تنظيم الاسرة هل بات خيارا واعدا

ابراهيم الخليفة

هل باتت فكرة  تنظيم  الاسرة  وتحديد النسل لدى  الأسرة العراقية  مسألة تستوجب الاهتمام والتأمل والتفكير الجدي بها ، من جانب الأسرة اولا، ثم المعنيين في النمو السكاني والتنمية، بضوء الحقائق الجديدة التي  طرأت على الوضع السياسي ،الاقتصادي ،الديموغرافي والبيئي الراهن ، وخاصة بعد أن  اشارت العديد من التحذيرات التي صدرت عن أكثر من مصدر محلي، ودولي وتوحي بوجود بوادر انفجار سكاني مستقبلي  في البلد ، أبرز ذلك ، التحذير الذي صدر عن ممثلة الأمم المتحدة للسكان في العراق ( ريتا كولومبيا ) والذي اشارت فيه إلى تسارع النمو السكاني وتضاعف شريحة الشباب في المجتمع إلى أكثر من (60 % ) عبر تصريح لها نشر بتاريخ 1 فبراير 2022 ، واقترحت في حينه  مجموعة من المعالجات لمجابهة هذه الظاهرة  من بينها تنظيم الأسرة ،تمكين الشباب وتعزيز مراكز الصحة الإنجابية لاستيعاب  الزيادة المتسارعة في السكان، إلا أنها تراجعت عن تحذيرها هذا، في بيان نشر بتاريخ 4 شباط من نفس العام  وعللت ذلك لخطأ في الترجمة ،ولكن وبكل الأحوال وجهة نظر المسؤولة الأممية محل تقدير.

أن تحذير المسؤولة الاممية لم يكن الوحيد بل سبقه وتبعه مجموعة من المؤشرات والمعطيات تتنبأ بأن البلاد متجهة نحو زيادة في السكان غير مستوعب، لا يتناسب وحجم التنمية وأهدافها ومعطيات الواقع،ويشكل ضغطا على الموارد الاقتصادية، عندما حذر رئيس الجمهوريه برهم صالح   من انفجار سكاني هائل يرافقه عجزاً مائياً يصل ل(10 ) مليارات متر مكعب  تنتظره البلاد في تصريح صدر بتاريخ 27 أبريل 2022، مضيفا أن الزيادة غير المنتظمة يكون لها سلبيات على البنية الأجتماعية، هذا إقرار ضمني بالزيادة غير النظامية للسكان، والبحث عن بدائل لمجابهة ذلك،  فيما حذر الخبير في الشأن الاقتصادي العراقي عامر الجواهري، من خطورة الانفجار السكاني في المرحلة المقبلة، نظرا لأن “معدلات الزيادة السنوية في الولادات وفق النسبة المعتمدة 2.6 تتراوح من ألف إلى 850 نسمة كحد أدنى للزيادة السنوية إلى مليون نسمة”.  وتوقعت مجلة “CEOWORLD 2021” الأميركية للإحصاء، أن يصل عدد سكان البلاد إلى 50 مليوناً و193 ألف نسمة في سنة 2030 ،والى أكثر من 70 مليون في العام 2050 ، ليحتل المرتبة (36 )عالمياً والمرتبة والرابعة عربياً من حيث عدد السكان ، بمعدل نمو سنوي يصل الى 1.0239 مليون نسمة..إذن الإطار العام يوحي بأن البلد مُقدم على أزمة سكانية غير محسوب لها، ولا حلول تلوح في الأفق.

الآثار السلبية للزيادة غير المنتظمة

ما من شك بوجود  توجه عالمي ترعاه الأمم المتحدة مفاده أن زيادة السكان يجب ان يكون مسيطر عليها وتتم وفق امكانيات وموارد البلاد الاقتصادية والتنموية، وليس بشكل عشوائي غير مدروس لتجنب الأزمات التي تنتج عن ذلك. وبالتالي ستكون  بمثابة عبء  له آثار سلبية عميقة تنعكس في ظهور تحديات عدة منها زيادة نسبة الفقر وآثار اجتماعية وبيئية عديدة، آخذين بنظر الأعتبار، أن تكاليف  ولادة كل طفل تكون باهضة على الأسرة متوسطة الدخل، وطبقا إلى معلومات وزارة التخطيط  الصادر في 19 شباط 2022. وتفيد “تبلغ نسبة الفقر( الآن) في البلاد ما بين( 23 – 25 %) وان هذه النسبة في زيادة في المناطق المحررة و تبلغ ما نسبته(41% ) تقريباً، بينما تبلغ نسبة الفقر في الجنوب (32%)، وتتربع  محافظة المثنى على عرش أعلى محافظة في نسبة الفقر بواقع (52% ) تليها الديوانية بنسبة ( 49%)، فيما دقت وزارة العمل ناقوس الخطر عندما أشارت بتاريخ  3 نيسان 2022 إلى أن عدداً كبيراً من الأسر العراقية ترزح تحت خط الفقر، والملاحظ أن نسبة الفقر تتنامى مع  السنين وزيادة نسبة السكان بدلا من معالجة الحالة ، قال في هذا الإطار الناطق بإسم وزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي بتاريخ19 فبراير 2022، إن “مناسيب الفقر متباينة ومتذبذبة بحسب الظروف التي يمر بها البلد”، “حيث بدأت الوزارة بمتابعة ملف الفقر بالتعاون مع البنك الدولي عام 2007 ، وكانت النسبة 22.5%، بضوء ذلك تم وضع أول خطة استراتيجية  لخفض نسبة الفقر في البلد، وفي نهاية 2013 بلغت النسبة 18% بناء على الخطة المرسومة”.  وأضاف، “في 2014 دخلت البلاد  في نفق الأزمة المزدوجة، تنظيم داعش الارهابي، وانخفاض أسعار البترول، وفي 2018 تم إطلاق الأستراتيجية الثانية وكانت نسبة الفقر تقريباً 22.5، فيما بلغت النسبة في 2019، 20%”، وفي عام 2020، دخل البلد في جائحة كوفيد – 19 وعادت الأمور إلى ما كانت عليه حيث بلغت النسبة 31.7%، وبعد عودة الحياة بدأت الحركة الأقتصادية بالنشاط وفي بداية 2021 وجدنا أن النسبة بلغت 25%”. بينما، “تبلغ نسبة الفقر (الآن ) ما بين 23 -25%،  إذن هنالك فشل وتبريرات.  يشير تقرير للبنك الدولي إلى أن نحو( 13) مليون عراقي، يكسبون يوميًا أقل من دولارين ، وبحسب آخر إحصائية رسمية لوزارة التخطيط فإنَّ ما يقارب (11) مليون عراقي يعيشون تحت خط الفقر. مقارنة بعدد نفوس البلد . وهذه نسبة كبيرة جراء عدم تنظيم السياسات السكانية مع التنمية، مع ان العراق بلد يمتلك .ثروة اقتصادية هائلة من موارد نفطية ، زراعية،مائية، حيوانية ، وثروة بشرية، يضاف إلى ذلك انعدام التوزيع العادل للثروات في البلد ، فيما أكد خبراء في الاقتصاد المحلي يوم 23 حزيران، ان 20 الف اسرة عراقية تنخرط تحت خط الفقر شهريا بسبب القرارات الحكومية.

 

غالبا ما تتسبب الزيادة السكانية في  ازدياد المشاكل الاجتماعية كالجريمة والمخدرات، وارتفاع  نسبة الأمية في المجتمع ، تكدس اعداد الطلبة في الصف الواحد  نتيجة عدم وجود ابنية مدرسية تستوعب الزيادة السنوية من الطلبة  وان وجدت فهي متهالكة ، مما يُجبر الطلبة في هذه الحالة التسرب من المدارس  والنزول لسوق العمل او للجريمة، اضافة إلى ذلك، ان المخرجات الدراسية تكون أقل من المستوى المطلوب  في التحصيل العلمي، يدعم هذه الحقيقة، مانسب إلى مدير قسم محو الأمية  في مدينة النجف أحمد الموسوي في تصريح لوسائل إعلام محلية  إن “عدد الأميين في العراق يبلغ (12) مليون شخص من مجموع سكان البلاد  البالغ  عددهم  تقديريا (  2,092,272, )، مليون نسمة، طبقا إلى Worl0Meter، بتاريخ 23 حزيران 2022، أنخفاض حصة الفرد من الثروات الطبيعية مثل المياه ، الأراضي الزراعية  الخصبة بالنسبة للمجتمعات الفلاحية ، والتي تعوض  بزيادة الأستيراد وبدوره يؤدي  للتلوث البيئي  وكذلك من الناتج القومي ، و حسب أحد  المقاييس العالمية تحتل بغداد  المركز السابع بالتلوث عالميا، والتي يبلغ عدد سكانها (8) مليون نسمة،وهذه مشكلة خطيره لها مردودات سلبية على البيئة وعلى صحة الإنسان والإنجاب. تفاقم مشاكل المرور، حيث تشير مصادر المرور بوجود أكثر من (7 ) مليون مركبة في البلاد عدا أقليم كردستان ،يضاف لها عدة ألوف من عربات التكتك والمركبات الأخرى وهي بالتالي تزيد من نسبة التلوث  والازدحامات المروريه، كما أن  الزيادة السكانية  تجعل من الصعوبة الحصول على ارض سكنية  ومنازل صحية للعيش فيها ، مما يعني التمدد على الأراضي الزراعية والفلاحية  ينتج عن ذلك  نقص المساحات الخضراء ارتفاع نسبة  الاحتباس الحراري، ونقص الأمطار يقابله  زحف التصحر يؤثر على 39%) من مجموع الأراضي الصالحة للزراعة  وتداعياته في هجرة القرى والأرياف والأراضي الزراعية والنتيجة  زيادة وتيرة العواصف الترابية كما هو الحال في العام الجاري 2022  ،نقص في الإنتاج الزراعي والحيواني المتأتي من نقص الموارد المائية  والزراعية ومن  المتوقع أن يصل العجز المائي (10.8 )مليار متر مكعب بحلول عام 2035 وفق دراسات وزارة الموارد المائية. يترافق مع الزيادة غير المدروسة في السكان زيادة الجرائم الناتجة عن البطالة و انخفاض فرص العمل واللتان  تدفعان بالشباب المخدرات أو الانتحار للتخلص من الواقع المر المعاش والجريمة  وفي إيجاز صحفي صدر يوم 25 حزيران عن وزارة العمل يفيد  بوجود  أكثر من مليون عاطل من مختلف الفئات وخريجي وزارتي التعليم العالي والتربية خلال المدة الماضية. .يشار إلى أن حالات الانتحار في العراق بدأت في الأزدياد منذ عام 2016، إذ بلغت في العام 2016، 393 حالة، وفي 2017 بلغت 462 حالة، وعام 2018 بلغت 530 حالة، و2019 بلغت 605 حالات وهي تتناسب مع الزيادة السكانية ،والتي يعود قسم منها لأسباب معيشية .

الاسباب التي تقف وراء زيادة عدد السكان في البلاد

تفيد دراسات الأمم المتحدة المعنية بالسكان،  بوجود زيادة كبيرة في النمو السكاني خلال الخمس والعشرين عاما الأخيرة وهذا يعود إلى  أسباب عدة منها تحسن الخدمات الصحية  والإنجابية المقدمة للأسر ، ينعكس في تحسن معتبر في متوسط عمر الأفراد من(8,16  إلى70.3 ) ، وانخفاض نسبة الوفيات من الأطفال من(27% إلى17%)، لكل 1000 مولود جديد. الزواج المبكر للأبناء الذي تعتمده الكثير من الأسر  والمرتبط بموروث اجتماعي والتباهي بعدد المواليد ،وفي نظر البعض  الزواج المبكر يحصن الافراد  من الانحراف،  مثلما هو حاصل في المجتمعات الريفية والقبلية .ارتفاع معدلات الأمية  الانجابية لدى أجيال الشباب.، والخصوبة المرتفعة لديهم من كلا الجنسين ،مما يعني انجاب مزيدا من المواليد الجدد، نقص الوعي بأهمية أن تكون هناك سيطرة على عدد المواليد الجدد ووفق الإمكانيات المادية لدى الزوجين . يضاف الى ذلك، ان تحسن الاوضاع الاقتصادية والمعيشية في البلد  مستقبلا يدفع بالشباب نحو الزواج والانجاب، إذن البلد أرضيته البيئية والاجتماعية خصبة لزيادة عدد السكانية تقف وراء ذلك عوامل اجتماعية وبيئة وبايلوجية. كما أن زواج غير البالغين وبأعداد كبيرة خارج المحاكم ،كان سبباً مهماً في ارتفاع معدلات الإنجاب غير المدروسة، خصوصاً في بعض المناطق الشعبية وأغلب مناطق الأرياف، وحتى معسكرات النازحين التي شهدت طفرات غير مسبوقة في الولادات لدى المقيمين فيها.

اذن الواقع الحالي ينذر بوجود فجوة كبيرة بين نمو عدد السكان وبين الامكانيات المادية لكل اسرة، وضرورة ان يكون هناك تناسب بين الطرفين وأهمية أن تضمن الأسرة لأبنائها من مستلزمات الحياة الكريمة  ، والحل النسبي لتجاوز هذه الاشكالية، اشكالية زيادة عدد السكان مع افتقار البنية التحتية لموجبات لاستيعاب هذه الزيادة  يكمن في حلول نسبية  ووفق  مفاهيم الامم المتحدة المتعلقة بالسكان ،المفهوم الاول تنظيم الاسرة والمفهوم الثاني تحديد النسل ،  ما المقصود بتنظيم الاسرة ، المقصود بتنظيم الاسرة  هو المباعدة بين فترات الحمل، أما تحديد النسل، فهو تحديد عدد معين للإنجاب، وهذا أمر ليس مرغوبا فيه؛ كونه يصطدم بـ مفاهيم واعراف دينية واجتماعية بنظر البعض.

الموقف الرسمي من  تحدد النسل

ان  اثارة موضوع تنظيم الاسرة وتحديد النسل في هذه المرحلة وعبرماتم رصده في منصات التواصل الاجتماعي من ردود افعال، قوبل بمواقف متباينه، وهناك من انتقده، دون أن يعي الأسباب التي تدعم ذلك وهم الغالبية، وهناك من استحسن الفكرة  ، اما فيما يتعلق بالموقف الرسمي  فهو يتضارب من فكرة تحديد النسل،  ووفق أحدث تصريح صادر عن وزارة التخطيط بتاريخ21 حزيران ، بأعتبارها الجهة القطاعية المسؤولة عن ذلك، نفت وجود توجه لتحديد النسل ،  جاء هذا الموقف ردة  فعل ، على ما تناقلته منصات التواصل الأجتماعي ووسائل أعلام اخرى” بشأن نية الوزارة اعتماد سياسة تحديد النسل والأكتفاء بمولدين لكل زوجين وفرض غرامة على المخالفين ” ، إلا أن الوزارة سرعان ماكذبت  ذلك، ومما جاء  في خبر نفي الوزارة …” تنفي وزارة التخطيط الأخبار التي تداولتها وسائل الإعلام ومواقع التواصل الأجتماعي، (اليوم)، والتي تفيد بنية الوزارة فرض سياسة تحديد النسل  .. فالخبر عار عن الصحة تماما، ولا توجد هكذا توجهات، لان عملية تحديد النسل، تمثل حقا من حقوق الأسرة، فضلا عن تعارضها مع منظومة القيم الدينية والأجتماعية للشعب العراقي  أنَّ “الزيادة السكانية مستمرة بوتيرة متصاعدة مما يتطلب السيطرة عليها”. وان “الوزارة تستعد بمناسبة اليوم العالمي للسكان خلال شهر تموز القادم لإطلاق وثيقة (السياسات السكانية) ، حيث تركز على تنظيم النسل والصحة الإنجابية، فضلاً عن العوامل المؤثرة في ذلك،  مع أن الوزارة لا تمتلك احصائية لعدد  سكان البلاد، لعدم وجود إحصاء رسمي، وإنما توجد تقديرات تخمينية تفيد  بحدود41 مليون نسمة، 50% منهم بعمر الانجاب،  وأقرت بصعوبة التقليل من معدلات الخصوبة،، دون أن تكون هناك سياسات مرسومة بهذا الشأن ليتم تخفيضها بشكل تدريجي، إذ لا يمكن فرض تحديد النسل ، لأنها تعد حقاً من حقوق الأسرة، لكن سيتم ذلك عن طريق برامج توعوية لتنظيم الصحة الإنجابية، والإشارة إلى خفض أعداد الولادات والتباعد بينها”. وهذه العملية لاعلاقة لها بما يسمى بتحديد النسل، فالاولى تعتمد على السياسات الرامية إلى رفع مستوى الوعي الأسري بضرورة تقليل عدد الولادات والمباعدة بينها، ويشارك في هذه العملية العديد من الجهات ذات العلاقة، من بينها وزارة الصحة والعمل والشؤون الاجتماعية، فضلا عن وسائل الاعلام ومنظمات المجتمع المدني، أما تحديد النسل، فيلزم تشريع قوانين ملزمة، وهذا غير وارد”. و يمكن أن  تضاف لمبررات تحديد النسل وتنظيم الأسرة. وان الوزارة “تعمل حاليا على تحديث الوثيقة الوطنية للسياسات السكانية، في ظل اقتراب العراق من الدخول في “الهبة الديموغرافية” التي يصبح فيها السكان النشطون اقتصاديا، يمثلون الشريحة الأكبر في المجتمع، وتتضمن هذه الوثيقة مجموعة من السياسات السكانية ومن بينها مايرتبط بعملية تنظيم الاسرة. اذن هذا هو الموقف الرسمي والمعلن من مفهوم تنظيم الاسرة وتحديد النسل.  ان القراءة لما بين السطور تفيد بوجود إقرار ضمني بزيادة غير منتظمة في عدد المواليد مما يتطلب حلول.والحلول تكمن في خيارين لاثالث لهم  تنظيم  المواليد اي المباعدة بينهما والخيار الاخر تحديد النسل..

نظرة مستقبلية

ليس  بالامر السهل ان تتبنى الأسرة العراقية فكرة تنظيم وتحديد النسل لعوامل عديدة منها الموروث الاجتماعي والديني، وثقافة الفرد والمجتمع، دون أن يتم النظر إلى  المخاطر التي تحدق بالأسرة اولا ثم المجتمع جراء نمو عدد السكان غير المسيطر عليه، ودون وجود خطط مستقبلية للتأقلم مع الوضع الجديد  ،ومن أجل  كبح جماح هذا الارتفاع الكبير في عدد السكان، والذي يشكل بدوره ضغط على الموارد الاقتصادية ، لابد من العودة قليلا للوراء، حيث سبق وأ ن أطلقت وزارة الصحة استراتيجية لتنظيم الأسرة بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان تمتد من عام 2021 وحتى عام 2025، تتضمن سلسلة خطوات تنسجم  مع وضعها المالي ويمنعها من الإقدام على الإنجاب من دون تخطيط.

أن فكرة تنظيم الأسرة او تحديد النسل تعد فكرة مستحدثة وغريبة نوعا ما على الأسرة العراقية ، وان القبول بالأفكار المستحدثة   تطلب اولا قبولا مسبقا من الغالبية العظمى في المجتمع قبل ان يتخذ الفرد قراره النهائي بقبول الفكرة،أو رفضها، وطبقا للدراسات الحديثة فإن تبني الفرد للأفكار المستحدثة  يمر عبر خمس مراحل اساسية  قبل اتخاذ القرار ،  هذه المراحل هي: مرحلة الشعور او الأحساس بالفكرة من خلال الواقع المعاش أو من خلال تجارب الآخرين،ثم الأهتمام  بالفكرة تليها تقييم الفكرة Evaluation وهنا تخضع للتجريب العقلي  ايجابيات وسلبيات من مختلف الجوانب،  مرحلة التجربة وهي ان يقوم الفرد بتجربة  الفكرة ولو على نطاق ضيق واخيرا مرحلة التبني  وهنا يتم اعتناق الفكرة  على نطاق واسع وطويل والعمل وفق  ما تحمله من افكار،  ولهذا تبني الفكرة الجديدة ( تنظيم وتحديد النسل) ليس بالامر الهين وخاصة في موضوع متعلق بالخلق والرزق فمن الناحية الدينية مسالة تنظيم او تحديد المواليد مسألة خلافية بين المذاهب الإسلامية ،هناك من يرى أن الأمر جائز بشرط رضا الزوجين عند وجود الحاجة إلى ذلك بشرط أن لا يكون السبب مخافة الفقر، وسوء الظن بالله، وهذا ليس موضوعنا.

أن  تنظيم الاسرة  وتحديد النسل مرهون بتشريع قانوني يصدر عن الجهات  التشريعية والتنفيذية ،لكن نجاح ذلك مناط  بوجود رغبة ووعي ذاتي عند الاسرة بأهمية ذلك ،و يتوجب أن يكون مسبوقا  بحملات إعلامية وتوعوية يشارك  فيها المؤسسات الدينية، قادة الرأي ، الجامعات ، منظمات المجتمع المدني ومنصات التواصل الاجتماعي، وجميع القطاعات ذات الشأن  يتم شرح فيها المبررات وكذلك سلبيات وايجابيات الحملة ومن الضروري الاستفادة من تجارب الدول الاخرى  التي نهجت هذا الإطار مثل ماليزيا وإندونيسيا  ومصر وغيرها .

الازمة السكانية قادمة لامحال اين الحلول الكفيلة بمعالجتها ولايبدو في الافق معالجات عملية لها، و للتخفيف من الآثار السلبية  لزيادة عدد السكان  يجب أن  تكون هناك رؤية  تتضمن مجموعة من المعالجات  على سبيل المثال   جلب مزيدا من الاستثمارات الخارجية  في قطاع  الاقتصاد، الصحة ،البيئة ، التعليم وغير ذلك، ويفترض ان يرافق النمو السكاني نمو في الموارد الاقتصادية نمو في الموارد الانتاجية، يقابل ذلك الآن  وجود تدن في الخدمات، تدني في الإنتاج  وزيادة في نسب الفقر، وزيادة في الفوارق  الطبقية بين المحافظات. ان زيادة السكان قد تكون عند بعض الدول  تعد ثروة و حالة ايجابية كما هو الحال في الصين عندما تكون هناك موازنة بين إمكانيات البلد الاقتصادية والتنموية والزيادة في عدد السكان  وهناك خطط استراتيجية للتعامل معها، على النقيض من الحالة الوطنية التي تواجه نموا متسارعا في عدد السكان لا يتناسب وما متوفر من بنى تحتية  في مجال الاقتصاد في مجال التعليم في مجال الصحة في مجال العمل وغير ذلك ، والمشكلة لا تكمن في إمكانيات البلد الاقتصادية الذي فيه امكانيات واعدة ، وإنما تكمن في سوء التخطيط الاستراتيجي الذي لا يقارن بين مشاريع التنمية الموجوده على الأرض ومدى توافقه مع الزيادة غير المنتظمة في عدد السكان، يعد اقتصاد البلد بأنه اقتصاد ريعي ويعيش المواطن  ظاهرة الاقتصاد العشوائي مهن لها اول وليس لها آخر ولا سند قانوني ولا ضرائب لا رعاية اجتماعية  ولا برامج صحية  بالمستوى المطلوب  تستوعب أعباء الزيادة السكانية غير المقننة،تدني مستوى التعليم الحكومي يقابله زيادة في التعليم الاهلي مما يعني تحمل الأسر اعباء مالية اضافية. ان  مواجهة مشكلة زيادة السكان والضغط الذي تفرضه على الموارد الموجودة  حاليا تتطلب  الزيادة في المشاريع الاقتصادية والاستثمارية  ، وضع خطط مستقبلية للتنمية تأخذ في الحسبان  الانفجار السكاني لكي تخدم المواطن، لان  أغلب خطط التنمية الموجودة حاليا  تنعدم استفادة المواطن منها  الآن نتيجة زيادة عدد السكان ،تدني دخل الفرد وسوء توزيع ثروات البلاد. ان البلد يعد من الدول الغنية بمواردها الطبيعية والاقتصادية والبشرية لكن غياب الارادة الوطنية في استثمار هذه القدرات ووضعها  في خدمة المجتمع ، وعدم الاستقرار السياسي والأمني وعدم توزيع عادل للثروات تنامي الخطاب الطائفي والمناطقي يعطل فرص الاستثمار  . بضوء المعطيات الموجودة على الأرض بات ضروريا على الأسرة العراقية التفكير بجدية بمفهوم تنظيم الأسرة وتحديد  النسل، مع الأخذ بعين الاعتبار هناك العديد من الأسر مكتفية بمولودين او ثلاثة ، وهي مسألة ذاتية، بهدف ضمان مستقبل أفضل لأطفالهم ، لان العبرة ليس بعدد المواليد ،وانما العبرة ان تضمن  للمواليد الجدد رعاية صحية ، وبيئية تتوافق ومفاهيم حقوق الإنسان، تعليم جيد بيئة صالحة للسكن وفرص عمل، ومع هذا يبقى خيار تنظيم او تحديد النسل مسالة مناطة في الأسرة نفسها مع غياب التشريعات التي تنظم ذلك.فليس من عين الحكمة ان يتم إنجاب أطفال دون ان تكون هناك ضمانة لتوفر فرص عيش كريمة وان لايكونوا عالة على المجتمع.والعلاج  يكمن في تقليل عدد المواليد مع فرص معيشية أفضل. إذن هي مسألة جديرة بالاهتمام.

اقرأ المزيد

التعليقات مغلقة.