تناصات (متحف النصوص) لصادق الطريحي

رنا صباح خليل

القص مثل باقي الآداب والفنون، امتداد معبر وجميل عن تفاصيل الواقع واضطراباته ضمن حلقة الزمن المعيش الذي تقع علينا مسؤولية تذوقه وفهمه، ولعلنا نستأنس هنا بمقولة كانط ” يسهل عليك أن تكشف شيئا ما بعد أن يكون قد اشير عليك في أي اتجاه ينبغي ان تنظر لكي تراه” وتأسيسًا على ذلك علينا أن نبتكر طريقة تجعل المتلقي والكاتب في مقياس مفاهيمي متقارب أو ربما واحد لأنّ المشترك بين الإثنين هو النص نفسه.

وفي قراءتنا لنصوص هذه المجموعة القصصية الصادرة عن دار الشؤون الثقافية العامة للقاص (صادق الطريحي) نجد أنّ لظاهرة التناص حضورًا بارزًا في قصصه، حيث جاءت ذات دلالات ساعدت على تكامل العمل القصصي، ركز القاص فيها على مجمل القضايا الاجتماعية والفكرية متجنبًا المناطق الخلافية من الناحيتين السياقية و الدلالية على السواء، كان ساعيًا إلى خلق إيقاعات هادئة تجعل من اللفظ  المتداول وعاءً صنع على مقاس المعنى، وما ساعد على ذلك أنّ  تدخلات السارد المباشرة تنهض في أغلب القصص بمهمة السارد العليم بكل شيء وفقا لليومي المعيش ببساطته، والتاريخي المدون والمعروف في الذهنية الثقافية والشعبية، وقد كان للتناص الديني أثره البالغ في البناء القصصي وشغل مساحة واسعة تنسجم والمنحى الجمالي الفني وتشكيله .

التناص القرآني في المجموعة القصصية

لا شك في أنّ التناص  مع القرآن الكريم له اهدافه الجمالية والأدبية، لأن أسلوب القرآن هو الأسلوب الأمثل للغة العربية وقد اتبع ذلك (صادق الطريحي ) وهو يقدم لنا مجموعته الزاخرة بهذا الأسلوب معتمدًا التناص الداخلي الذي يلتزم استخدام مفهوم الآية القرآنية في دلائل وتراكيب لغوية مفاهيمية أخرى تعطي النص رونقًا ورصانة، ففي قصة (جماعة الريف) يذكر رسامين مجهولين كجهلنا لإخوان الصفا، وهم يقيمون معرضًا يحج اليه الناس على مدار ثلاثمائة ساعة وهي تزداد تسعًا في بعض المصادر، وقد جاء التناص هنا مع القصة التي ذكرت في سورة الكهف حول الصبية الذين آمنوا بالله فتركوا قريتهم وناموا في الكهف الذي آواهم سنينا غير معروف عددها، وقد جاء في قوله تعالى {سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا } (سورة الكهف، 22).

وفي قوله تعالى {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا} (سورة الكهف، 25). اما عن كيفية استخدام القاص لهذه الفكرة فقد جاء كالاتي: ” فمنهم من يقول إنهم أربعة وخامسهم امرأة، ومنهم من يقول إنهم سبعة وثامنهم المعلم، ومنهم من يقول إنهم اثنا عشر تلميذًا يتبعون المعلم مع زوجته,  (عشيقته في بعض المصادر) ” (المجموعة ص 24)، وفي مقطع آخر يقول : ” وثمة ظاهرة لافتة للنظر في المعرض، هي استمراره ليل نهار دون انقطاع، وأنّ الفنانين موجودون فيه جميعًا، إذ لبثوا في معرضهم ثلاثمائة ساعة (وازدادت تسعًا في بعض المصادر) ” (المجموعة ص 26).

اتخذ النص القرآني الكهف مكانًا لإقامة الصبية أمّا القاص فقد استخدم البيت في وسط المدينة مكانًا لإقامة المعرض، وبدلالة البيت استطاع السارد الخروج نحو الحداثة، و التجريب من خلال الشرح والتعليق على صور المعرض، ليدخلنا من جديد في تناص قرآني آخر عن طريق تعليقه على الصورة الأخيرة التي كانت   ” تمثل امرأة شابة، جميلة وقوية، كآلهة سومرية عليها أساور من فضة، تلبس ثوبًا من الحرير الأخضر مخرمًا بنقوش لأزهار برية يجسد مفاتنها، ويكشف عن زنديها البضين، وقد رفعت ثوبها قليلًا كأنها في لجة، فكشفت عن ساقيها الناصعتين، أجاد المصور رسم ملامح وجهها لتعبر عن الانتظار، هل كانت واثقة أنه سوف يأتي؟ أجابت النسبة الأكثر من العينة : إنّ ملامحها تعبر عن ذلك، ولكن من هو الذي سيأتي؟ ” (المجموعة ، ص 28). وفي هذا المقطع تناص اقتباسي جزئي محور مع قصة النبي سليمان والملكة بلقيس في قوله تعالى {قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (النمل 44) .

إنّ الاشتغال الأدبي في هذا التناص قد الزمه القاص صفة الانتظار كي يظهر براعة في صياغة الفكرة، فالصورة في اللوحة كانت فيها ملامح المرأة تعبر عن ترقبها لحضور الحبيب أو فارس احلامها، بينما في النص القرآني لم تكن الملكة بلقيس في حالة انتظار، بل إنّ النبيّ سليمان هو من كان ينتظرها، وفي ذلك تناص داخلي في اعتماد الفكرة والمفهوم ، وخارجي باستخدام لفظ (لجة، كشفت عن ساقيها).

في قصة (الاغتسال في البحيرة ) يصف القاص حالة من الخوف والاضطراب الذي يحل بإحدى الأسر بسبب الفيضان على أثر هطول المطر، مما يجعلهم يخرجون من قريتهم الى مدينة أخرى، وعند الوصول يقول الأب لابنه : ” أنت ابني البكر، المزارع الشجاع فسوف تدخل المدينة مع أهلك آمنا مطمئنا ” (المجموعة، ص 32) وفي ذلك تمني الأمان والاطمئنان من لدن الأب لابنه وأسرته وهذا التمني يشابه ما تمناه نبي الله إبراهيم في دعائه لمكة أن تكون محل أمان واطمئنان  ورزق بعد أن وضع زوجته هاجر فيها ودعا ربه قائلًا {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}  (سورة البقرة، 126).

وفي القصة نفسها ذكر القاص عبارة ” وقل لمن يأتيك من كل زقاق بعيد ” (المجموعة، ص 32). وفيها تناص خارجي مع قوله تعالى {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} (سورة الحج الآية  27).  إنّ الدعوة للحج التي يأمر الله بها الناس كي يزوروا بيته، تتناص معها دعوة الأب للناس بعدما يصف لابنه البيت الذي كان يحرسه ليذهب اليه ابنه ومن معه من الناس اتقاء من الفيضان، فنجد كفة التوصيف في المقامين متوازية ذلك أنهما اعتمدا على ثيمة الأمان والاطمئنان؛ فبيت الله آمن منذ دعاء نبيه إبراهيم، والبيت في المدينة آمن أيضا بيقين حارسه، والمقصود هنا الأب.

إنّ قدرة القاص على ايراد أكثر من تناص قرآني في القصة الواحدة جاء بتقنية أدبية عالية، إذ أن النص لا يُكتب من خلال رؤية مبدعيه فقط، بل من خلال نصوص أدبية فنية أخرى، فالتناص يشكل مجموعة استدعاءات خارج نصية تندمج في النص الجديد بعد عدة تحويلات؛ لأنّ التناص ليس مجرد تجميع، بل هو تصيير واذابة لإعادة سبك نص جديد متشكل.

ينتقل بنا القاص في القصة نفسها نحو قصة نبي الله موسى عليه السلام في قوله تعالى { قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى} (سورة طه، 46). وفيها يخبر الله تعالى نبيه موسى واخاه هارون أنه معهما يسمع ويرى ما يقولانه لفرعون كي يطمئنهما، أما في القصة فيذكر القاص ” افعل ما امرك به، تكن مثلي تبصر الحدث قبل ان يكون، وانا معك أسمع وارى” (المجموعة، ص 32). وهنا جاء الحديث على لسان الأب لابنه كي يبعث السكينة الى قلبه على أنه معه يعاضده ويؤازره، وبذلك تحكم علاقة المماثلة في الفكرة والدلالة للعلاقة التناصية مع النص الجديد فمحاورة النص هنا لنص آخر (النص الديني) تستثمر لصالح النص الحاضر عبر عملية تحويل يحكمها مبدأ المماثلة والمشابهة في المضمون، وهو ما يبرر وجود  التعالق التناصي ويعززه، فالعلاقة في هذا الموضع ليست نسخ نص ديني مقدس في نص أدبي جديد، وانما تأتي من خلال المماثلة؛ فطمأنة الله لنبيه ارتبطت بحدث احتفظ بحضوره في الذاكرة الجمعية حضورًا جعله يأتي متعايشًا مع الحاضر وغير متناقض مع ما يمثله من طمأنة الأب لابنه.

ارتبط القاص في نصوصه بشكل مكثف بثيمة الحرب وافرازاتها، وقد استخدم التناص استخداما ذكيًا حين ماثل ما بين قصة نقل جندي أصيب ففقد جزءا من قدمه اليمنى، وبين تمني رفاقه ما أصابه أن يصيبهم كي يتخلصوا من هول الانفجارات والمعارك في جبهات القتال، إذ إنه نقل الى دائرة تعنى بالأسماء المفقودة وفيها موظفات جميلات، وقد نسب للعمل كاتبًا في غرفة السجلات، وعندما شاهدته الموظفات قلن: ” سبحان الله، ما هذا جنديًا، إن هو إلا كاتب كريم! ” (المجموعة ، ص 41). وما معلوم بداهة أنّ هذا القول يذكرنا بما قالته النسوة حين دخل عليهن النبي يوسف عليه السلام بأمر زوجة عزيز مصر (زليخة) {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} (سورة يوسف، 31). وتلك قصة معروفة في القرآن الكريم، والتناص هنا جاء على صيغة التناص الاقتباسي الجزئي المحور وهو الذي يعمد فيه القاص الى نص مستقل فيقطع جزءًا من سياقه ويضعه في نصه اللاحق بعد أن يغير في بنيته الاصلية، فيزيد فيها أو ينقص ويقدم أو يؤخر سواء كان هذا التغيير او التحوير بسيطًا ام معقدا (1) ” فالإحالة أحيانا تأتي لنقل القارئ من جو الواقع المعيش الى أجواء قديمة تراثية يجد الكاتب ان التعبير القرآني خير وسيلة لتحقيقها بما ينسجم والوضع الذي تحياه الشخصية واللغة التي تفصح بها عن افكارها”(2).

ويبدو لي إنّ القاص قد اتخذ الماضي هيكلا معماريًا لفضح الممارسات الحاضرة بظلمها وقساوتها؛ فالتجاء الطريحي في قصصه نحو الموروث الديني يعود الى الفئة التي يوجه اليها الخطاب الأدبي ومن ذلك ما تعرض اليه المثقف في ظل الدكتاتوريات من ظلم وتهميش بات مفضوحًا،  وما كان  استدعاؤه للنص الديني الّا دليل سيادة الجملة والمفردة القرآنية التي ترتبط بالكاتب قسرًا؛ إذ أنّ القاص اجتر قصة يوسف عليه السلام بمفهومها وبعضًا من لغتها الى قصته وما اقصده هنا قصة غدر اخوته به ورميه في الجب، ومن ثم نجاته عن طريق السيارة المارين قرب الجب لينتج قصه في (تدوين الدولة الشرقية) التي يقول فيها :

” كانوا أحد عشر رجلًا، رموني في الجب، فسقطت نحو الأسفل، حرًا، سريعًا .. سريعًا ككوابيس الطفولة عندما أصاب بالحمى، حتى استقر جسدي في نهاية دهليز مظلم، وقلت في نفسي : ” لا سبيل للخروج هذه المرة. بقيت مستيقظًا حتى الصباح، مرّت سيارة قرب الجب، ومرّت سيارة أخرى، وأخرى، أيقنت أنني أقبع تحت مرآب السيارات، وحتمًا ستأتي سيارة منه لتأخذني نحو السجن، فأمكث فيه سنينًا عددا؛ مرّت سيارة أخرى قبل أن يتدفق الضوء فيملأ الدهليز بصخب المحققين ذوي الملابس المترفة، وحركة السجانين الغلاظ الذين نادوني بقسوة أن أصعد إليهم :

ـ يا يوسف بن هدية، يـا يوسف بن هديــــة، يــــة .

ـ يا يوسف بن هدية، يــا يـوسف بن هـــدية، هديـــــــــة .

أبصرت في هذه اللحظة فقط، أنّ الدهليز يحتوى على سلم يقود حيث سقط الضوء على وجهي بسطوع عالٍ، دون أن أبصر المحقق الذي بدأ بفتح السجل لتدوين إفادتي.

ـ ما اسمك؟

ـ يوسف عبد الله.

ـ عمرك؟

ـ خمسة عشر عامًا.

ـ لمن هذه الكتب والأوراق؟

ـ إنها تعود إلى أبي.

ـ أين هو الآن؟

ـ دعسته سيارة فاقدة البصر، وقبره الآن في …

ـ يكفي! يكفي! … وأين قميصك؟

ـ رأيت عليه دمًا بعد أن سحبوني من الغرفة، ولم أره بعد أن رموني في الجب. ” (المجموعة، ص 63 ـ 64)

والقاص نظر إلى قصة يوسف وغيرها، على أنها حكايات ذات طابع قصصي موازية لأحداث روايته، تنادي باعلى صوتها لتحقيق الحرية والعدالة ومحاربة القمع والجهل فالبطل في القصة هو قارئ مخطوطات وكتب بعضها ممنوعة في ظل نظام سياسي قمعي اتخذها حجة لاعتقاله بعدما أراد تأليف كتابٍ من قبله معتمدًا فيه على تلك المخطوطات والكتب.

والنص القصصي الذي أمامنا حافظ على المعنى العام لقصة النبي يوسف مع إخوته الذين غدروا به ورموه في الجب؛ فالذين ألقوا القبض على بطل القصة لدى الطريحي هم أبناء جلدته واخوته أيضا ويجمعه بهم وطن واحد إلّا أنهم منصاعون لنظام قسري ظالم؛ وقد جاء الاستدعاء هنا ليصف ما يحدث في المجتمع المعني بالقص لتكون العلاقة هنا علاقة تشابه تضم مجتمعين، الاول وهو السابق القرآني، والثاني مجتمع القاص وللاستشهاد على كلامنا لا بد من ذكر النص القرآني الذي جاء فيه { قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ } (سورة يوسف، 10). { فلَمَا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } (سورة يوسف،15 )

{وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُون}( سورة يوسف، 18).

وعند رجوعنا الى تكملة القص نجد القاص يحيلنا تناصيًا إلى قصة اخرى من قصص القرآن فيذكر في القصة نفسها: ” ولم أدر حتى اللحظة اين انا، حتى ناداني المحقق من وراء جدار زجاجي كأنه قمر دري: ـ أنت في المكتب المسدس وشى” (المجموعة، ص 65) .

وهذه العبارات تتناص إشاريًا مع قوله تعالى {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} (سورة طه، 12). ولعل طريقة الاختلاف على الخصوص وتحوير النصوص القرآنية انما هي وسيلة لمخاطبة تغيير يمس الدلالة فعملية توظيف النص القرآني تأخذ اتجاهين احدهما مغاير والاخر محافظ(3).

لا يخفى ما في النص القرآني في هذه الآية من تهدئة للنبي موسى من قبل ربه أن لا يخاف، والمعنى هنا مغاير لما جاء في القص، فالغرفة التي يصفها القاص توصيفا يستخدم فيه مفردة قرآنية أخرى من آية أخرى وهي (قمر دريّ) فكلمة دريّ يصف الله عز وجل فيها نوره {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ} (سورة النور،35).  فجاء المعنى على النقيض عند القاص حين يذكر غرفة التحقيق التي على الرغم من وصفه لها توصيفا جميلا إلّا أنها تكاد تخلو من أية طمأنينة بل هي مكان للخوف في ظل سيادة التجني والظلم واعتمد القاص التناص الإقتباسي الجزئي المحور في هذا الموقع.

ولعله كلما كان التناص وليد العفوية والتلقائية التي يفرضها لاوعي الكاتب مستهدفّا فكرة معينة تدور في ذهنه وحاجة آنية تلح عليه أثناء السرد وسياقه، يكون التناص أجمل وأرسخ وأكثر انسجامًا ففي قصة (أمي أول من يعلم) يطرح القاص قضية دعاء الأمهات للأبناء لتكون النواة التي بني عليها القص واخذ في اشتغاله عليها مساحة تمتد حتى النهاية وحين يذكر الاستجابة لها من قبل الله يقول ( وكشف عنها السوء) أي بعد أن حقق أمانيها بأن يتخرج ابنها في الكلية ويرزق بزوجة صالحة ويتعين في الدولة وأن يكون مولوده الأول ذكرًا وهي أمنيات طبيعية تكتنف قلوب الأمهات جميعًا، وقد ورد هذا اللفظ وبالمعنى نفسه، أي أن التناص اقتباسي كلي غير محور في قوله تعالى {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلا مَّا تَذَكَّرُون} (سورة النمل 62) .

واستطاع السارد أن يجتلب الوحدات السردية التي لها قوة قادرة على إضاءة الشخصية وبلورة رؤاها، فالأم متيقنة من أنّ (الخضر) الذي تذكره الامهات في موروثنا الديني الشعبي سيكون حاضرًا عند الملمات والشدائد وهو الذي سينجي ابنها في نهاية القص، بعدما يختطف من قبل مجهولين فتكون اللازمة التي ترددها الأم (ها يالخضر، جاك النذر، رجع أوليدي العصر) وربما حاول القاص أن يبرز لا معقولية ما يجري حين استعان بثيمة تشبث الأم بالخضر وطلب العون منه، ذلك أنه يخرج من المعسكر في إجازة مع جنود آخرين فيختطفون الى جهة مجهولة، وهذه اللامعقولية ليس لها بديل يعبر عنها سوى النص المنزل من الله الذي بقدرته أنجاهم من موت محقق وبذلك يمثل الكاتب وعيا محايدا، عندما يصبح السياسي اليومي في الواقع المعيش أشبه بألغاز وأحجيات وما يحتاجه يكون أشبه بتخريج يمايز بين المستوى المعرفي للعقل والقلب، فالجندي الذي نطق الآية {ولا تهنوا ولا تحزنوا وانت الأعلون} (سورة ال عمران،139) جاء بها القاص تضمينا في قصته والتضمين أحد أشكال التناص، اتخذه القاص بغية نقل التعبيرات المتزامنة مع الحالة التي تستوجب الخوف والهلع فذكر الآية نصا كاملا بلا نقصان أو زيادة أو تحريف، وكانت غايته اللجوء نحو الإيمان بخصوصية علوهم عند الله لأنهم اصحاب حق بالحياة وهذا ما جعل النص يفرض نفسه بخصائصه الابداعية على مستوى البنية والموضوع.

وفي موضع آخر يكون التخريج التناصي على وفق التضمين أيضًا وبالطريقة نفسها، وفي القصة عينها على لسان أحد الجنود وهو يحاول طمأنة صاحبه فيقول له (لا تحزن إنّ الله معنا) وهي الآية التي تصف حال النبي محمد(ص) وهو في الغار مع صاحبه (ابو بكر) وهو يقول له هذا القول الذي جاء في القرآن الكريم     { إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } (سورة التوبة، 40) .  وتتضح بالمقارنة بين القصتين الأولى التي هي في القرآن والثانية التي هي القصة محل اشتغالنا الوحدات السردية التالية:

القصة الأولى القصة الثانية
1ـ هروب النبي محمد (ص) مع صاحبه من المشركين للخلاص من شرهم بعدما ارادوا قتله.

2ـ الاختباء في غار في الصحراء

3ـ المخاطبة بين النبي محمد(ص) وصاحبه.

4ـ يحاول النبي طمأنة صاحبه   بسبب خوفه  من اذى المشركين لهم.

5ـ انزل الله سكينته على أبي بكر والنبي وايدهما بجنود لم يروهما.

1ـ محاولة الخلاص من خاطفين مجهولين يحاولون قتل المختطفين.

2ـ اوقفوهم في طريق ترابي سيفضي الى ارض زراعية واسعة ثم الى دجلة.

3ـ المخاطبة بين جندي وصاحبه.

4ـ يحاول الجندي طمأنة صاحبه من اذى الخاطفين.

5ـ أنزل الله سكينته على الجندي وتراءى له وجود الخضر عليه السلام معهم .

 

 

يتضح لنا أنّ القاص استثمر التراث وهو ممتص لمفهومه، محولا إياه الى حامل لفكرته الكبرى : القمع والظلم على كل المستويات السياسية والاجتماعية على وفق تسلسل عجيب من الصور والافعال والكلام.

اما في نص (مساومة ) فنرى ان القاص اراد ان يأتي بقصيدة من خلال نصه الا انه اخفق في ذلك، ولا يمكن لنا أن نقرأ نصه إلّا ونخرجه على أنه قصة قصيرة جدا، إذ أنّ القاص قد ضمن مجموعته العديد من القص القصير جدا، وجاء تطرقنا للنص لاستدعاء القاص آيتين من سورة الرحمن في نصه، وبالدلالة القرآنية نفسها مستخدما التناص الإقتباسي الجزئي المحور وفي الآية الكريمة يعد الله من يدخل جنته بحور عين وفي القصة التي بين ايدينا وصف لعملية بيع وشراء لامرأة تحدث المساومة عليها ويقدمها القاص بطريقة فنطازية فيقول: ” ـ هي بيضاءُ كالحور العين ..

ـ وما تطلبه من دراهمَ غير معقول ..

ـ لم يطمثها إنسٌ قبلك ولا جان ..

ـ وهل تحسن الرّقصَ؟

ـ بلى يا مولاي، كأنها من قاصرات الطّرف. “( المجموعة، ص 158).

جاء التداخل النصي مع الآية القرآنية { فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ } (سورة الرحمن، 56). ولا يخفى ما في النص من إدانة للفعل واستهجانه، فالبائع يُرغب الشاري بانه إن علمها الصلاة سيحصل على عشرة من أمثالها في الجنة وهذا الترغيب اتخذ له مكانًا من الحوار بحيث أصبح بنية ضمنية راسخة فيه مع احتفاظه بالدلالة الأصلية التي يريد ايصالها القاص الينا والتي مكنونها غلبة الطمع على الجانب الانساني حتى في غيبيات الأمور التي هي في يد الله كالوعيد بالجنة وما بها.

جملة تناصات تشغل قصة (متحف النصوص)

القصة التي حملت اسم (متحف النصوص) والتي تبنت اسم المجموعة القصصية أجدها متحفا للتناصات، فقد اشتغل القاص فيها مجموعة تعالقات تناصية جعلتني أفردها في موضوع مستقل، ففيها تناص اقتباسي وإشاري وبأنواعهما المتفرعة وسنتناولها منفردة .

حفلت المجموعة القصصية بأسماء أعلام معروفة في الذاكرة الجمعية الثقافية جعل منها القاص مادة ثرية مع منجزهم الثقافي والأدبي كي يتزود بما قرأه عنهم ولهم، ليكون لهم باع في قصه وأفكاره، ومنهم (محمد خضير، وجليل القيسي، ونجيب محفوظ، وسركون بولص، وجمعة اللامي، وادجار الن بو، وليونارد ويلي، والمنقب الآثاري لورانس، ومحمود جنداري، وعبد الخالق الركابي، وأرنسنت همنغواي، …) ومرد ذلك يرجع إلى إننا إن نظرنا للموضوع بتمعن نجد أنّ التناص  يأخذ دور المحول للنصوص ” بتمطيطها او تكثيفها بقصد مناقضة خصائصها ودلالتها او بهدف تعضيدها ” (4) وبما أنّ التناص ” يعد بنية سطحية وليس بنية عميقة “ (5) اتخذ الكاتب من اسمائه اللامعة ومنجزهم دالة كتابية بغية الوصول الى التشابه والتناقض والتوتر والصراع كي يحقق البنية العميقة في اشتغاله إذ ان للنص بنيتين، سطحية ظاهرة وعميقة خفية.

بطريقة فنطازية يتناص الكاتب مع كتاب (عصر المدن) لمحمود جنداري فيذهب في رحلة يتجول في مدينة مع أبيه بأسواقها وأزقتها وبيوتاتها وتشكيلاتها الزخرفية وناسها فيكون وصوله إلى المدينة قبل وصول الطاعون اليها بقليل، فيذكر انها (خاوية على عروشها) وهي جملة مقتبسة اقتباسا كليا من الآية {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} (سورة البقرة، 259).

أما جملة النساء اللاتي كشفن عن وجوههن بعدما وجدن ان المدينة خالية من البشر من دون اعتراض الأب فتتناص تناص امتصاصي مع الآية {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ…}  (النور 31).

إذ يقتضي التناص الامتصاصي ان يستلهم القاص مضمون نص سابق او مغزاه او فكرته ويقوم بإعادته من جديد بعد امتصاصه وتغييره من دون أن يكون في النص الجديد حضور لفظي او ذكر صريح للنص السابق (6).

اللافت في هذه القصة (متحف النصوص) تشابك الحقائق القرآنية مع الحقائق التاريخية والموروث الديني الشعبي، بات الطريحي يجمعها في قالب قصصي واحد منسجم، فكل حقيقة مشابهة فيها تستدعي حقيقة أخرى، فما نجده من تكرار بأكثر من موقع لقصة النبي يوسف واخوته يبرره أنها من القصص التي اخذت مساحة شاسعة في الفكر والذائقة الجمعية عند المثقفين وعامة الناس، وكان ذلك من خلال المفردة أو التركيب  فهو يذكر أهمية الابن عند أبيه دونا عن اخوته، ومن ثم فهو يأخذه معه الى البلد الأمين وهي (جملة قرآنية) المقصود بها مكة المكرمة في النص القرآني، وكان ذلك في القص كي لا يأخذه اخوته في رحلتهم المزعومة، وباقتناص ذكي للمفردة يأتي السارد  بدالته التي أجاد باختيار موضعها ليقول (لا ليرتعوا  ويلعبوا، بل بحثا عن نص الخلود) فاستخدم التناص الاشاري بالعلامة اللسانية (يرتع، يلعب) ولعل طريقة الاختلاف على الخصوص وتحوير النصوص القرآنية، انما هي وسيلة لمخاطبة الماضي للحاضر بعد اجراء الاختلاف في الدلالة، فقضية الغيرة والحقد بين الإخوة ظاهرة تتكرر على مرّ الازمان.

من التناصات التي حفلت بها القصة أيضا التناص الإشاري بالصورة والاستعانة بالموروث الديني الشعبي باستثمار القاص قصة النبي موسى عليه السلام مع الخضر ومن ثم ربط ذلك بما ترسخ في اذهان الناس ضمن موروثهم الديني من صلة بينه وبين صاحب الزمان الموعود، طرح السارد ذلك على وفق قصه باتخاذ شيفرات دلالية تغذي النص ومنها:

اولاً: ان البطل خلال رحلته مرّ بمسجد فيحدثه خادم المسجد بان بدويا شرب من الكوز واخبره بان الماء لم يبدل من الليلة السابقة وهو أمر غير معروف اكتشفه البدوي الذي يختفي بعدها فيخبرهم شخص ما انه صاحب الزمان .

ثانيا: اتخذ القاص الخادم في القصة دالة تناصية بعد انتباهه متعجبا انه قد نسي استبدال الماء مع خادم النبي موسى الذي نسي غداءهما عند الحوت فرجع كي يلاقي الخضر. وقد وردت القصة في الآيات {فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (64) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا} (الكهف 62 الى 68) .

وقد ورد التناص الاشاري بالعلامة اللسانية في القصة نفسها عند قول القاص (ووجدنا عنده قوما يغتسلون في عين بيضاء) والدالة اللسانية هنا (عين بيضاء) التي وردت في الآية {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا} (الكهف، 86) .

وورد ايضا على لسان السارد: ” ألا تود أن تخلفني في هذه الأرض، فتحمل اسمي! أنت أفضل إخوتك، ولك معرفة بالحساب والتأريخ والأدب، وهم يحتاجون هنا إلى مساعد ماهر لـ  نون الموصليّ،  ومن هو نون الموصليّ يا أبي؟ ” (المجموعة، ص 75). وهنا على الرغم من تفضيل الأب لابنه وهو ما يتناص مع تفضيل النبي يعقوب لابنه يوسف عليه السلام الا أنّ هناك علامة ودالة لسانية في لفظة (نون) التي تفضي الى النبي يونس عليه السلام وما يدلل على قولنا هذا القيام  بمداواة الاطفال من مرض جلدي، وما معروف لدينا في موروثنا الديني ان النبي يونس كان مصابا بجلده عندما خرج من بطن الحوت.

وفي قول القاص (حيانا بتحية السلام ورددنا عليه بأحسن منها) فقد استخدم التناص الاقتباسي الجزئي المحور الذي يتناص مع الآية القرآنية {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا} (النساء 86) وهذا النوع من التناص يكثر منه القاص فقد ذكره مرة اخرى في القصة نفسها عند قوله: (سرنا في غابة عظيمة من النخل والكروم والحمضيات، واستوقفتني كثيرا خضرة اشجار الزيتون، والوجوه الناضرة للأطفال الناظرة) وهي تتعالق نصيا مع الآية القرآنية {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} (القيامة 22 ـ 23).

 

التناص من خلال تعدد الاجناس في قص الطريحي

يثقل القاص قصه بهموم السرد في قصص عدة من ضمن المجموعة على وفق طروحات أدبية يناقش فيها طرق السرد ومعوقات النشر، الامر الذي يدلي باهتمامه وامعانه في ابتكار فكرة مغايرة لقصه، أما السارد فلديه مهمة اخرى، مهمة الكتابة التي أصبحت من مهامه الأساسية الى جانب فعل السرد، ذلك أنّ القاص يتقصد تقديم جوانب من المعرفة الأدبية والتاريخية للقارئ، ومن خلال قراءتي أجد أنّ القاص يغلب هواجس الكتابة على كتابة الهواجس، وهذا ما يفسر ورود تناصات كثيرة مع شخصيات أدبية وتاريخية معروفة بإنجازاتها التي يذكرها صراحة، فنجد الجرجاني وكتابه (دلائل الاعجاز) وكتاب (أصل الأنواع) ولورانس وكتابه (أعمدة الحكمة السبعة) ونجد جاسم عاصي وجمعة اللامي ومجموعته القصصية (اليشن) وعبد الخالق الركابي وروايتيه (الراووق) و (سابع ايام الخلق) ونجد سعيد مهران بطل رواية (اللص والكلاب) لنجيب محفوظ وكتاب (ذاكرة بورخيس) وكتاب (الملاحم والفتن) ومخطوطة مليكاديس والدكتورة نادية غازي العزاوي، ومقالتها عن حرق شارع المتنبيّ، وغير ذلك من الأسماء والرموز  .

تكشف قصص الطريحي حكايات تتداخل وتتناسل بعضها من بعض، حكايات الحرب والسلطة، حكايات الفقراء والبسطاء، حكايات التاريخ والمعتقد الديني والاخيرة هي ما دفعته لتصفح مخزونه الثقافي كي يقص علينا ما يتناص فلسفيا مع قصة العلامات الكبرى والصغرى ليوم القيامة التي ذكرت في الأحاديث النبوية الشريفة ومنها : استيقظ النبي (ص)  من النوم محمراً وجهه يقول: (لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه). وعقد سفيان تسعين أو مائة، قيل: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: (نعم، إذا كثر الخبث) (7).

وهذه القصة تتعالق نصيا مع ما ورد في واحدة من حكايا قصة (متحف النصوص) التي جاء فيها  :

” ـ لو بني الجسر، فإنّ اليهود سيدخلون المدينة.

ـ عندما يبنى الجسر، فإنّ الدم سيغطي الركاب.

ـ لو بني الجسر، فإنّ المسجد المقام على الجهة الجنوبية لعقد المفتي سوف يهدم.

ـ لو بني الجسر، فستركب الفروج السروج.

ـ عندما يبنى الجسر، فإنّ الأعور الدجال سوف يدخل المدينة عابرًا عليه.

ـ لو بني الجسر، لظهر الهرج والمرج في البلاد ” (المجموعة، ص 72).

ولا يخفى ما لهذه القصة من تناصات مع جميع الاديان والتي تتلخص بفكرة المخلص وظهوره بعد ان يعم الخراب، ومن ذكاء القاص أنه عبر عن ذلك وجعله مرتبطا بالجسر وكأنه حلقة محورية تصل الحياة الدنيا بانتهائها، أي أنّ الجسر شبيه للمخلص من حيث البنى الفكرية.

والمشترك بين هاتين القصتين تصوير المصير المحتوم والمفروض الذي لا يأبى أدنى اختيار، فليس أمام الإنسان إلا الخضوع، شأنه شأن الحالات السياسية التي نعيشها، إذ وجد الإنسان نفسه أمام سياسات لم يخترها ولا يريدها، وقد أنتج النص على خلفية الحديث الشريف، وتشربه له من خلال الافادة من المضمون، وهذا لا يعني هيمنة النص الخلفية على النص الواجهة، فالنص الواجهة في ملامسته للنص الخلفية، لا يفقد حريته امامه، وهو يشبهه ولا يطابقه .

في قصة (النديم) يشتغل القاص تناصه معتمدا على وقائع التاريخ مستثمرا حادثة ابن السكيت مع المتوكل الذي قطع لسانه ثم مات اثر سؤاله اياه عن المفاضلة بين ولديه اللذين كان مؤدبا لهما وبين الحسن والحسين سبطي رسول الله (ص) فكان ابن السكيت رافضا لتلك المقارنة لكرامة الحسن والحسين ومنزلتهما، وقد اعتمد القاص التناص التاريخي في ايراد حكاية فيها تعالق نصي يستضمر الإشارة الى تلك القصة المعروفة في كتب التاريخ وقد جاء في قصه : ” .. أضاف الخليفة قائلًا بالنبرة نفسها :

ـ يا ابن السكّيت،

فقلت في نفسي مباشرة ” يا ابن السكّيت، ألم أقل لك لا تنادم الخليفة! ”

ارتعد ابن السكّيت وهو يتلفت حوله … فقال الخليفة وقد لحظ تردده :

ـ ما بك أيها الرجل، أتبحث عن شيء ما؟

ـ مولاي المعظم، أنا طوع أمرك.

ـ أخبرني يا ابن السكّيت، أيهما أفضل عندك، هذه البانوراما أم أصنام الروم على جبل رودس؟

استعاد ابن السكّيت قوته وهو يجيب الخليفة.

فقال الخليفة وهو يخاطبني :

ـ هذا ابن السكّيت، نديمي ومؤدب أولادي، سيكون مرافقك ،..”( المجموعة، ص 51 ).

حمّل الطريحي شخصية ابن السكيت من خلال قصه ما يخدمه في طرح  أسباب تراجع الحضارة ومناقشتها ووصف ذلك الصراع ما بين نتاج الماضي ورموزه،  ورواد الحاضر ومنجزهم الثقافي والأدبي، ولا بد من الاشارة  هنا الى أنّ التناص مع الموروث التاريخي لا يتم بمعزل عن دراسة التناص الديني في أغلب الأحيان؛ ذلك أنّ هنالك تعالقا ذهنيا لبعض الشخصيات في أذهان الناس كان لها باع وأثر في تدوين سيرهم وأفعالهم التي تشربتها قراءة التاريخ سلبًا أو ايجابًا، وقراءة التاريخ ما انفكت تغري الأديب كي يتزود من ذلك السحر نابشا ومحللا وغائرا في متاهاته ملبسا إياها أثوابا جديدة، ناثرا أتربة الماضي من أتونها كي يستفيق الوعي نحو مظان جديدة وقراءات مختلفة.

وأخيرا هناك تناص اقتباسي جزئي محور في قصة (طبيب خارج الرحم) من خلال التعالق النصي في جملة هي عنوان مسلسل معروف لدى الذائقة الشعبية بين الناس وهو مسلسل غجري اسمه (ساري العبد الله) وهو يتناص مع اسم المسلسل الذي كان اسمه في القصة التي نحن بصددها (ناعسة العبد الله) استثمره القاص لرسم لوحة عفوية جميلة عن ابسط الأماني واقل الإحتياجات التي كانت بمثابة احلام لبعض الناس وهي هنا مشاهدة التلفاز او شرب الماء المثلج .

إنّ هذه المجموعة القصصية كان لها حظ وافر فيما يتعلق بالتناص الفكري الذي ينم عن ثقافة القاص التي رفدت نصوصه واظهرت مقدرته وحركت مكنونه اثراء لتجربته التي ترسخت بخصوصية التعامل مع النص من حيث الاذابة والتحويل والتضمين وطريقة الأخذ من ينبوع المخزون الأدبي والثقافي بما يكمل الرؤية القصصية الأمر الذي ساعد المتلقي وسانده للفهم والادراك.

الهوامش

  • متحف النصوص، مجموعة قصصية، صادق الطريحي، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 2019.

1ـ ينظر: الحلبي، احمد طعمة، التناص في شعر عبد الوهاب البياتي، مجلة الموقف الأدبي، اتحاد الكتاب العرب، ع403، دمشق 2007، ص64 .

2ـ  الشوابكة، توظيف التناص في متاهة الاعراب في ناطحات السراب،  مؤتة للبحوث والدراسات م10، ع2، ص16.

3ـ ينظر: وتار(محمد رياض) توظيف التراث في الرواية العربية، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق 2002، ص146.

4ـ مفتاح، محمد، تحليل الخطاب الشعري، المركز الثقافي العربي، ط2، الدار البيضاء، 1986، ص121.

5ـ عزام، محمد، النقد والدلالة ص39، وزارة الثقافة،  دمشق 1996.

6ـ ينظر: ابراهيم، د. جودت، التناص والتلاص في الشعر العربي الحديث والمعاصر، ص76.

7ـ صحيح البخاري، كتاب الفتن، ر:3168.

 

 

 

التعليقات مغلقة.