خيبة يعقوب .. تناص الفكرة ومغايرة الدلالة

نزار عبد الغفار السامرائي

نزار السامرائي

يشكل العنوان أحد  العناصر المهمة في عملية تلقي النص،أي كان، فهو الباب الذي يلج منه المتلقي الى النص، ويفتتح عملية الاتصال بينهما. لذلك جعل جيرار جينت منه أولى العتبات النصية المصاحبة لأي كتاب، بكونه نصاً موازيا لمحتوى العمل.

ولا يختلف أحد في موضوع أهمية العنوان وضرورة الأعتناء بصياغته من الكاتب أو تحليله ودراسته من الباحث الذي يتناول النص، فلا يمكن فهم النص بشكل دقيق وواضح من دون البدء بدراسة العنوان وتفكيك دلالاته ودراسة ما يتضمنه من إشارات وإيحاءات.

ويرى رولان بارت أن العناوين هي أنظمة دلالية سيميولوجية، تحمل في طياتها، قيما أخلاقية وأجتماعية وأيديولوجية. فيما يشير جميل حمداوي الى أن العنوان يساهم في “توضيح دلالات النص، وأستكشاف معانيه الظاهرة والخفية، أن فهما، أو تفسيرا، وأن تفكيكا أو تركيبا”. ويجد بسام قطوس أن العنوان يشكل سمة العمل الفني او الادبي الأول،من حيث هو يضم النص الواسع في حالة اختزال وكمون كبيرين، ويختزن فيه بنيته او دلالته او كليهما معا.

وحدد جيرار جينيت في عتباته النصية أربع وظائف للعنوان هي: الوظيفية التعيينيية، والوظيفة الوصفية، والوظيفة الايحائية، والوظيفة الأغرائية. ويرى جينيت أن العنوان من أهم العناصر التي يستند اليها النص الموازي(Paratext) وهو بمثابة عتبة تحيط بالنص، عبرها نقتحم أغوار النص، وفضاءه الرمزي الدلالي. ويستعير خطاطة جاكوبسن لوضع خطاطة مقابلة توضح الوظيفة الأتصالية للعنوان التي يعدها موازية لعملية تلقي النص كالآتي:

المعُنون ← العنوان←المعنون اليه

مرسل ← رسالة← مرسل اليه

الكاتب ← العنوان ← المتلقي/القارىء

الروائي سعدون البيضاني

من هنا فأننا نلج الى رواية سعدون جبار البيضاني المعنونة (خيبة يعقوب) من عتبة العنوان لقراءة الدلالات السيميائية التي يحملها وما تعنيه بالنسبة للنص الروائي الذي بين أيدينا. حيث أن المرسلة/الرواية الموجهة من المرسل/الكاتب الى المتلقي/القارىء لايمكن أن تنحصر في العمل وحده، كون النص والعنوان متكافئين تكافؤا سيميوطيقيا.

وفي خيبة يعقوب يتشكل العنوان من عبارتين متلاصقتين “خيبة” التي تحمل معنى معجميا يدل على عدمُ تَحقُّق بنيل المطلوب، عدمُ الفوز بما كان مُتوقَّعًا، فَشَل، إخفاق. كما يدل على عدم تحقيق ماكان يُرْجى أي خيبة الأمل فيما كان مرجوا أن يتحقق.

اما الشق الثاني من العنوان فيتعلق بأسم العلم يعقوب .. والذي يحمل دلالة مباشرة  كونه اسم نبيّ ورد في القرآن الكريم، هو يعقوب بن إسحاق، الذي رزقه الله تعالى اثني عشر ولدًا أشهرهم النبيّ يوسف. وهذه الدلالة هي التي تجعلنا نذهب الى مقاربتها السيميولوجية، اذ لم نجد في النص ما يشير بشكل مباشر الى يعقوب سواء اكان النبي نفسه، او أي شخص يحمل اسمه كما اعتاد الناس أن يسموا أبنائهم بأسماء الأنبياء والصالحين وغيرهم من الشخصيات المعروفة.

عدم وجود يعقوب بالاسم في النص يجعلنا نبحث عن التناص بين حكاية يعقوب النبي وقصة جبر (الاب) في رواية البيضاني وهو ما يطلق عليه جينيت التعالي النصي ،الذي يعرفه بانه :”كل ما يضع النص في عالقة ، سواء كانت واضحة أو خفية بنصوص أخرى ” .

والكاتب هنا يمنحنا مفاتيح البحث عن شكل التناص بين حكاية جبر غضبان وابنائه، مع قصة يعقوب وابنائه، كما وردت في سورة يوسف بالقرآن الكريم. اذ يرد على لسان الإبنة سكينة، الناجية الوحيدة من العائلة المنكوبة ” تلوم الناس أبي..يقولون ليس عاقلا، قال سيأتي احدهم،اريد واحدا فقط، كيف فقد بصره عندما قالوا له هذه آخر وجبة اسرى ،قال يا ليت كان احدهم اسيرا، ضرب جبهته براحته وفقد بصره في الحال”.. وأني لأجد في هذا المقطع مفتاحاً أول يمنحنا إياه الكاتب حتى نتمكن من إكتشاف العلاقة بين يعقوب العنوان والنص الروائي الذي لا يعقوب فيه الا الأب (جبر)، فالاقتباس أعلاه يحيلنا بشكل غير مباشر الى النص القرآني “وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) قَالُواْ تَاللَّه تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85). قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ(86).(سورة يوسف). والتناص يكون مباشرا واكثر وضوحا في استخدام الآية (86) التي كان جبر يرددها بأستمرار حتى موته، كما يخبرنا الكاتب، وهذا هو المفتاح الثاني الذي يضعه بين أيدينا لنفك دلالة العنوان ، وهو ما يتضح بشكل أكثر وضوحا على لسان سكينة ” ابي قال له ملك من السماء أن احد أولاده سيعود” ، فهو يعلم من الله ما لا يعلمه الناس.

ان هذا التناص الذي نجده بين حكاية جبر وحكاية يعقوب النبي، يمكن أن يفك لنا الشفرة الدلالية التي وضعها الكاتب في عنوان الرواية، وكان ذكيا في ذلك عندما جعل العنوان لا تفتح مغاليقه الا بالرجوع للنص، واكتشاف اين يكمن يعقوب في الحكاية التي لا تذكر اسمه الا بالعنوان.

ومع ذلك فأن الكاتب الذي استعار من حكاية يعقوب فقدانه لأبنه، وأمله المستمر بأن يعود اليه يوما ما، وهو ما تحقق، لم يكرر الحكاية كما هي، وكأنه يريد أن يخبرنا أن صبر العراقيين فاق صبر يعقوب النبي حين فقد أبنه، كون الحرب أخذت من جبر ثلاثة أبناء دفعة واحدة، ولحقتهم أمهم (صبرهن) التي بقيت تنتظر عودة أحدهم حيا، حتى ماتت دون أن تحقق ذلك، وهو ما حدث لجبر أيضا  الذي رحل قبل ان يشهد عودة أحدهم حيا، ولكن بعد 15 عشر عاما من الأسر، وكان جبر قد مات ولم يشهد تحقق ما كان يشعر به في داخله، ولا تصدق الناس به لانهم شهدوا جبرا وهو يستلم جثث أبنائه الثلاثة تباعا ودفنهم واحدا بعد الآخر.

وفي هذه الثية بالذات تكمن الخيبة، الخيبة التي لم يشعر بها يعقوب النبي إذ عاد أبنه اليه كما عاد بصره، ولكن جبر الغضبان أودت به الخيبة الى فقدان بصره ليموت وهو حزينا على أولاده وزوجته، وتتضاعف الخيبة بعودة الأبن كريم الذي لم يجد أحدا بأنتظاره بعدما استطاع الهرب من سجن للأسرى في الأطراف الشمالية من ايران لم يكن مسجلا حتى عند الصليب الأحمر لذلك لم يعلم احد بأنه موجود فعلا الا ذلك الإحساس الذي كان ينتاب ابيه قبل رحيله.

ومع كلّ الخيبات التي تترادف على النص يضع الكاتب في النهاية املا بأن تعود الحياة الى مجراها حين يبدأ كريم العائد من المجهول يرمم بيتهم الذي اصبح خرابا بمساعدة اهل المدينة” رمم له أبناء المدينة إحدى الغرف وتم صبغها وتأثيثها فيما جرت حملات عمل شعبي وتبرعات لإعادة إعمار الدار،استقر بالدار وحيدا ،أعاد جميع الصور الى الغرفة”.

وتكمن أهمية هذا المقطع في كون الكاتب يتآلف مع المكان بشكل كبير حتى أنه يبدء روايته بمدخل وضع له عنوان”ذاكرة المدينة / صومعة الحدث قريباً من الواقعة” ليحدثنا عن مدينة المجر الكبير التي تشهد الاحداث قبل أن يعرج لاحقا على حياة جبر وكيف بدأت وكيف استقل عن اهله في بيت من قصب بناه في اطراف المدينة فعائلة جبر  وضعت هذا الدار “لبنة لبنة مذ كانت من القصب ثم تحولت الى الطين،الى أن تطورت وصارت دارا حديثه مشيدة بالطابوق”.. وكأني بالكاتب وهو يصف دار جبر الغضبان، يتحدث عن المدينة وتطورها الى ما هي عليه فيختزل ذلك المجتمع الصغير المليء بالاسرار والحكايات بسيرة عائلة افجعتها المصائب والاحداث التي يمرّ بها البلد، ولكن رغم ذلك مستمرة بالحياة.

لقد كان الكاتب ذكيا في استخدام التناص في العنوان بدلالته المغايرة، كما كان ذكيا في اطلاق الأسماء على شخوص عائلة جبر غضبان، التي لم يتبق منها قبل أن يعود كريم من الاسر الا “سكينة” الأبنة الصغيرة التي بقيت وحيدة بعد رحيل أمها واخوتها ووالدها الذي بقيت ترعاه وحدها حتى موته، وهنا نجد تناصا آخر في استخدام الاسم الذي يتوافق مع شخصية دينية تاريخية تتداولها الذاكرة الشعبية في العراق كثيرا هي “سكينة بنت الحسين” التي شهدت فاجعة مقتل والدها وأخوانها واحدا بعد الآخر في معركة الطف ولكنها بقيت صابرة محتسبة.

بقي أن نقول أن الروائي سعدون جبار البيضاني قد قدم لنا توثيقا تاريخيا لمرحلة موجعة ومثقلة بالخيبات للعراقيين، رغم أنه،وهذا من الحسنات التي تضاف الى النص، لم ينجرف الى الخطاب السياسي على حساب الخطاب الروائي، كما يذهب العديد من الروائيين العراقيين الذين يوثقون لأحداث التاريخ الحديث، بل جعلنا أمام خطابا روائيا يقدم الأحداث برؤية اجتماعية، وعين لماحة ترصد الزوايا الضيقة من الأحداث بعيدا عن التكرار الملل والخطابية الزائفة، تاركا المجال للمتلقي/القارىء لينظر الى الأمور بالكيفية التي يريدها، وهو ينهي النص بخاتمة مفتوحة على أفق متسع، فالأحداث تنتهي لتبدأ أخرى جديدة في خيال المتلقي، بمتوالية مستمرة. الأشخاص يرحلون والمدينة تبقى تعيد ترميم نفسها لتستفيق على فجر جديد.

يذكر ان رواية “خيبة يعقوب” صدرت في طبعتها الأولى عن “منتدى عين للثقافة والابداع عام 2006” ، وأعاد اتحاد الادباء والمتاب في ميسان إصدارها بطبعة جديدة عام 2020.

التعليقات مغلقة.