حياة الرُحل في الصحراء: الترحال المستمر من أجل البقاء

حانة الزاوي

كلما ذكرت كلمة الترحال إلا وجالت بخواطرنا معاني مثل التنقل وعدم الاستقرار: وحياة الرُحل في بيداء الصحاري ليست إلا استمرارية وتجسيدًا لهذه المعاني، إذ تقوم على التنقل المتواصلة دون عقد أي نويا واضحة للاستقرار عند وجهة ما.

كيف يعيشون حياتهم؟ وما هو دورهم داخل هذه البيئة الشاسعة؟ وكيف يشعرون بالاستقرار في خضم ترحالهم المستمر؟ وما هي تطلعاتهم، وطموحهم، وأهدافهم؟

كما هو شأن باقي فئات المجتمع، يعيش الرُحل في الصحراء حياة لا تعرف الاستقرار، يبحثون باستمرار عن سبل العيش والبقاء أينما وجدت. وتجمع تجاربهم بين الكثير من المتناقضات: فحين تراهم للوهلة الأولى، ينتابك شعور الارتياح لطرق استقبالهم، وتحس عند مجالستهم بروح الكرم والعطاء رغم قساوة الظروف، فتغمرك مكارم الأخلاق بين أناس فضلوا عيش الخيام وسكون البدو، مساكن بسيطة تختلف أحجامها وأشكالها من عائلة لأخرى، أو الغرض من رفعها.

لا يمل جليسهم أبدًا من تبادل الآراء ونقاش ما استجد من المواضيع العامة، فهذا يحكي عن حالة الطقس والآخر يتأمل حال الإبل والأغنام، بينما يعرض آخر أماكن تجمع المياه الشروب، ويترقب البعض الآخر صوت السيارات أو أي تحركات غير بعيدة. هكذا يبحثون عن الخبر ويشاركون ما بلغهم. فتجدهم على اطلاع بأخبار العالم بأسره وهم المنقطعون عن التكنلوجيا ورغد التمدن، فلا إنارة ولا صنابير مياه، ولا مرافق عمومية ولا شبكات انترنت، ولا شبكات تواصل غير ما تنقله الأفواه إلى الآذان الصاغية، إن وجدت. والمثير هو أنك لا تكاد ترى أي معلومة خاطئة، فهم الصادقون في حديثهم ونواياهم، لا غبار على كلامهم ولا مرحبا بالكذب وأهله ضمن المجموعة. يحكمون بينهم القانون فيحترمه الصغير والكبير. عامل الوقت لا يشكل هاجسا لديهم، فهمهم إتمام عملهم بصدق، لا بعجلة. ولباسهم المتسع رمز الفضاء الذي يعيشون فيه، فلا حدود لعزيمة الرحل، واستقرارهم رهين بالمطر أو مصادر الماء والكلأ.

إن الرحل أو البدو المنتمون للصحراء المغربية هم قبائل صحراوية تختلف من حيث نسب القبيلة لكنها تتوحد في العادات والتقاليد والأهداف، يتشاركون الأدوار والمهام، فلا أنانية في العمل ولا اتكالية رغم هدوئهم وكلامهم، وطول جلسة الشاي التي لا تنتظر وقتًا أو مكانًا محدد، بل هي أمر يحسمه “موضوع الجماعة” وكأنه وقت اجتماع إداري، همه قضايا الرحل وماشيتهم وتطلعاتهم الكبيرة في أمل توفير ما يساهم في استمرار حياتهم عاداتهم والمحافظة على ماشيتهم كموروث ثقافي اقتصادي واجتماعي تنموي لمنطقة الصحراء.

عند النظر إلى طلباتهم والطموحات التي رسموها، تجد أنها لا تتعدى أبسط الحقوق، راحة البال، وتفادي المشاكل الناجمة عن ندرة المياه. وتتحدد جهات الصحراء المغربية الثلاثة بفضل تواجد مكاتب العمالات والولايات وغيرها من مندوبات وإدارات القطاعات الحكومية. هكذا يحق للرحل المنتمون لهذه الجهات الترحال لا يحد حركتهم سوى مصادر الماء، مترقبين في ذلك كل الأخبار ومرحبين بكل من يبادر لمساعدتهم والتفكير في مصالحهم.

وفق ما أشاد به اغلب الرحالة، فإن الحكومة المغربية تساهم في محاربة معظم المشاكل التي تواجههم، انطلاقا من تقريب المصالح الإدارية والقيادات، ثم فسح المجال أمام الفاعلين التنمويين للمساهمة في التخفيف من وطأة بعض التحديات. وهنا لا يفوتني ذكر مبادرات مؤسسة الأطلس الكبير السباقة للتقرب من هذه الشريحة المهمة في المجتمع. وتجلى ذلك في تحقيق بعض المطالب على أعقاب اللقاءات التشخيصية التشاركية التي قامت بها إدارة المؤسسة سلفًا، خاصة فيما يتعلق بقضايا مصادر المياه. وبفضل تعاون المؤسسة الأمريكية المغربية مع شركة سيمنس كاميسا الألمانية الاسبانية، تم بناء ساقية بمنابع الجريفية إضافة إلى تثبيت صهاريج للتخزين، وتم تزويد بئر بمحرك ليستغلها الرحل في سد حاجياتهم من الماء. ولقيت هذه البادرة استحسانا كبيرا، سواء من الرحل أنفسهم أو من الوافدين على المنطقة، ولسان حالهم يعبر عن الامتنان والشكر لشخص رئيس مؤسسة الاطلس الكبير، السيد يوسف بن مير، على كل ما قام به من أجل تحقيق مساعيه في تنمية جهات المغرب الجنوبية والضواحي بصفة خاصة. إلا أن هذا العمل ليس كافيا لحل كل المشاكل. فلا زالت هناك أماكن شهدت موت العديد من الأشخاص بسبب العطش وندرة الماء، أو بسبب التيه بين كتبان الصحراء القاحلة. وفي زيارة ميدانية لصحراء الداخلة وبوجدور قام بها الفريق الذي يمثل المؤسسة في الجنوب، تم التركيز على أولويات إنجاز مشروع لتوفير مصدر للتزود بالمياه في عمق الصحراء، وذلك بناء على ثقتهم الكبيرة في دعم مؤسسة الاطلس الكبير وشركائها لهذه الفكرة.

إن حياة الرحل، مع طابع عدم الاستقرار الظاهر عليها، تجسيد لأسلوب السهل الممتنع في العيش. ورغم ما يبدو عليهم من هدوء وسكينة، إلا أن بداخل الرُحل أمورًا شتى قد لا يستوعبها إلا من مر بما عاشوه، ظروف ألفوها فسهلت عليهم، لكن قساوتها بادية على غيرهم. لا وجود للبوصلة الالكترونية، ولا يمكن الاعتماد عليها هنا بالأساس، لان الطرق غير معبدة، والوجهة إلى مجهول لا يعرفه سوى المرشدون، هم فقط يستطيعون فك الشفرات والتفريق بين اثر خطى الناقة ومشي الجمل ..البوصلة في نظر الرحل صالحة للمدن فقط، فخبايا البيداء لا يدركها غيرهم، وليس كل الرحل مدركها.

بين ما علموا وما جهلوا عن حياتهم، يبقى الرحل ينتقلون من مكان أقاموا به وعلموا أسراره، إلى وجهة مجهولة دفعهم إليها السعي وراء بقائهم واستمرارية إبلهم. فهل ترانا، وإياهم، نجد من يحقق أحلامهم البسيطة وينفذ المشاريع التي تخفف همومهم؟ وهل هناك من يساهم في تنمية أقاليم الصحراء المغربية الغنية بقيمها، وفي الاستجابة لذوي الهمم العالية المتشبثين بالخير؟

تساؤلات تجرد أهم مطالب هذه الفئة، لعلها تجد مجيبًا من الإرادة، أو شركاء التنمية الذين يحسون ويدركون واقع الرحالة الصعب، وما يمليه عليهم واجب رعاية ماشيتهم في رحلة البقاء الصعبة.

التعليقات مغلقة.