جبار النعيمي .. ذاكرة الزمان

تقديم : ظافر العاني*

بالامس توفي جبار ابو ياسر وهو جاري في الاعظمية بمحلة السفينة وزوج كبرى بنات خالتي فانقبض قلبي وامتلأ حزنا كأني ابكي الايام الجميلة والذكريات العذبة يوم كان الرضا غاية الناس والبساطة قوتهم اليومي .

لم يكن جبار شخصية عامة ولاتتخيلوا اني ساقص عليكم سيرة احد النبلاء او المشهورين ممن يجري الدم الازرق في عروقهم . لقد كان ابو ياسر رجلا بسيطا أمياً ليس له من المعلومات العامة إلا مايلتقطه من افواه الناس من هنا وهناك أو من الراديو الذي ظل صديقه ولم يؤثر عليه التلفاز وأقصى ماوصل اليه جبار من شأنٍ أنه يبيع قناني الغاز في أزقة الاعظمية وحواريها بشاحنته القديمة التي حورها وركب لها عربة تلحق بها يضع فيها قناني الغاز . إنه واحد من هؤلاء الناس الذين تصادفون امثاله يوميا بالمئات ولايلفتون انتباهكم . لكنهم ملح الأرض وطاقتها ، اولئك المكدودين الذين يواصلون الليل بالنهار من اجل تدبير لقمة العيش ويقدمون خدماتهم حتى اخر رمق في حياتهم طلبا للرزق ماداموا معافين ، واقصى مايطمحون اليه أن يربوا ابناءهم وان يعيشوا مستورين .

ولأنه جاري فقد توطدت لي معه صداقة اتاحتها لي القرابة والجيرة الطيبة وإرث العلاقة الحسنة معه والتي جاءتني عن أبي ، وكثيرا مازرته في بيته او يزورنا بينما تبقى الصحون تنتقل من بيتنا الى بيته طوال السنة نتبادل فيها الزاد ، او نجتمع معا على مائدة واحدة .

ليس في جبار ميزة ما ارويها لكم الا علاقته بزوجته ويقال ان الازواج عندما يقضون معا فترة طويلة يصبحوا يشبهون بعضهم حتى في الشكل وليس في السلوك وحده وهو ما لاحظته عليه وزوجته ام ياسر انهما اصبحا يشبهان بعضهما وكأنهما جاءا من بطن واحدة .

وبخلاف كل رجالات السفينة الذين ادمنوا المقاهي او السهرات الليلية او الجوامع ، فاني لم اشاهد جبار يوما خارج بيته فهو عندما تنتهي نوبة عمله يرجع البيت وقد أعدت له ابنة خالتي مائدة معتادة ولكن كان لابد للكبة ان تكون احد الاصناف التي اشتهرت بعملها وتباهي بها صويحباتها من نساء محلتنا . يأكل ابو ياسر الزاد ويلبس ملابس البيت ثم يضع العرقجين على رأسه ويجلس جانبا يفتح الراديو ليستمع للاخبار التي يغلق عليه فهمها فيسألني عنها ويظن ان تخصصي بالعلوم السياسية يجعلني اعرف كل مايجري خلف كواليس الاخبار ، وقد بدأت علاقتنا منذ حرب فيتنام وحرب كمبوديا مرور بحربنا مع ايران والحصار والى يوم أمس ليسألني في نهاية كل حوار بيننا : ظافر هل سيؤثر ذلك على اسعار الغاز ؟ كان هذا اقصى مايسمح به وعيه السياسي البسيط ؛ ان يسأل عن رزقه واحوال الناس المعيشية .

ظلت علاقة جبار بام ياسر علاقة اصدقاء ولم يعرف الكدر طريقه اليهما رغم متاعب الحياة ومشاكل الابناء الذين ملأوا البيت وازدان فيما بعد بالاحفاد . علاقة قوامها الصداقة ولم يكن ليطيق احدهما الابتعاد عن ألآخر ولو صادف وزارت احد الجيران فانه سرعان مايبعث احد الابناء يستعجلها فكيف يمكن لصديق ان يترك صديقه لوحده .

لقمة هانئة وملبس نظيف واولاد صاخبون والاحاديث المتكررة تلك كانت متعتهم لا أكثر ، وفي المرات القلائل التي كان يعلو فيها صوته على زوجته كانت تقابله بنكتة من نكاتها اللذيذة فيضحك وتسري الضحكة في البيت كعطر ينشر اريجه الفواح فيسود السلام من جديد .

في اخريات عمره وبعد ان شاخ وترك مهنة بيع الغاز لأبنائه بدأ جبار يفقد ذاكرته رويدا رويدا بفعل العمر فبدأ ينسى الاسماء والحوادث والاشخاص ولم تكن ام ياسر ليؤرقها ذلك بل تعالج الامر بالمزيد من الرعاية والعناية والاحاديث التي لاتنتهي عن ذكريات زمان لعلها تنشط ذاكرته حتى أفاقت على مشكلة جديدة فقد بدأ جبار ينساها هي نفسها فحزنت لذلك اشد الحزن إذ كيف لصديق ان ينسى صديقه وقد قضى معه مايربو على الستين عاما ، كيف يطاوعك قلبك يا ابو ياسر ؟ وحتى حينما اخبرها الطبيب بان عليها ان تحاذر فقد يتصرف زوجها بعنف خارج ارادته لم تكترث ولم تحتاط ، وهو الاخر لم يند عنه مايتسم بالعنف معها أبداً .

لا أدري كيف بدأت قياس تفقد ذاكرتها هي الاخرى فلعلها لم تطق ان تكون خارج نطاق ذاكرة زوجها فاصابت الشيخوخة دماغها حتى صارت تنسى جبار هي الاخرى وكأنها تريد ان تعاقبه على نسيانها ، واصبحا يجلسان احدهما قبالة الاخر بلا كلام ودون ان يعيا بعضهما .

بالامس وقد توفي جبار ، كانت أم ياسر في ملكوت آخر وكان عقلها غائبا عما يدور حولها ولما رأت نفسها وقد اصبحت وحيدة اكتفت بدمعة صغيرة انسابت على خدها فيما عينها شاخصة على الكرسي الخالي أمامها .

 

*عضو مجلس النواب العراقي

التعليقات مغلقة.