حكومة الأغلبية وإشكاليات التطبيق

عدنان الصالحي

/مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث

 قبل أربع سنوات او نيف، طرح السيد رئيس الوزراء العراقي في حينها حكومة (التكنوقراط) كحل بديل عن حكومة (الشراكة الوطنية)، وكثر الحديث عن الموضوع غير انها بقيت مجرد شعارات تطلق حتى انتهت الدورة السابقة ولم يستطع الوصول الى ما تم طرحه.

اليوم وفي اكبر أزمة سياسية يعيشها العراق منذ عام 2003 برز للسطح حديث جديد والمبادر به أيضا هو السيد رئيس الحكومة العراقية هذا الحديث يتضمن تشكيل حكومة (أغلبية سياسية) تقوم على أساس تشكيل تكتل سياسي من عدة أطياف او قوى سياسية ولكنها لا تشمل جميع الكيانات السياسية التي فازت في الانتخابات.

هذا يعني ان من لا يشارك في هذه الحكومة عليه ان يشغل مقعده في البرلمان بحكومة (ظل) أي المعارضة البرلمانية والتي تتواجد في النظم الديمقراطية، وهي تجربة قد يكون نصيبها النجاح لو توفرت الظروف الصحيحة لإتمامها والسير فيها.

 غير ان طرح الموضوع في هذا الوقت يواجه عدة مشاكل ابرزها:

اولا: ان الدعوة الى تشكيل حكومة أغلبية سياسية في الاجواء الحالية المتوترة بين الفرقاء السياسيين وخصوصا بغياب الثقة المتبادلة يمثل عند الكثير اسلوبا جديد للتصعيد من قبل شخص رئيس الوزراء ويعدونه بمثابة طريقة للضغط ولي الاذرع، وسيرفض أغلب الكتل السياسية المشروع جملة وتفصيلا.

ثانيا: يتهم الكثير من الفرقاء السياسيين رئيس الحكومة بالتفرد بالقرار وتهميش الآخرين، ويرون الدعوة الى مثل هكذا حكومة خطوة أولى لإنهاء الحياة الديمقراطية الحقيقية والعودة الى سلطة الحزب الواحد والقائد الاوحد ولو كان ذلك بثياب الديمقراطية والانتخابات الشكلية.

ثالثا: فريقا آخر يرى ان تشكيل مثل هكذا حكومة يحتاج الى توافق سياسي، حيث ان العملية السياسية في العراق بنيت على التوافق بعد 2003، وهذا يعد حجر عثرة امام السير في هذا الطريق.

رابعا: مر العراق بثلاث دورات انتخابية تشريعية ولم يحصد أي من الكتل السياسية أغلبية تمكنه من تشكيل حكومة أغلبية بمفرده رغم اجواء العصف الطائفي في ذلك الحين، وعليه فمن غير المتوقع حصول اي كتلة سياسية في المستقبل القريب على اغلبية تمكنها من تشكيل الحكومة المقترحة بمفردها، وما افرزته الانتخابات المحلية الأخيرة في العشرين من نيسان خير دليل على على ذلك.

خامسا: يمكن لهذا الطرح ان يحصل ولكن (وكما يرى اغلب المتابعين للشأن العراقي) شريطة ان يتم الاتفاق اولا على تسمية رئيس لهذه الحكومة غير الرئيس الحالي، ويعزو الذاهبون الى هذا الرأي بتقلب مزاجات السيد رئيس الحكومة وعدم التزامه بالدستور والاتفاقات السياسية (حسب وصفهم)، وهذا الشيء يقابل بالرفض من قبل كتلة السيد المالكي.

سادسا: في غياب أجواء الثقة المتبادلة يتهم كل طرف من إطراف العلمية السياسية بالارتباط بالخارج والاستقواء به، وعلى هذا الاساس فان تفرد جهة سياسية معينة بحكومة اغلبية سياسية يراها البعض انتصار لارادة الدولة المتهم ذلك الكيان بالارتباط بها، وهو في الحقيقة لا يخلو من صراع اقليمي في هذا المجال ايضا.

ان تشكيل تلك الحكومة لا يضع حدا قريبا للمشاكل العراقية، كون تلك المشاكل ناتجة من اسباب تراكمية واخطاء متقابلة وتكمن في:

1-  العنصر التاريخي وعقدة الحكم عند البعض التي لايزال يحلم بها، تقابلها عقدة الخوف من الماضي وماجرى عليه من ويلات من الانظمة السابقة، مضافا الى مايجري من شحن طائفي متقابل كإفراز لصراع اقليمي ودولي.

2- عدم النضوج السياسي لدى اغلب الكتل السياسية العراقية وعدم فهمها لطبيعة الحياة الديمقراطية فاغلبها مازال يعيش نظرية المؤامرة ويعتبر اي تحرك ضده (حتى الدستوري منه) هو استهداف له لإزالته من الحياة السياسية، وهذا بدروه يخلق اجواء مشحونة وتكسر لأطر العلاقة السياسية.

3- يعتبر بعض الساسة العراقيين بان استحكامه على السلطة وبناء حكومة مرعبة هو بناء للدولة وهذا فهم مقلوب للحياة الديمقراطية، فقوة الحكومة تأتي من تكاتف القوى المشاركة فيها في مشروع وطني موحد، يستند الى ثوابت وطنية ودستورية وبناء مؤسساتي لا شخصنة فيه، وهذا ماتفقده الحياة السياسية العراقية لحد الآن.

4- الخلل الدستوري الكبير في اغلب فقراته الخاصة باستقلالية الهيئات وكيفية حل المشاكل التي تنتج بين السلطات، وضبابية الكثير من المواد جعل كل جهة تفسرها وفق اهوائها ومزاجياتها وهذا ادى الى تصادم قانوني متراكم.

5- فساد طبقة سياسية معينة ومحاولتها الاستيلاء على اكثر مساحة من المؤسسات الحكومية دون وجه حق وظهور حالة تعيين الأقارب، ولد شعورا بوجود خط تفردي ودكتاتوري يحاول العودة بالبلاد الى ماقبل 2003، وهذا بدوره انشأ معسكرين الاول ينادي بالوقوف بوجه هذا المشروع والثاني يرى بان مايجري هو بناء حكومة مركزية قوية ولا وجود لدكتاتورية في الأمر.

6- في ظل هذه التجاذبات والمشاكل السياسية المتراكمة والتوالدية، غابت او غيبت أصوات منظمات المجتمع المدني والاعلام الحر والنخب المستقلة بشكل شبه تام والتي كان من الممكن ان تكون سببا لوضع حلول حقيقية لتلك المشاكل كونها تملك قدرة التوجيه الصحيح للمسارات بما تحوي من كفاءات وحيادية، ووقوفها على مسافة واحدة من الجميع.

ان جميع ما ذكر اعلاه هي اسباب واقعية ومشاركة مشاركة فعالة في صنع أزمة العراق السياسية الحالية او التي سبقتها من ازمات، غير ان السبب الرئيس والذي تتفرع منه جميع تلك المشاكل يكمن في سبب هام وهو غياب القانون السياسي الشامل المتحكم بالعملية السياسية برمتها.

حيث يشير المرجع الديني الراحل الامام السيد محمد الشيرازي (رحمه الله) الى هذا الجانب في كتابه ( فقه السياسة/ الجزء الاول) بالقول، (…ان العمل السياسي لابد له من قانون، على صعيد دراسة الأوضاع الدستورية في الدولة من حيث علاقات أجهزة الحكم ومؤسساته بعضها ببعض من جهة، وبالمواطنين والتكتلات الاجتماعية من جهة أخرى، بما يضمن الاختصاصات والوظائف، ودراسة الحقوق والواجبات التي يقرها القانون وينفذها المجتمع، الحكومة والناس).

ورب قائل يقول ان هنالك الكثير من القوانين التي تنظم العلاقة التي نشير اليها، وهذا القول وبوجود صحة له لكنه لايتجاوز قوانين خجولة ورثت من النظام السابق غير مؤهلة لحياة ديمقراطية تعددية، وحتى التي سنت في الفترة الحالية لم تكن بالمستوى المطلوب لتتماشى وطبيعة التحديات التي تواجه العلمية السياسية برمتها.

فالقانون المطلوب هنا هو تفاهم وطني مشترك كميثاق الشرف او غيره من المسميات تحكم الطبيعة السائدة بين الجميع وفق خط ثابت هو المصلحة العليا للبلاد، ويستند الى ثوابت دستورية غير قابلة للتأويل او التحريف تنطلق من اساس ثابت هو الثقة المتبادلة والقرار المشترك وان الحياة السياسية التعددية لا خاسر فيها بل الجميع مشترك ببناء البلد، وبعد الوصول الى تلك المرحلة يمكن طرح أي مشروع لحل الازمات سواء (حكومة الأغلبية) او (التكنوقراط)او غيرها لان الأجواء السياسية في حينها لن تكون ملبدة بغيوم أوهام التآمر والتشكيك.

قد يعجبك ايضا

اترك رد