النزوح الجنائي للأموال وعلاقته بقرار مجلس العموم البريطاني وقانون العفو العام

الدكتور عبدالقادر القيسي
بداية استخدمت كلمة نزوح لتكون قريبة لمأساة أكثر من 4 ملايين نازح، واقصد بها نزوح الأموال الى خارج العراق، وهو تعبير عن الأموال العراقية المكتسبة بصورة مخالفة للقانون وهو (فساد مقنن) ونقول:

غادر مؤخرا أعضاء من لجنة النزاهة الى ايطاليا، بينهم النائب عادل نوري، للاطلاع على تجربتها في القضاء على الفساد بعد صعود المافيا الى السلطة، وهي تشبه الحالة العراقية بخلاف، ان السلطة تحولت الى مافيا، وفي إيطاليا هناك جهاز لمحاربة الفساد يسمى (الكوماندو) لمتابعة حركة الاموال وكشف الفساد.

بداية ان تسمية الأموال المسروقة بانها مهربة خطأ كبير، لان القانون الدولي والاتفاقيات الدولية ذات العلاقة تساعد على استعادة الاموال المسروقة وليس المهربة، والتوصيف القانوني يختلف في المدلولين.

وتقدر دائرة استرداد الأموال في هيئة النزاهة، تهريب ترليون دولار منذ 2003، ولجنة النزاهة البرلمانية تقدر المبلغ المهرب بنحو “نصف ترليون دولار”.

وكشف تقرير لهيئة النزاهة، الصادر عام 2014، عن وجود 250 مطلوبا بتهم نهب الاموال بينهم 16 وزيراً ومديراً عاماً، وينتظر العراق ان يسفر قانون بريطاني، أقره مجلس العموم في شهر كانون الثاني من عام 2016، بالأغلبية على اعادة الأموال العراقية التي نهبها ساسة العراق بعد 2003، وبناءا على هذا القانون سيكون أي عراقي من المطلوبين للقضاء العراقي والمتواجدين على ارض بريطانيا وقام بسرقة او غّسَلّ أموال العراق تحت طائلة القضاء البريطاني، حتى لو كان بريطاني الجنسية لان امتلاك السراق لجنسيات مزدوجة لا يُشكّل عائقا حقيقيا امام استرداد اموال العراق المسروقة في الخارج، سيما ان استعادة الأشخاص موضوع قانوني له الياته المعقدة وإعادة الأموال المسروقة موضوع قانوني اخر، وليس هناك أي تعارض بين المبدأين، والاتفاقيات الدولية لا تمنح الحماية للأموال المتحصلة من جرائم وعمليات فساد حتى وان كانت عائدة لأشخاص يحملون جنسية الدولة الحاضنة للأموال، اذا ما ثبت انهم خرقوا القانون، وبريطانيا لها تجربة بإعادة الأموال المنهوبة في زمن نظام مبارك، والسلطات السويسرية جمدت أصولا بنحو 700 مليون دولار لها صلة بمبارك وحاشيته تمهيدا لإعادتها لمصر، والتجميد يجب ان يلحقه تقديم أدلة تثبت أن الأموال المجمدة من حق تلك الدولة الشرعي، ويسعى العراق بان تحذوا دول اخرى حذو بريطانيا على اتخاذ قرار مشابه.
حسب منظمة الشفافية الدولية فإنه لم يتفوق على العراق في قضايا الفساد سوى الصومال، وقضية الفساد في العراق، ليست فقط قصة نزاهة أو عقود أو صفقات بل، هناك فاسدين قد ثخنت جلودهم فلم يعد يهمهم ما يقال فيهم وما يقال عنهم، ملفات الفساد لا نهاية لها وأرقام مرعبة تتعب الايدي من كتابة اصفارها، وزير تربية سابق مطارد بتهم فساد بملايين الدولارات تنقله التوافقات السياسية من متهم “بريء” ينتظر إدانته قضائياً الى أحد حراس الدستور كنائب لرئيس الجمهورية، وعقود وزارات ضاع دم صفقاتها بين قبائل ايران وصربيا والتشيك والولايات المتحدة وموسكو وبوخارست.

هيئة النزاهة العراقية، ترأستها عدة شخصيات وكل شخصية أصبح لديه طن من الأسرار التي لا يبوح بها الا بعد اقصائه، وفي داخل البرلمان لجنة للنزاهة، وفي كل وزارة مفتش عام يتولى ملفات النزاهة، ويضاف اليها ديوان الرقابة المالية وملفات الفساد في تزايد والأموال المسروقة في الخارج تُنشأ مدن، والعراق على وشك الانهيار بسبب الازمة المالية، ومع ذلك هناك تلكؤ واضح وتخبط أكبر في اعادتها من الدولة العراقية.
ان جرائم غسل الأموال المسروقة هي من أخطر الجرائم، وهي تحدي حقيقي أمام أي دولة، وامتحان لقدرة النظام القضائي في تطبيق النصوص القانونية لتحقيق فاعلية في مواجهة الأنشطة الجرمية ومكافحة أنماطها المستجدة، وجرائم غسيل الأموال تسمى جرائم ذوي الياقات البيضاء White Collar Crime، وهم طائفة جديدة من المجرمين، مستقلة ومختلفة عن طائفة المجرمين في الجرائم الأساسية.
مراحل غسل الأموال

تمرّ جريمة غسل الأموال بمرحلتين، الأولى ادخال الأموال النقدية المتحصل عليها من نشاط غير مشروع في النظام المصرفي أو المالي، والمرحلة التالية هي مرحلة التغطية لطمس أو اخفاء علاقة الأموال غير المشروعة مع مصادرها الإجرامية من خلال العديد من العمليات المصرفية والمالية المتتالية.

حددت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد(UNCAC) النافذة منذ عام 2005، في الفصل الرابع والخامس الآليات المطلوب اجرائها لاسترجاع الأموال المسروقة في الخارج، منها صدور حكم قضائي عادل بمصادرة الأموال المسروقة.

ان بعض الدول تعتاش على هذه الاموال المسروقة ودول اخرى تضع اليد على تلك الاموال بدعوى قضايا غسيل الاموال، اضافة لوجود مشاكل قانونية مع دول اخرى كون تلك الدول قوانينهم فيها مرونة تسمح باستثمار الاموال المسروقة، وهناك مصارف خارج العراق تعمل بالأموال العراقية المسروقة منذ 2003 ولغاية الان،

العراق لم يتفق حتى اللحظة على تحديد الجهة الرسمية المخولة بمسئولية استرداد الأموال المسروقة، يرافق ذلك تخبطا واضحا في توجهات البرلمان، والذي يروم تشريع قانون العفو العام، ليشمل به مرتكبي جرائم غسيل الأموال من خلال نص المادة(4/ثالث عشر)، حيث نصت على (يستثنى من أحكام هذا القانون مرتكبو الجرائم الآتية: (جرائم غسيل الاموال بقصد تمويل الإرهاب)، وهذا يعني ان جرائم غسيل الاموال بشكل عام مشمولة بقانون العفو، فقط الأموال التي تكون بقصد إرهابي مستثناة، ومن تدقيق تقريبا 95% من جرائم غسيل الأموال وتهريبها الى الخارج نجدها، تتم بدون دوافع إرهابية، بل لزيادة صفر لأرقام حسابات مرتكبي جرائم غسيل الأموال، وتلك الأمور فاجعة اذا تم شمول هؤلاء بالعفو، واعطائهم صكوك البراءة وفق ذلك النص.

والحكومة لم تقود نشاطا دبلوماسيا مكثفا كمخاطبة الدول المعنية والمجتمع الدولي والامم المتحدة لإصدار قرار أممي للكشف عن الأموال المسروقة واسترجاعها وإعادتها للوطن، ولم تقم باي تحريات او استدلالات، تُفضي إلى ضبط حجم الأموال المنهوبة ومعرفة الملاذات التي نُقلت إليها، وقريبا من ذلك هناك عدم حسن النوايا لدى المنظمات الدولية والدول الحاضنة للأموال المنهوبة في دعم ومساندة الحكومة العراقية لاسترداد هذه الأموال، مع تراخي الدول المستقبلة للأموال المنهوبة في إرجاعها، خوفا من تأثر عُـملتها المحلية وتضعضع اقتصادها، ويرافق ذلك مع الأسف الشديد خمولا متزامنا من المرجعيات الدينية بطريقة تتعارض مع المصلحة الوطنية.

ان الكثير من هذه الاموال هُربت بأسماء مستعارة ما يصعّب استردادها من بعض الدول الحاضنة لهذه الأموال المنهوبة كسويسرا وبريطانيا التي تضم الكثير من الاموال العراقية على شكل عقارات وفنادق بأسماء مستعارة.

موجبات تنفيذ قرارات المحاكم العراقية في الدول الغربية لاسترداد الأموال المنهوبة:
ان عملية استعادة الاموال المنهوبة عملية غاية في التعقيد، وغالبا ما تستغرق سنوات طوال، وذلك لا يعود إلى بطء الإجراءات بقدر ما يعود في الأساس إلى أن الإجراءات التي نتبعها يجب أن تكون متوافقة مع قوانين الإجراءات الجنائية للدول، وتتطلب إرادة سياسية قوية مع توافر خبرات في مجال تعقب واستعادة الأموال، وممارسة جهود قانونية وتحقيقية وقضائية ودبلوماسية وإعلامية متميزة.

والقوانين الدولية التي تسمح باسترداد الأموال المسروقة تفرض شروطًا معينة لاسترداد هذه الأموال، من الدولة الحاضنة لها، وفي ادناه وصفها:

أولا/ وجود اتهام وفتح تحقيق جنائي عن جرائم فساد، وان تكون الاجراءات الجزائية القانونية في العراق قد تمت في إطار القانون.

ثانيا/ تعاون البلدين عن طريق المساعدة القانونية المتبادلة في القضايا الجنائية، ويحتاج البلد المستقبل للأموال إلى أدلة فيما يتعلق بغسل الأموال، فيما يحتاج بلد المنشأ إلى إثبات اتهامات الفساد في السجلات المصرفية عن طريق التحقيقات الشفافة.

ثالثا/ سلامة كل التفصيلات المتعلقة بالتحقيقات من حيث شفافيتها ورصانتها واتساقها مع معايير العدالة.

رابعا/ التأكد من ان الاموال المنهوبة تم اكتسابها بشكل غير قانوني.

خامسا/ حصول الدولة طالبة الاسترداد على ممتلكات هؤلاء في الداخل، وان تتم عملية استعادة الأموال والأصول المسروقة بشكل قانوني.

سادسا/ إجراء محاكمات عادلة وإثبات أن هذه الأموال نتاج عمليات فساد.

سابعا/ صدور حكم قضائي عادل بمصادرة الأموال المسروقة، عن جريمة حققت للشخص المعني بسرقة الاموال مكاسب مالية، وان تتوافر في الحكم الصادر، الضمانات القانونية كافة مثل: حق الدفاع عن النفس واخذ الوقت لدراسة القضية وتحضير الدفوع، فضلا عن استنفاذ الطرق القانونية للطعن فيه.

ثامنا/ وان يكون الحكم الصادر نهائيا وقطعيا، وصادر من محكمة جنائية، اي من قاض طبيعي.

تاسعا/ ان لا يكون الحكم صادر من محكمة خاصة او استثنائية او عسكرية، ونبين بهذا الصدد ما يلي:
ان الاتفاقية الاميية لمكافحة الفساد والقوانين الدولية تؤكد على عدم صدور الاحكام من محاكم خاصة او استثنائية او عسكرية او مؤقتة، وقرارات المحكمة الجنائية المركزية المشكلة بموجب الامر 13 لسنة 2004 والمحكمة الجنائية العليا المشكلة بموجب الامر 10 لسنة 2005 تعد محاكم خاصة ولم تكن جزء من النظام القضائي العراقي الاعتيادي وشرعت قوانينها في ظل الاحتلال، واستنادا لذك، فان قرارات المحكمتين، لا تتسق ومتطلبات الاتفاقية الأممية لمكافحة الفساد ولا تتماشى مع نص المادة(54) منها، علما، ان غالبية الاحكام التي تتعلق بسراق المال المنهوب الموجود في خارج العراق قد صدرت من هذه المحاكم، يرافق ذلك هناك حملة قوية ومحاولات تقودها القوى المستفيدة من تهريب تلك الاموال للتشكيك بنزاهة القضاء العراقي ومحاولة اظهار اي قرار تتخذه المحاكم العراقية على انه قرار مسيس استعدادا منهم لاستخدام هذا العذر امام المحاكم الأجنبية، مما جعل الدولة التي تتواجد فيها تلك الاموال تتردد في التعاون مع الجهود العراقية.

عاشرا / على ان لا يكون الحكم المطلوب تنفيذه غيابيا، ونبين في هذه النقطة، ما يلي:
أكد المشرع العراقي على هذا المبدأ في قانون اصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم 23 لعام 1971 المعدل وتحديد في المادة 247 بان اعتبر، قرار الحكم الغيابي الصادر في الدعوى الجزائية في عقوبات الاعدام والسجن المؤبد والسجن المؤقت بحق المتهم الهارب لا يكتسب الدرجة القطعية الا بعد تسليم المحكوم نفسه او القاء القبض عليه ومحاكمته مجددا وثبوت التهمة، فلا يعتبر حكما نهائيا، وهو حكم لا يمكن تنفيذه حتى لو كان قطعياً، لأن بإمكان المتهم الطلب بإعادة المحاكمة في حال عودته للبلد وكما اكدت عليه مجددا نص المادة (254/ب) من قانون اصول المحاكمات الجزائية العراقي النافذ، ونتاج ذلك، المتهم الذي يصدر بحقه حكما غيابيا لا يتوفر له شرط التمتع بالضمانات القانونية في الدفاع عن النفس ودراسة القضية وتحضير دفوعه.

فالحكم الغيابي يشكل عائق جدي امام الدولة العراقية وامام الاجهزة المعنية بملف استرداد الاموال المنهوبة لمعالجته، وضمان عدم استخدامه من المطلوبين للقضاء العراقي، حيث ان أكثر الدول تتذرع احيان كثيرة بحقوق الانسان التي تمنع تجريد شخص من أمواله وممتلكاته وارسالها إلى دولة أخرى دون أن يكون مدانا أو صدور قرار قضائي عادل بمصادرة هذه الممتلكات.

احدى عشر/ إصدار حكم قضائي نهائي من بلد المنشأ بتفعيل قرار محكمة البلد المستقبل يقضي بفساد هذه الأموال، ورد الأموال إلى بلد المنشأ.

اثنا عشر/ في حالة عدم وجود قرار يتمتع بتلك الشروط الموصوفة في اعلاها، بإمكان الحكومة العراقية ان تلجأ الى المصادرة المدنية للأموال، والذي يتطلب تقديم طلب إلى المحاكم المدنية في تلك الدول، يثبت أن الجريمة التي تمت خارج البلد الحاضن للأموال المنهوبة (بريطانيا مثلا) غير شرعية طبقا لقوانين ذلك البلد وغير شرعية طبقا لقوانين بريطانيا مثلا.

ثالث عشر/ يشير تقرير للبنك الدولي إلى أن من أهم معوقات عمليات استرداد الأموال هو عدم ثقة حكومات الدول التي تختبئ بها الأموال في نزاهة وعدالة المؤسسات في البلدان النامية.

رابع عشر/ هناك عقبات تكنيكية كبيرة تعرقل جهود استرداد الاموال المنهوبة تتمثل في صعوبة تحديد موقع الأموال المتحصلة من جرائم الفساد وربطها بالجريمة نفسها، مما يستدعي ضرورة مراعاة تتبع مكان وجود تلك الاموال داخلياً وخارجياً بالتوازي مع بدء التحقيق في قضايا الفساد، حيث أن تأجيل الموضوع لحين الانتهاء من التحقيق وصدور قرار المحكمة بالمصادرة يعطي الفاسد فرصة لإخفاء الأموال والتستر على مكان وجودها بحيث يصعب استردادها، وهناك ضعف في خبرة ادارة الأموال اثناء تجميدها لحين مصادرتها.

خامس عشر/ هناك حيل متبعة لا تسمح بإمكانية تتبع المال المنهوب هي المال (السائل)كاش، فوجود ثغرات كبيرة كتلك في الجهاز المصرفي للدولة من شأنه تسهيل عملية نهب الأموال بشكل كبير، والمخبأة في حسابات لأقارب او معارف للأشخاص الذين يتم تعقبهم وغالبها يتخفى عبر شركات معروفة، وهناك حالة استغلال للنفوذ السياسي المستمد من تشريعات قاصرة، وليس بالضرورة فسادا بمعنى مخالفة القانون ومحاولة تفادي وإخفاء الأموال والأنشطة عن الدولة، فالفساد في العراق هو فساد النخبة الحاكمة، المرتكز على أجهزة الدولة والقوانين، بجانب وجود وسائل مباشرة وسريعة لتحويل الأموال بسرية سواء في صورتها السائلة أو عن طريق عمليات بنكية بعيدة عن أعين السلطات، كالتي تتم عن طريق الحقائب الدبلوماسية مثلا.

وهناك فارق بين عملية تجميد الأموال من ناحية وإعادتها من ناحية أخرى، ويسمح القانون البريطاني بتجميد الأموال بدون حكم قضائي في حالات عديدة.

ان الاتفاقية الدولية والقوانين الاوربية منعت الدول الاوربية من حماية مواطنيها من حملة الجنسية المزدوجة من ملفات الاسترداد وبهذا فقد ازالت عقبة كبيرة طالما استفاد منها كبار المجرمين في تهريب اموالهم.

ان ما قامت بها السلطات التونسية تجربة جيدة، حين ارادت استرداد الأموال المنهوبة انشات لجنة اسمها “ستار” وكانت (شراكة بين البنك الدولي ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة والنظام القضائي التونسي) وقادت هذه اللجنة استراتيجية شاملة تجمع بين مختلف أدوات التحقيق والأدوات القانونية، بما في ذلك الملاحقة القضائية المحلية، والتعاون الدولي غير الرسمي، وطلبات المساعدة القانونية المتبادلة، فضلاً عن التدخل كطرف مدني في الإجراءات الجنائية في فرنسا وسويسرا، وكذلك النموذج النيجيري لاستعادة أموال أباتشا ومعاونيه المخبأة بالخارج، حيث بدأت عملية استرداد الأموال عن طريق تحقيق شرطي خاص في عام 1998، وفي سبتمبر 1999، استعانت الحكومة النيجيرية بخدمات مكتب محاماة سويسري يدعى مونفريني وشركاه في تعقب واسترداد الأموال النيجيرية في الخارج.

أصدرت دولة سويسرا في ايلول 2011، القانون الفيدرالي السويسري لرد الأموال غير الشرعية، والذي أكد على نص مثير بان على السلطات بالدول المنهوبة أموالها، عليها عبئ كبير لإثبات عدم شرعية هذه الأموال المهربة، واذا ارادت ان تقوم بذلك السلطات السويسرية فإنها تقوم بذلك في حالة ان تكون الدولة فاشلة مثل الكونغو وهايتي، وهي دول لا توجد فيها نظم قضائية مستقرة وفعالة، ففي هذه الحالة يكون بإمكان السلطات السويسرية تُحمل عبء الإثبات، والقيام بالتحقيقات وجمع المعلومات والأدلة بنفسها وإعادة الأموال في النهاية، ولكن لا يمكن تصنيف العراق كدولة فاشلة وهذا الأسلوب سيكون بمثابة إهانة للجانب العراقي لوجود مؤسسات قضائية عاملة، بالرغم من إن عدم استقرار عمل هذه المؤسسات في ظل الانتقادات الدولية التي تسجلها المنظمات على النظام القضائي العراقي وانتهاكات حقوق الانسان وفي ظل الوضع السياسي السائد، ذلك يُصعبْ من فرص التعاون والدفع قدما بهذا الملف.

وبحدود ما تم وصفه في اعلاها، هناك مجموعة من التوصيات نراها مُعينّة ومفيدة في عملية استرداد الأموال والارتقاء بفاعليتها:
اولا-تشكيل لجنة فنية تقوم بمتابعة الامر واجراء الاتصالات تضم في عضويتها خبراء في القانون الدولي والجنائي والاداري والمالي بالإضافة الى خبراء في مجال الاقتصاد والسياسات المالية والعلاقات الدولية للعمل على تذليل العقبات القانونية وبناء اتصالات مع الاجهزة الدولية العاملة في مجال مكافحة الفساد المالي.

ثانيا-تشكيل لجان مختصة من مديرية مكافحة الجريمة الاقتصادية في وزارة الداخلية ومديرية مكافحة غسيل الاموال في البنك المركزي العراقي بالإضافة الى خبراء من هيئة النزاهة تقوم بمهمة رصد الشركات التي تمت بأسهمها معاملات نهب الاموال وتقصي الحقائق حولها ومحاولة متابعة الحسابات والقنوات التي من خلالها تدفقت الاموال للوسطاء والعملاء المختلفين.

ثالثا-تشكيل لجنة من وزارة الخارجية ووزارة العدل ووزارة المالية وهيئة النزاهة للاستفادة من التوجه العام السائد دوليا في مكافحة جريمة الفساد المالي والذي تعزز باتفاقية الامم المتحدة لعام 2005 والقوانين الاقليمية والوطنية مثل قانون دوفيليه في سويسرا وتم بموجبه تجميد أموال لأسماء كثيرة وشركات مختلفة لكل من حسني مبارك وعلي زين العابدين، ويمكن الاستفادة من الجو العام السائد حاليا في اوروبا وسويسرا وبريطانيا.

رابعا-تشكيل لجان من المختصين من اساتذة القانون في الجامعات العراقية ونقابة المحامين واتحاد الحقوقيين العراقيين بالإضافة الى منظمات المجتمع المدني للاستفادة من التجارب العالمية في هذا المجال مثل تجربة مجموعة (شيربا) في فرنسا اسسها المحامين، وتعني هذه المجموعة بالشفافية وبمحاربة الفساد.

خامسا-اتخاذ إجراءات احترازية حتى لا تتكرر مستقبلا عمليات النهب المنظم لموارد وثروات الدولة عن طريق فرض تشريعات تنظم وتشدد الرقابة على البنوك والعمليات البنكية للشخصيات المكشوفة سياسيا مع فرض عقوبات مالية كبيرة على البنوك المخالفة لهذه الإجراءات، بما يضمن المزيد من الرقابة على الأنشطة المالية للشخصيات السياسية.

سادسا-استغلال الأدلة المقدمة في قضايا الفساد والتي يوجد بها أحكام نهائية، لاستعادة أموالهم والتحقيق مع المتهمين لمعرفة أمكنة الأموال المخبأة، مع تكثيف التحقيقات والإسراع في إصدار الأحكام في القضايا الجارية.

سابعا-هناك ضرورة بإقامة دعاوى امام المحاكم في الدول الحاضنة للأموال المنهوبة، بعد اثبات الادانة امام المحاكم الوطنية وطرق الضغط الدبلوماسية والاستعانة بالشركات المتخصصة في التحري وجمع المعلومات

ثامنا-ممارسة الضغوط الاعلامية في الدول الحاضنة للأموال المنهوبة العراقية لإعادة هذه الأموال وتسليم الاشخاص المتهمين بنهب تلك الأموال.

تاسعا-ان تكون كافة اللجان المكلفة باستعادة الأموال المنهوبة، ذات استقلالية، وعدم تبعيتها للحكومة، او خضوعها للتفاهمات والاعتبارات السياسية التي تتم بين رموز الأحزاب الحاكمة، وصفقات التصالح المعلنة وغير المعلنة، وتوغل شبكات مصالحهم مما قد يعيق من عمل أية لجنة.

وأخيرا نقول: ان الحكومة العراقية عجزت عن استرداد مليارات الدنانير من 57 ألف منتسب وهمي في وزارة الدفاع، معدل راتب المنتسب الواحد يبلغ مليوناً و250 الف دينار شهريا، فضلا عن مخصصات الوقود والنقل والملابس، فكيف لها ان تعيد الأموال العراقية المنهوبة وهي تريد حمايتهم بقانون العفو العام؟

قد يعجبك ايضا

اترك رد