دلالات الاستغاثة السردية للحدث في رواية ( طفولة جبل ) للكاتب أمجد توفيق

محمود خيون

بلغة شعرية ونثرية رقيقة وعذبة كتب أمجد توفيق روايته(طفولة جبل ) وهي صفحات متسلسة لمسيرة عاشق متمرد، التزم الصمت والإرادة في تسجيل وقائع مرت عليه فكانت مجرد حكايات، منها مايحمل الغرابة والغموض والآخر يضيء في عيون القاريء كشمس الضحى…ويشرئب بكل تفاصيله إلى أعمق أعماق روحه وذائقته في القراءة والتواصل مع أحداث هذه الملحمة الكبيرة والاسطورة التي عبر فيها الكاتب عن طفولته التي مزقتها الحروب وعاثت بها يد الزمان والاقدار.. اما الجبل فهو عالمه الواسع الذي يحاول الغور في ثناياه حيث تنام اعبق الذكريات..وهو في الواقع حديث طويل لرحلة شاقة خاضها الصبي العاشق للحياة من زاوية أخرى غير التي نمارس بها نحن العشق واجترار مصائبه وحكاياه التي تشبه في بعض الاحايين الجنون الذي تصاب به الحياة فينشل فيها فعل الفاعل ويضيع في غياباتها ما يقع على المفعول به من شدائد وويلات…

يذكرني أمجد توفيق في( طفولة جبل ) بعشق ماركيز لقريته( ماكوندو ) وتعلق روحه وعقله بها وبما مر عليها من أحداث سجلها هو في ذاكرته وتحولت فيما بعد إلى عمل روائي كبير مازال يثير الكثير من التساؤلات والجدل عن أحداث مضت على تلك القرية الغافية في أحضان مدن غرقت بدماء أبناءها في خضم حروب طاحنة….وقد اعتمد ماركيز على أسلوب قريب من الواقعية أو ما تعرف بالواقعية السحرية إذ أستخدم أسلوب خلط الحقائق في رسم حياة سكان قريته( ماكدندو ) الذين كانت العواطف تدفعهم للتصرف بشهوة وتعطش للسلطة…فيما كان ماركيز ينظر إليهم ويرسم على أي تصرف يصدر عنهم علامة التعجب والاستفهام فقد كان غارقا في عملية اجترار عوالم طفولته التي عاشها بين صخور الوديان والهضاب وأشجار الكالبتوس المعمرة التي تجردت بفعل الرياح الشمالية عن أوراقها وظلت  مثل لوحة فنان خرف ،أغصان مجردة تتلوى كالافاعي وسط الصحراء  وتموج  الرمال الصفراء..

وربما كانت للكاتب أمجد توفيق في (طفولة جبل ) لحظات تشبه ذلك الجو الدامي المشحون بالاف المناظر المشوقة وهي تمتزج بروعة الطبيعة والطيور والماء وواحات الزهور التي تنتشر حول الجبل الشاهق… ( في طفولتنا التي ترفض كل أوامر الانتهاء والاخلاء..طفولتي انا وطفولة الجبل، كنت أسمعه واصغي إليه…دون وسيط كان لقاؤنا مباشرا، وعندما اتهمنا اننا غادرنا عصر الطفولة الجميل، كان ثمة وسطاء،فضيلتهم تواضعهم..)في هذا التدوين الصريح يعلن أمجد توفيق وبصراحة متناهية عن مواقف ظلت على مدى سنين طوال شاخصة بكل أحداثها الصغيرة والكبيرة وبكل مواصفاتها تتحدث عن طفولة عاشها مع الجبل الشامخ الذي كتب على جوانبه وسفحه كل ذكرياته واحلامه واوهامه التي اكتشف فيما بعد انها مجرد رحلة عجيبة في بحر عائم تتلاطم أمواجه قاد سفينته بلا شراع تتقاذفها الرياح إلى اليمين والشمال…ونجا منها بأعجوبة بعد علق بجسده المنهك بلوح خشبي متهريء حط رحاله به على ساحل غريب مشحون بأهات وتطلعات لاحلامه التي لم تر النور قط وعاشت على بصيص يشبه السراب..وهذا مااتضح جليا في وصفه للجبل وصفا أشبه بريشة رسام بارع يخط لوحة فاتنة الألوان كحسناء ممشوقة القوام..( لم يكن الجبل الطفل مجرد جار أو صديق أو شقيق..كان حضورا عميقا يتألق ما بين رفة الجفن وبؤبؤ العين.. يكبر الجبل كل ساعة في تقلبات النهار (..

وهنا يتحدث الروائي أمجد توفيق بكل صراحة عن طفولته التي رافقت طفولة الجبل الذي لم يكن بالجار أو الصديق أو الشقيق..بل كان هو الظل الدائم والمرافق له يكبر معه في روحه ووجدانه ويعيش معه كل تقلبات الزمن في نهاراته التي اتسمت بالرجولة والمواقف الشرسة والقوية إزاء المفاجئات التي تولد من الأقدار اول بأول ، وهو في كل هذا يمتلك قلبا ليس كبقية قلوب الاطفال.. قلب جبل سره صخوره، وكائناته المرئية أو غير المرئية…دم وسر ورؤى هي فيض كرم لغة الصمت وخيوط من وهج الحواس، وطيف الانفعالات ما يشد القلبين الشقيقين في الفجر المضيء )…لقد تمكن أمجد توفيق من توظيف جميع أدواته ليرسم في كل أبواب روايته التي تجاوزت أكثر من مئتين وثلاثين بابا ولكل مدخل عنوان يشير للحالة التي يتحدث عنها وامتازت بأسلوب سردي شيق خال من الغموض والرمزية الزائدة، بل تميز بالسلاسة والبساطة مع الغور في عوالم المضمون…

ويعيد بنا امجد توفيق في طفولة جبل..ما عبر عنه الروائي المصري الكبير محمد المنسي قنديل في روايته( انكسار الروح ) التي لاقت شهرة كبيرة بين الأوساط الثقافية المختلفة ونالت اعحاب جميع القراء والنقاد ،وتعبر الرواية عن مجموعة من الخيبات والاضطرابات الفكرية والسياسية وما نتج عنها من انكسار في روح ووجدان النفس البشرية حيث يعبر الكاتب عن كل هذه الخيبات والماسي ..(

ولعل مايشير إلى ان الكاتب أمجد توفيق لم يستطع أن يخفي ذلك كل ذلك الكم الهائل من المشاعر والأحاسيس التي انتابته وهو ينسج أبواب روايته في حديثه عن حال الأب يوسف في ( عندما لا يمتلك الأب يوسف حق الإنتظار ) …( يتوسط الجدار الجنوبي للكنيسة ،باب كان فيما مضى يتصل بغرفة كبيرة، يتداول فيها القس بعض الشؤون مع رجال القرية…بعد هجرة الأهالي، ومرور الزمن، أهملت الغرفة، بعدها أصبحت مستودعا للمهملات ثم حولها الأب يوسف إلى حظيرة لفرسه، ومخزنا للتبن والحشائش الجافة والشعير…). ومن خلال ذلك يتذكر طفولته والخريف ودنان الخمر والاغنام …

 

همس لنفسه .. من يفكر في طفولته كثيرا، عليه أن يستعد لموته؟!

ولا ندري لماذا أراد أمجد توفيق أن يلوح لنا من وراء السطور أن لا معنى حقيقي في إعادة اجترار الذكريات فلربما تؤذينا هذه الممارسة المتعبة.  أو أنه أدرك أن العمر قد فات وعبر محطات كثيرة اصبحت فيها الذكرى أبعد ما تكون ،وانها مجرد (احاسيس الطفل في توحده مع شقيقه الجبل )…أو أنها استغاثة تطلقها شفاه إمرأة اصابها مس الجنون.   أو إنها لحظة غضب تحولت إلى لكمات ورفسات توجه إليه من قبل اخيه (احمد ) الذي حاول أن يجبره على الاكل..مثلما اجبرته الظروف لان يتحمل من الزمن الغابر الذي انساه نصف طفولته وسط صراعات ومفاوز مقفرة مازال يحاول جاهدا عبورها إلى الضفة الأخرى التي ستوصله لا محالة إلى قمة الجبل الذي مازال يعشقه ويطوف بجلباب همومه حول قممه الشاهقة ليعيد طفولته التي سطرها في رائعته(طفولة جبل (….

التعليقات مغلقة.