ثوار تشرين .. هيبة الدولة وخارطة طريقها المستقبلي

Iraqi demonstrators gather to mark the first anniversary of the anti-government protests in Baghdad, Iraq October 25, 2020. REUTERS/Thaier Al-Sudani

حامد شهاب

من مفاخر القدر العراقي الجميل، أن تعتلي صهوة مجده ونهوضه تلك الطاقات الشبابية من ثوار تشرين ، وهي ممتلئة عزما وتصميما وبطولات فريدة، وتراهم يمتلكون لغة خطاب متقنة في إختيار الفاظها ومعاتيها ودلالاتها، وهم يمثلون الهيبة العراقية بكل عنفوانها وشموخها وكبريائها، وتعد بكل حق ، المعبر الاصيل عن مضامين الوعي الثوري المتفتح ، وهم قادرون الآن على لفت الانظار لخطابهم المتوهج تفاؤلا وأملا بالمستقبل مدعم بالحقائق والوثائق ، ويستندون الى الدستور والعدالة والقيم السماوية، ويرفضون التصالح مع المفسدين والسراق والخونة والاتباع للغير وللذيول، ومن اجرموا بحق شعبهم .

ويشعر العراقيون بفرح غامر ، وهم يرون وجوه ثوار تشرين النضرة واشراقتهم البهية ، من خلال قناة البغدادية التي كرست غالبية برامجها لثورتهم وفعالياتهم وأنشطتهم مع قنوات وفضائيات اخرى ، ولكن بدرجة أقل ، ليؤكد هؤلاء الفتية المتشربون بروح الوطنية واصالتها الثورية ، أنهم هم من يعيدون للعراق هيبته ومكانته ، وهم من يحافظون على أمن بلدهم واستقراره واستقلاله ويعيدون له كرامته المفقودة ، أؤلئك هم رجال العراق الأشداء الذين لايهابون الموت، وهم من يطلق عليهم ثوار تشرين، أؤلئك الذين يرسمون خارطة طريق جديدة لمعالم تقدم العراق ونهوضه ، وهم من تعلق عليهم الملايين من ابناء الشعب العراقي الآمال ليكونوا الأمل لعراق جديد ، وشبابه الان هم من يلقنون الطغاة والمفسدين ومن باعوا شرف المواطنة وافتقدوا الرجولة ومن يتفاخرون بولائهم خارج الحدود ، الدرس القاسي الذي يستحقون، ليلفظهم تاريخ العراق، ويتبرأ منهم ومن أعوانهم، ليلقي بهم في مزابل التاريخ ، غير مأسوف عليهم ، وهم يستحقون تلك المنازل الحقيرة عن جدارة.

لقد وضع لنا أؤلئك الفتية البررة الميامين من أسود العراق، وثوار تشرينه الخالد ، خارطة طريقنا المتفائل المتفاني ، وهم يرفضون كل محاولات الالتفاف على ثورتهم أو سرقتها من منتهزي الفرص والباحثين عن المعانم الشخصية، وتتعالى تغاريد النسوة وكل حرائر العراق ، ورجاله وشيوخه، واطفاله وكل شرائحه الثائرة ، وهي تبارك لهم اختيارهم لدرب البطولة طريقا لخلاص بلدهم من هذا الظلم الذي تجاوز كل حدود ، وجماهير الشعب العراقي تبارك لهم وقفاتهم المشهودة في ساحات التظاهر والمنازلة الشريفة لتنتصر لهم وتخصهم بالدعاء الى رب العزة أن يوفقهم وينصرهم على الأشرار  والقتلة ومن أوغلوا في سفك دماء العراقيين واغتيال مستقبلهم ، أؤلئك الذين ضيعوا مستقبل بلدهم ودمروه واهلكوا الارض والحرث، ولم يتبق شيء في العراق من مال وثروات الا ونهبوها، هؤلاء هم سراق العراق ومن أطفأوا شمس توجهه، وها هي لعنة الملايين تلاحقهم أينما حلوا، وها قد حان الوقت الذي يصدق فيهم قول رب العزة: إنا من الأشرار لمنتقمون!!

وما أن تنظر الى شباب العراق وممارسات ثواره ، وما أرسته من قيم وممارسات غاية في الأهمية والدلالات الكبيرة، حتى يتوصل الكثيرون الى إن تلك الثورة وممارساتها وقيمها وأخلاقياتها، أصبحت لهم مثلا أعلى وقيما مقدسة، وهي محل فخرهم ومآلهم الى حيث المكانة التي يستحقون عندما يكبرون، فلا خوف على أجيال العرق المقبلة التي تعلمت من ساحات التظاهر كيف تكون الشجاعة وكيف تكون صور التضحية والاقدام والفداء وتقديم الغالي والنفيس من أجل الوطن وحفظ كرامة شعبه عندما تتعرض الى الإمتهان، وكانت ساحات التظاهر مدرسة وأكاديمية تغترف منها الاجيال المقبلة معينها الشامخ لكي تتقدم الخطى وترسم معالم الطريق الجديد، وهي التي لديها أرث شبابي وقيمي وسلوكي وحضاري واجه أقسى حروب السلطة واجهزتها، واوقفها عند حدها، وهم أي أجيال العراق الحالية من سيكونون المثال الذي يحتذى للاجيال المقبلة في ان يتعلموا منهم الحكمة والشجاعة والاقدام وكل صور الرجال الميامين، الذين تفتخر أمهاتهم بهم وانهن من أنجبنهم من أجل ان يبقى صرح العراق شامخا بالعز والكبرياء، ولتبقى راية العراق ترفرف في الأفاق شامخة على مر الزمان.

أجل.. إن شياب العراق ونخبه الشيابية المثقفة سيكونون عنوان الثورة المقبلة، وهم من سينقلون شرارة وحرارة تلك القيم الى المجتمع العراقي الى عقود قادمة، وستكون مدخلا لتغيير وطني شعبي عراقي، أرسى أول أسس لنظريات أخلاقية ووطنية عليا، بنت إستراتيجية السلوك المستقبلي التحرري المقدام الذي لا يعرف لغة الجبن والخوف، خارج نطاق الاحزاب وجماعاتها المسلحة ، وكأنهم يزرعون لدى الكبار الأمل والتطلع بأن شباب اليوم هم أجيال المستقبل الواعد الذي لايعرف المستحيل، وهو لن يكون في موائمة مع أية سلطة حاكمة جائرة، إن لم تكن عادلة مع شعبها وتوفر له الأمن الأمان والحرية والكرامة والعيش الرغيد.

وعلى إثر تلك الوقفات البطولية المشهودة ترسخت لدى شباب العراق وفتيانه اليافعين فكرة التمرد على الحاكم الطاغية وعلى قوى البغي والتسلط إن خرجت عن الطريق القويم ومارست التسلط والدكتاتورية أو أشاعت الفساد والرذيلة، وله من ساحات التظاهر بكل دمويتها وما واجهاته من ممارسات الاختطاف والتغييب وعدم احترام قيم الديمقراطية في أبسط أشكالها المثل الاعلى الذي يحتذى طريقا للصمود والمطاولة والثبات.

ولقد أعاد هذا الجيل الجديد فكرة الثورة لتغوص في أعماق وعي الاجيال الحاضرة والمستقبلية وتفكيرها المتنور، ولكي يكون بمقدور الاجيال المقبلة اذا ما واجهت إنحرافا كالذي يشهده العراق منذ 18 عاما أو يزيد ان يكون بمقدوره إزاحته من على واجهة السلطة، ولديه من المجتمع الدولي مايدعم توجهاتهم، وبخاصة أن الاجيال المقبلة لن ترضى بالذل والمهانة، ولن تقبل برغيف خبز مغمس بالمذلة، وهي التي رفعت رأسها من خلال ممارسات ثورة عميقة الأثر واجهت السلطة فيها بكل كبروتها واحزابها وبطشها والعصابات التي تدعمها وتقف وراءها كونها المستفيدة من واجهة الدكتاتورية وهي من أمدتها بوسائل الإستمرار لفترة أطول، ولولا أخطبوط الفساد ما بقيت تتمترس كل تلك الفترة وترتكب الموبقات واعمال القتل والترويع والاجرام بحق شعبها، وقد جرعته مرارة كل تلك السنوات العجاف، كؤوس الحنظل.

وما يسر الخواطر أنه ليس أجيال العراق فقط هي المستفيدة، بل هم رسموا خارطة طريق لأجيال المنطقة والعالم ربما، ليكونوا مثلهم الأعلى في مواجهة جبروت السلطة ودكتاتوريتها، عندما تمارس الإستبداد والطغيان وإذلال الشعب وكيف يثور الشعب ويثأر لكرامته، وكان أطفال العراق وشبابه المدرسة السلوكية النموذجية الايجابية المتقدمة في الوعي والسلوك، وهم من يتطلع اليهم العالم ليكونوا أنموذجهم المفضل، حيث ما أن يذكر العراق حتى تذكر بطولات ثوار ساحات التظاهر وكيف قدموا للعالم صورا رائعة في التضحية والفداء، والاصرار على انتزاع الحقوق وارغام السلطة على الاعتراف بحقوق شعبهم، وكيف أعادوا الوطن المسلوب من أيدي السلطة الغاشمة وأعادوه للشعب، بفضل صمودهم الإسطوري وعقولهم المبدعة التي تحملت أشد صنوف العذاب والضيم، الى أن تحقق لها الانتصار، في أنها هي من تفرض مطالبها على الحاكم، وما على الحاكم الا ان ينفذ مطالبهم المشروعة ويرضخ لإرادتهم، والا سيكون مصيره السقوط المريع، وأسقطوا حكومات ومتاريس سلطة، بإرادتهم الفولاذية التي صنعت المستحيل، وها هم ابطال العراق وشبابه أصبحوا مثلا أعلى لشباب العالم، وهو فخر للعراقيين جميعا أن من الله عليهم بمثل تلك الاجيال الشبابية المتفتحة صانعة البطولات والانتصارات والملاحم،وكان لها في سوح المواجهة مايرفع رأس كل عراقي الى السماء.

وساحات التظاهر لن يتوقف جريان نهرها المتدفق، وهي ستبقى مثل الشلالات التي يتدفق ماؤها العذب الهادر، وستبقى شمسها مضيئة، وزرعها يملأ الافاق بهجة وحبورا، فهم من رسموا خارطة طريق العراق نحو الخلاص من أنظمة العبودية والمذلة والمهانة الى حيث يشعر العراقيون بانهم أصحاب كرامة وغيرة قلما تجد لهم في الدنيا مثيلا.

ويؤكد قادة فكر ونخب مثقفة أن تلك الممارسات القيمية البالغة الأثر التي يراها أطفال العراق وشبابه في ساحات التظاهر، ستكون نبراس أؤلئك الفتية وسلوكهم اليومي في المستقبل عندما يكبرون، بعد إن تعلموا فنون الممارسات الديمقراطية وكيف يرسمون طريق مستقبل النهوض العراقي، وترى أطفال العراق ويافعوه يرددون أهازيج ساحات التظاهر ويقلدون ممارساتهم السلوكية الرجولية الاصيلة ليمنحونهم في المستقبل طاقة إضافية،بعد إن نهلوا من تلك السلوكيات الايجابية الفاعلة والمحببة الى نفوسهم، وكأنهم فرسان المرحلة وهم وسام عزها وشرفها، ومن يتفاخرون بها مع أهليهم ومع حبيباتهم على إنها المثل الطيب الذي زرعه شباب ساحات التظاهر، حيث سيكون معينا لا ينضب لهم لتمثل قيمهم وانماطهم السلوكية في البطولة والاقدام، وفي الاستفادة من عقولهم المتفتحة في رسم طريق مستقبلهم، وهم يتكئون على ماض عريق وحضارات زاهية وبطولات شعب عريق له جذور ضاربة في أعماق التاريخ، وثورة الشباب الحالية كرست لديهم الامل والحلم والبناء الاصيل، وهم من يتفاخرون بين أوسط مجتمعهم بأنهم الشبان الميامين القادرين على أن يعيدوا للوطن هيبته وللدولة مكانتها وأساسها المتين لكي يبقى بلدهم مصانا مهابا، لايخشى في الله لومة لائم.

وما يدخل في النفس السرور أن هؤلاء الشباب قد رفضوا أي شكل من أشكال الوصاية والتبعية للآخر، ورفضوا ان يكون العراق ذيلا تابعا لهذه الدولة او تلك، واستهجنوا صور العمالة التي غرق بها الساسة حتى آذانهم، وأكدوا أن العراق للعراقيين ولن يكون بلدهم من حصة أحد، او ذليلا تابعا لاحد يريد ان يتآمر على شعبه أو يهيمن على مقدراته، لا من ايران ولا من أميركا او دول الجوار الاخرى، فهم عراقيون أولا وأخيرا، ويرفضون ان يكونوا عبيدا لا سمح الله للآخر المتحكم في رقاب العراقيين ومن تسلطوا عليهم وحرمومهم من فرصة ان يبنوا وطنا كريما يرفل بالعز، وأصبح الولاء للعراق ولشعبه، ومن يريد ان يكون تابعا للآخر فليس له مكان في العراق الجديد.

بل أن مآثر ساحات التظاهر وما أفرزته من سلوكيات متنورة وأصيلة ، وأبطالها ثوار تشرين، هي أعادت بناء شعب بأكمله، فهي من أوقدت بين الكبار والوجهاء والنخب الثقافية بانهم أصبحوا منارة فخر بهذه الاجيال التي هبت واسهمت في رسم صورة هذا العنفوان الشامخ، لكي يهب الجميع لمساندتهم ودعمهم، واصبح لديهم قناعة أن شعبا يمتلك هكذا جيل وطني غيور على وطنه وشعبه، هو من يكون الأمل المرتجى في بناء العراق الشامخ الحر الكريم، لكي لاينام الظلم وعندما تغيب العدالة ويستشري الفساد الى حدود مرعبة ويتوقف نزيف الدم العراقي وسرقة ثروات الشعب، ويزيحوا تلك الغمامة التي جثمت على صدور العراقيين واعادتهم الى ظلام القرون الوسطى، لكن شباب العراق أاجياله الأبية رفضت كل تلك الممارسات غير الأخلاقية، بعد ان شعرت أن الظلم وغياب العدالة والعوز والفاقة إمتد بين العراقيين الى حدود مرعبة، وضاقت بهم سبل الحياة بعد إن بلغت القلوب الحناجر، ولم يعد للصبر من منزع كما يقال، إلا أن يثأر شباب العراق ويعيدوا رسم خارطة طريقهم الى حيث بلوغ الذرى، وهم يستحقون منا كل إجلال وتقدير، في انهم كانوا في مستوى الحلم العراقي الكبير، وهم من رسخوا إسطورة بطولة فريدة، أصبحت مفخرة العالم كله، الذي يحفظ لأجيال العراق أنهم البررة الأوفياء الذين حفظوا الارض والكرامة وصانوا الوطن وحافظوا على شرف العراقيات والعراقيت من الامتهان!

ويحفظ العراقيون لساحة الحبوبي في ذي قار وساحة التحرير في بغداد أنها كانت عنصر التوازن في معادلة البطولة العراقية، وهي من رفدت ساحات التظاهر في النجف وكربلاء والكوت والمثنى وبابل والديوانية والبصرة وميسان، بعناوين الشموخ والكبرياء، وقدمت كل الساحات شهداء بالمئات وجرحى ومصابين بعشرات الالوف، لتسجل عنوان مفخرة عراقية أصبحت محل فخر وتقدير عال، ولولا الناصرية ما صمدت ساحات التظاهر الاخرى، فهم القدح المعلى ابطال ساحة الحبوبي الذين كان لهم الفضل أن يثبت شباب بغداد بعد إن تعرضوا لمختلف صنوف القتل والترويع والاختطاف، كما حال أهل ذي قار وشبابها الأشاوس، وهم من أسهموا في ابقاء جذوة التظاهر مشتعلة، بعد إن أراد غربان السلطة والجماعات الخارجة عن القانون إطفاء نورها وجذوتها المتقدة الى أن حفظ الله شباب ذي قار والنجف وكربلاء وبغداد، التي تعد مصدر الثورة وشعلتها الوهاجة، فلهم من شعبهم العراقي الأبي كل الثناء والتقدير والعرفان بالجميل.

ويرى مراقبون أن ثورة شبابية تمتلك كل تلك المواصفات، يحق لها أن تكون الصوت الهادر وهي مثل أعلى لشعوب العالم والمنطقة، فهي محل فخرهم وثنائهم، وهم أي شباب العراق، من أعادوا الأمل لشعوب العالم أجمع التأكيد أن من يريد أن يواجه الطغيان وجبروته، فما عليه الا أن يتمثل بقيم ثوار العراق الأشاوس وبطولاتهم وممارساتهم السلمية طيلة أكثر من أربعة اشهر، فقد صنعوا فجرا عراقيا مكللا بالغار، وهم من تنحني لهم دول العالم إكراما لوقفتهم..وهم مثلها الأعلى على كل حال.

التعليقات مغلقة.