ثقافة الإساءة ومبدأ التجاهل

ابراهيم الخليفة

تُعد منصات التواصل الإجتماعي أحد البوابات الرئيسة التي طوت المسافات واختصرت الوقت، وأصبح العالم بمثابة طاولة صغيرة يتبادل المتحاورون الحديث عبرها، معززة بذلك مبدأ التفاعلية المباشرة وغير المباشرة حيث وجد المواطن نفسه امام فضاء سيبرياني مفتوح لا حكومات، لاوزارات إعلام ،لا حراس البوابة، فهو يسبر اغوار هذا الكون غير المتناهي  بحرية شبه مطلقة ، ولا رقيب إلا رقابة الضمير، وهو الاساس والأهم في حياتنا وتعاملاتنا اليومية مع بيئتنا، والبيئة الافتراضية، هذه تعد طفرة غير مسبوقة، في عالم الإنترنت ومنصات التواصل الإجتماعي وفرت فضاءات واسعة عبر العالم للحوار بين ثقافات الشعوب، وتبادل الآراء، ووجهات النظرحول الجو العام كتناول مسائل دولية، إقليمية ، أو محلية ذات شأن، ومحط أهتمام .

المتابع للحوارات بين جماعات الدردشة يدرك بأن هناك أسهاب في إستخدام المفردات النابية والألفاظ البذيئة غير الودية ،غير الحضارية ، وغير الإنسانية، بين المتحاورين، حتى أن القارىء نفسه يشعر بالخجل والاسى، عند مروره على هذه الشتائم والتجاوزات اللغوية ، والأكثر ايلاماً ، أن يرد  الجانب الثاني بكلمات أكثر وحشية وسوء، مما يعطي أنطباعاً عن مدى  المستوى المتدني  الذي بلغه المتحاوران ثقافياً وخلقيا وإجتماعيا ، منطقياً ليس من الحكمة  أن يكون الرد من نفس جنس العمل، بل يتوجب على المحاور أستخدم مفردات منتقاة بدقة  وبتروي ومعبرة ولاتحتمل التأويل ولا تضمر اي أساءة أوتقليل من شأن الشخص المقابل فهو ايضا إنسان ، لكن هذا يعتمد على عمق ثقافة وأدراك ووعي الشخص المتحاور نفسهِ. ولا يرتبط ذلك بمستوى معين من التعليم أو الثقافة أو الخلفية الأُسرية أو الدينية.

أن أرثنا الديني والثقافي كفيل بأن يجعلنا نُحسن ونُهذب اللغة التي نتحاور بها والمتحتوى الذي نوظفه في الحوار، والرد على أي أستفزاز لغوي أو فكري  بعيدًا عن التجريح والتسقيط، والاهانة أو الازدراء الديني، العرقي ، او الطائفي. وأن لا ننظر للشخص المقابل بانه خصم وأنما  بمثابة صديق حميم … وجاء في الذكر الحكيم “فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ” (34)(سورةُ فُصًلت ) ، معنى هذا أن التعامل الحسن قد يدفع الشخص المسيء لان يعدل من سلوكه وخطابه، والرد على المسيء بكلمات نابية  يعطي أنطباع غير جيد عنك، فاللغة العربية تحتوي على  ما يقارب ثلاثة ملايين مفردة هذا الكم الهائل من المفردات حري بيك أن تجد مفردة تعبر بها عن غضبك وعدم رضاءك على الشخص المسيء لك دون أن تجرح مشاعره بكلمة جارحة، بل باستخدام مفردة لاتحمل إساءة وأنما تحمل معنى يوصل فكرتك للشخص المقابل يكون وطئها أشد تأثيراً عليه من كلمة جارحة او عبارة مسيئة، ومن هنا نوجه دعوة لتحسين أسلوبنا في الحوار وتوظيف البراهين والوثائق والمعلومة الصحية بعيدا عن استخدام الإلفاظ المسيئة لكرامة الإنسان وآدميته وليس بالضروري اللجوء إلى ادوات الإبتزاز والتجريح لان هذه هي لغة الضعفاء المرتجفون واصحاب المحتوى الخطابي الفارغ.فتجاهل مثل هؤلاء به حكمة وبصيرة ولم اجد مفردة اختتم بها هذا المقال افضل من كلمة المفكر جبران خليل جبران ” لا اجيد ثقافة الاساءة …. لكن بالمقابل اتقن مبدأ التجاهل” ..وكما يقول “التجاهل انتقام راقِ، وصدقة جارية على فقراء الادب”.

 

التعليقات مغلقة.