داء الاستحواذ

نزار السامرائي

هناك من الامراض ماهو جسماني ، ومنها ما هو نفسي، ومنها ماهو فكري .. ومع اختلاف اشكالها وانواعها تؤثر جميعها على الانسان، ولكن اخطرها ما يتعدى جسد الفرد وفكره حتى يؤثر على الاخرين بشكل وآخر، كما تفعل الجائحة حين تنطلق من نقطة ما لتغزو العالم كله فتؤثر عليه وتشل عصب الإنتاج والحركة وحتى التفكير.

ومن الأدواء التي يصاب بها الانسان دون ان يشعر بها حتى تستملك فكره ونفسه، داء الاستحواذ، فيعمل على أن يستحوذ على ما يشتهيه ويريده بغض النظر ان كان بحاجة اليه او لا حاجة له به، فالامر لا يعدوا عن رغبة بالتملك ان كان ما يريده ماديا، والشعور بالفخر والانجاز ان كان ما يطلبه معنويا ، وفي هذا فهو غير معني بما يمكن ان يؤثره ذلك على الاخرين، فالاخرون بالنسبة له ليسوا الا منافسين عليه ان يغلبهم ويفرض امره عليهم، حتى وان كان الامر لا يعدوا ان يكون خيالا جامحا في رأسه وحده.

وربما يتعدى هذا الامر الشخص ليصيب الجماعة، فيصبح همّ جماعة ما الاستحواذ على اكبر قدر من السلطة على حساب الآخرين، والسلطة هنا ليست محصورة بالحكم والدولة فقط ، فربما تكون سلطة مال، او سلطة نفوذ، او سلطة دينية او اجتماعية او حتى فكرية. وكما يذكر كارل ماركس فأن من يسعى لتحقيق الهيمنة والسلطة يجعل من مصالحه الخاصة تبدوا وكأنها مصالحة عامة.

وهنا يذهب من يصيبه الداء الى ان الآخرين يحاولون الاستحواذ على ما يرغب هو بالاستحواذ عليه، وعندها فالامر عنده لا يعدوا عن سباق للهيمنة وجعل الاخرين، ربما المجتمع باكمله، يشعر بالاذعان والرضوخ وعندها يبدأ الشعور بالارتياح يساوره بعدما حقق خطوة مهمة في سعيه، غير ان الامر يصبح داء مستعصي لا يستطيع الخلاص منه، فيعشعش في عقله حتى يقع امام امرين، ان يصطدم بآخر اقوى منه قد أصيب بالداء نفسه فيبدء بمحاصرته ونزع ما استحوذ عليه شيئا بعد شيء حتى يصبح مجردا من كل شيء، فيبقى محسورا مذموما لا انيس له في وحدته.

اما الامر الثاني ان يتخلص المجتمع من شعوره بالرضوخ والاذعان فيضع من استحوذ على ما ليس له امام الامر الواقع وحينها تكون محكمة الشارع تجريد أخلاقي يضع الفرد المستحوذ امام صورته الحقيقية بعدما تزال عنها ما تراكم من طبقات مزيفة، وهنا ليس له خلاص اما بالهرب، او الموت وفي كلتي الحالتين يترك ما خلفه تتناهبه الريح.

قد يتمكن احد المستحوذين من الخلاص بنفسه، والهرب بما استحوذ عليه قسرا ، لكنه لن ينجوا من محاكمة التاريخ واللعنات التي تطارده حيثما ورد له ذكر.

 

التعليقات مغلقة.