حكمة الحياة

المستقلة – القاهرة – بقلم المفكر المصري دكتور محمد سعيد

يحكي أن ملكاً كان يحكم العالم كله، وفي يوم من الأيام أمر بإحضار جميع حكماء العالم، وطلب إليهم تسجيل جميع علوم عصرهم باختصار قدر الإمكان، وانكب العلماء على العمل سنوات عديدة حتى أنجزوه، وجمعوا علمهم في مائة كتاب. ولكن الملك لم يسعد بذلك؛ فطلب إليهم حذف كل العلوم غير الجوهرية، وجَمْع العلم كله في كتاب واحد، ضاق العلماء بهذا الأمر وعدُّوه مستحيلاً، ورغم ذلك وبضغط من الملك بدأوا العمل المضني الذي استمر سنوات عديدة، حتى تم إنجاز هذا الكتاب. شكر الملك جهودهم، ولكنه طلب إليهم مهمة أخيرة، وهي أن يلخصوا العلم كله في جملة واحدة! عاد العلماء من جديد يعكفون على هذه المهمة الأصعب، فخرجوا في النهاية بحكمة الحياة بكاملها ألا وهي: “أنت مبدع أيضاً، وكل شيء قابل للتنفيذ”.

أيها الإنسان إنك نموذج فريد في هذا العالم، إنك نسيج وحدك، تحمل شفرة الإبداع التي تميزك عن غيرك، والتي إذا فَعَّلتَّها؛ ستجد أن الأرض لم تخلق شبيهاً لك، ولن تأتي السنوات المتلاحقة بمن يشبهك. عليك أن تتبع الفطرة التي خُلقت عليها، وتنمو كما تنمو النباتات في مغارسها؛ فلا النخيل يصير عنباً، ولا الثمار تحاكي غيرها في لون أو طعم أو رائحة.

إن فترات الإبداع تتوارد في حياة الإنسان بشكل فطري، وفي مرحلتين مهمتين من حياته؛ الأولى في مرحلة المهد وتمتد خلال السنوات الأولى قبل التحاقه بالمدرسة، يحاول فيها الطفل وهو يكتشف المجهول من حوله أن يعيد تركيب الأشياء بشكل جديد، وسط ضغوط المحيطين به ليسير على الدرب المرسوم له، لينأى بعيداًعن الإبداع الفطري، مُخلِّفاً إبداعه وراء ظهره، وما هي إلا سنوات تمر حتى يعود الإبداع الفطري ليبزغ من جديد في مرحلة المراهقة،ليعلن المراهق اعتراضه على كل ما هو روتيني ونمطي ومتكرر، فتعود الضغوط سيرتها الأولى، ويذوي ربيع الإبداع، وتيبس أغصانه. إن وعينا بالإبداع ووجوده الفطري يقتضي أن نوفر السبل المعينة عليه، متى لاح ذلك الإبداع وأينما ظهر.

والتغلب على معوقات الإبداع أمر ممكن؛ فكل شيء قابل للتنفيذ ما دام الوعي موجوداً والعزيمة متوفرة، وقد قيل لنابليون كيف استطعت أن تصل إلى ما وصلت إليه؟ قال: كنت إذا قيل لي: لا أقدر؛ قلتُ: حاول، وإذا قيل: لا أعرف؛ قلتُ: تَعلَّم، وإذا قيل: مستحيل؛ قلتُ: جَرِّب.

إن المتتبع لأحوال العظام من البشر من أصحاب الأعمال الجليلة؛ ليجد أن حياتهم سلسلة موصولة الحلقات من تحدٍ للصعاب واستصغار للعقبات، يقودنا للإعجاب بهم وازدهاء أفعالهم.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.