دراسة استمرت 15 عامًا: هذا ما حدث قبل 3600 سنة في مدينتي «سدوم وعمورة»

المستقلة /- تحكي النصوص الدينية في الأديان الإبراهيمية الثلاثة عن العقاب الذي أصاب مدينتي سدوم وعمورة بعد إصرارهم على الخطيئة، التي لم يسبق لها وجود من قبل، وكيف جاء دمار تلك المدن التي رفضت الانصياع؛ قويًّا وشديدًا، ربما يقارنه البعض بطوفان نوح.

وطوال سنوات مضت، كان العلماء يبحثون عن دلائل تدل على هاتين المدينتين ووجودهما من الأساس، الآن، وجدت أحدث الأبحاث دلائل علمية واضحة تشير إلى كارثة كبرى ضربت المنطقة التي يعتقد أنها موقع المدينتين قبل أكثر من 3600 عام مضت. حجم هذه الكارثة قد يحاكي أحد أفلام هوليوود التي تتحدث عن الكوارث المهددة لكوكب الأرض ونهاية الأرض مثل النيازك الكبيرة.

نشر علماء أول أمس دراسة واسعة استمرت أكثر من 15 عامًا في دراسة الحفريات الواقعة بالقرب من منطقة البحر الميت، ليكتشفوا بدلائل واضحة أن هذه المنطقة ضربتها كارثة كونية هائلة، تعد من أشد الكوارث التي ضربت كوكب الأرض من الفضاء الخارجي. فقد توصلوا إلى أن موقع مدينة «تل الحمام» الحالية، شهد منذ 3600 عام اصطدام صخرة جليدية «غير مرئية» هائلة قادمة من خارج الأرض.

بحسب ما يصفه هؤلاء الباحثون، فإنه في أحد الأيام في المدينة السابقة التي كانت موجودة في الموقع نفسه، كان السكان يمارسون أعمالهم اليومية المعتادة منذ نحو 3600 عام، ولم يكن لديهم أي فكرة عن أن صخرة فضاء جليدية كانت تتسارع نحوهم بسرعة نحو 61 ألف كيلومتر في الساعة، ولأنها صخرة جليدية، فإن السكان كانوا غير قادرين على رؤيتها في السماء.

انفجرت هذه الصخرة على ارتفاع أربعة كيلومترات فوق سطح الأرض بتلك المنطقة، لتتسبب في حدوث وميض كبير وتطلق كرة نار هائلة. كان الانفجار أقوى بنحو ألف مرة من قنبلة هيروشيما النووية. بالطبع، لك أن تتخيل مدى صدمة سكان المدينة عندما رأوا الانفجار، ونظروا إليه بشكل تلقائي، هؤلاء أصابهم العمى على الفور.

ونتيجة لكرة النار الهائلة وقوة الانفجار، ارتفعت درجات حرارة الهواء بسرعة لتصل إلى أكثر من ألفي درجة مئوية. اشتعلت النيران على الفور في الملابس وكل ما هو مصنوع من الخشب. بدأت السيوف وطوب اللبن والفخار في الذوبان. وعلى الفور تقريبًا، ومن ثم اشتعلت النيران في المدينة بأكملها.

وبعد بضع ثوان فقط، ضربت موجة تصادمية هائلة المدينة ناجمة عن تضاغط الهواء بفعل الانفجار، وتحركت هذه الموجة بسرعة نحو 1200 كيلومتر في الساعة، وكانت أقوى من أسوأ إعصار مسجل في التاريخ البشري على الإطلاق، بحسب وصف الباحثين، اجتاحت الرياح القاتلة المدينة، ودمرت كل مبنى قائم فيها.

وصلت قوة هذه الموجة التصادمية لدرجة أنها حطمت قصرًا مكونًا من أربعة طوابق بارتفاع 12 مترًا، ونشرت بقايا حطامه في وادي مجاور للمنطقة، بحسب ما اكتشفه الباحثون من الحفريات الباقية. يقدر عدد سكان هذه المدينة وقت الانفجار بنحو 8 آلاف شخص، لم ينج منهم أحد، بل إنه لم ينج أي حيوان داخل المدينة، فقد تمزقت أجسادهم وانفجرت عظامهم إلى شظايا صغيرة.

وبعد نحو دقيقة، وعلى بعد 22 كيلومترًا إلى الغرب من مدينة تل الحمام الحالية (سدوم وعمورة) التي كانت مركز الانفجار، ضربت الرياح الشديدة الناجمة عن موجة تصادم الانفجار مدينة أريحا، وتسببت قوة الانفجار وشدة موجة التصادم في انهيار أسوار أريحا واحتراق المدينة تمامًا.

تطلب الحصول على هذه الصورة التفصيلية للحادثة التي وقعت منذ آلاف السنين ما يقرب من 15 عامًا من استخراج ودراسة الحفريات التي قام بها مئات الأشخاص. كما تضمنت تحليلات تفصيلية للمواد المستخرجة من قبل أكثر من 20 عالِمًا في 10 ولايات في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى كندا وجمهورية التشيك، للقيام بدراسات مقارنة لفهم دلالات الحفريات التي بين أيديهم. شارك في هذه الدراسة الواسعة 21 شخصًا بينهم علماء آثار وجيولوجيون، وعلماء جيوكيميائيون، وعلماء جيومورفولوجيا، وعلماء معادن، وعلماء نباتات قديمة، وعلماء رواسب، بالإضافة إلى خبراء في التأثير الكوني، وأطباء.

منذ سنوات، وعندما نظر علماء الآثار إلى الحفريات في موقع مدن سدوم وعمورة المدمرة، تمكنوا من رؤية طبقة مختلطة من الفحم والرماد والطوب اللبن المذاب والفخار الذائب. كان هذا يعني أن هناك عاصفة نارية شديدة دمرت هذه المدينة منذ زمن بعيد. لذلك، أطلقوا على هذه الطبقة اسم «طبقة التدمير».

بالنسبة لهم، لم تكن هذه الطبقة تتشابه مع تلك الطبقات المتكونة نتيجة بركان أو زلزال أو حرب. فلا أحد من هذه الكوارث قادر على صهر المعادن والطوب والفخار بهذا الشكل. لذلك، استخدم الباحثون ما يسمى «حاسبة التأثير»، وهو عبارة عن نموذج حاسوبي لتحديد السيناريوهات التي تناسب هذه الأدلة التي بين أيديهم. نموذج حاسبة التأثير هذا أنشأه خبراء التأثير الكوني لتسمح لهم بتقدير التفاصيل العديدة لحدث اصطدام كوني، بناءً على الآثار الناجمة عن الاصطدامات الكبيرة والتفجيرات النووية.

عبر هذا النموذج توصل العلماء إلى أن الصخرة الجليدية هي كويكب صغير مشابه للكويكب الذي دمر 80 مليون شجرة في منطقة تونجوسكا الروسية عام 1908. هذه الصخرة المدمرة هي نسخة أصغر بكثير من الصخور العملاقة التي يبلغ عرضها عدة كيلومترات، والتي تسببت في انقراض الديناصورات قبل 65 مليون سنة.

أحد الدلائل حول صحة هذه الفرضية هو تلك الحبيبات الرملية الدقيقة التي يطلق عليها اسم «كوارتز الصدمات»، وهذه الحبيبات تتشكل فقط عند ضغط شديد جدًّا يصل إلى 725 ألف رطل لكل بوصة مربعة من الضغط (يوازي نحو 45 ألف ضعف الضغط الجوي). هذا يعني أنك تضع وزنًا يصل إلى قرابة 400 طن على إبهامك.

تحتوي طبقة التدمير أيضًا على جسيمات ألماس متناهية الصغر، كل واحدة منها أصغر من حجم فيروس الإنفلونزا. هذا يعني أنه بسبب الحرارة الهائلة والضغط الشديدين نتيجة انضغاط الهواء في موقع الانفجار، تحولت الأشجار والأخشاب في المنطقة على الفور إلى مادة تشبه الماس.

سدوم وعمورة.. ثاني حادث اصطدام كوني يدمر مستوطنة بشرية
إذا ما عدنا إلى ما ذكر في الأديان الإبراهيمية عما حلَّ بالمنطقة، سنلاحظ وجود تشابه كبير في الوصف المكتوب في الكتب الدينية مع ما توصل له العلماء من شواهد ودلائل على تلك الكارثة الهائلة التي ضربت المنطقة. فيصف الإنجيل مثلًا الدمار الذي لحق بمنطقة حضرية بالقرب من البحر الميت بأوصاف مثل أنه سقطت الحجارة والنيران من السماء، ودمرت أكثر من مدينة، وتصاعد دخان كثيف من الحرائق وقتل سكان المدينة.

وبحسب التوراة، كانت مملكتا سدوم وعمورة متحدتين مع مدن أدومة وصبييم وزوار، وكلها تقع علي سهل نهر الأردن في المنطقة الجنوبية من كنعان، والذي تميز بكونه خصبًا ومليئًا بالحشائش ومناسبًا لرعي الماشية، ثم أصابهم «حكم الله» ودمرت أربعة منها بالنار والكبريت، وكانت زوار هي المدينة الوحيدة الناجية.

وقد وضعت فرضيات بأنه إذا كان لقصة سدوم وعمورة أساس تاريخي بالفعل، فقد تكون هذه المدن دمرت بسبب كارثة طبيعية. إحدى هذه الأفكار هي أن البحر الميت قد دمره زلزال بين عامي 2100 و1900 قبل الميلاد (قرابة 4 آلاف عام من الآن). قد يكون هذا قد أطلق العنان لهطول أمطار تحتوي على القطران بعدما تبخر من منطقة البحر الميت بفعل الزلزال. ومن الممكن أن تكون المدن قد دمرت بسبب الزلزال، خاصة إذا كانت تقع على طول صدع كبير مثل وادي الأردن المتصدع.

لكن الدراسة الحديثة تعطي فرضية أقرب للأوصاف التي ذكرت في الأديان الإبراهيمية عما حل بهذه المدن، وهو ما يعني أن هذه الحادثة هي الحادثة الثانية لتدمير مستوطنة بشرية بفعل اصطدام كوني، بعد تدمير قرية أبو هريرة في سوريا منذ نحو 12800 عام.

 

التعليقات مغلقة.