأسباب كما قلنا تتعدد والسيناريوهات تختلف من جماعة الى أخرى، ولكن ما تحمله فاجعة بيروت من دلالات، تؤكد ان تكديس الأسلحة والمواد المتفجرة لا ينذر الا بالخراب، ولا يأتي الا بالشر المستطير، مهما كانت التبريرات والدواعي له.

بيروت عروس البحر المتوسط، وجميلة جميلات العرب، ما تنام الا لتصحو على الخراب منذ عام 1975 حيث اندلعت الحرب الاهلية، حتى الاجتياح الصهيوني عام 1982، وصولا الى الانفجار الكبير الذي أتى في ظلَ انقسام وتشظي سياسي وانهيار اقتصادي، ومحاولة كل طرف من الأطراف الاستقواء بجهة خارجية، تمكنها من السلاح او المال، ولكن كلَ الطرق تؤدي الى نتيجة واحدة ….الخراب

من هنا فأن دلالة الخراب الذي خلفه انفجار بيروت المأساوي يدعونا الى الدعوة لإعادة النظر بكلَ شيء يتعلق بسياساتنا الراهنة المبنية على العنف والتلويح باستخدام القوة وتكديس الأسلحة والاعتدة لغرض ترهيب الآخر، والعمل على أن يكون هناك مسارا آخر لبناء مجتمعاتنا على أساس المساواة، والأخاء، وتقبل الآخر بغض النظر عن توجهه ،دينه، قوميته، ايديولوجيته، فالمجتمعات لا يمكن ان تنهض من الدمار الا اذا ما استمكنت من أدوات النهضة والبناء.

علينا أن نجبر الآخر على أن يتقبلنا كما نحن لنتقبله كما هو .. ليس عبر التلويح بالقوة واستخدام العنف..وانما باللاعنف

العنف لا ينتج الا عنفا مقابلا وبالنتيجة جميع الحقوق ستكون مغيبة، وحتى ان حصلت على السلطة التي تعتقد انها حق لك فانك ستعود لتتبع ذات الأساليب التي رفضتها يوما ما لأنك ساعتها ستحصل على امتيازات جديدة تقتضي الدفاع عنها، كما يذهب أريك فروم.

لذلك فأن الدعوة للاعنف، تهدف الى ان يكون هناك وعيا مجتمعيا بضرورة التخلي عن العنف لاجل تحقيق المطالب. فالمسألة لا تتعلق بالتخلي عن الحقوق بقدر ما تتعلق بكيفية المطالبة بهذه الحقوق والحصول عليها.

ففي الأرض متسع للجميع، وفيها من الموارد ما يكفي الجميع اذا ما تخلوا عن رغبة الاستحواذ والتملك والهيمنة.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.