القاضي برلمانيا

القاضي ناصر عمران

نتفق أن صفة القاضي / السلطة والوظيفة مرتبطة بالاستمرارية بأداء الوظيفة، فهذه المهنة المقدسة والمرتبطة بالحكم والقضاء لها اعتباراتها ولابد من التمييز بين الذات كمنتج شخصي وبين الذات الوظيفية التي تقترن بصفة القاضي، واذا كانت صفة القاضي مقترنة بأداء الوظيفة القضائية، فان لها صفة اعتبارية ايضاً مقترنة بالحقوق الشخصية للفرد فممارسة المهنة القضائية والجلوس على دكة القضاء هو اعتبار تحصيلي لا يمكن تجريد الشخص منه بمجرد ترك الوظيفة، لذلك تظل صفة القاضي مقترنة به كما هي صفة المناصب المهمة التي تقترن بالتسميات الدالة عليها والتي ترتبط بذات متوليها بالرغم من تركه لها مثاله مناصب رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء ولذلك تقترن صفة التقاعد او صفة السابق بالقاضي، لذلك يدخل الكثيرون وبخاصة في الجانب الاعلامي في اشكالية القاضي عند تسنمه وظيفة تنفيذية خارج السلطة القضائية فهو لا يحمل هذه الصفة كقاضي عند ادائه لعمل اخر ويتصف بالمنصب الذي يتولاه.

ومن هذه الاعمال التي تبعد القاضي عن صفته القضائية دون ان تجرده من اعتباراته التحصيلية هو العمل البرلماني، والحقيقة ان حق الترشح لمجلس النواب وهو من الحقوق السياسية الخاصة بالإنسان ولا يوجد في القانون العراقي ما يمنع القاضي من الترشح لمجلس النواب، بعكس قانون السلطة القضائية المصري رقم (46) لسنة 1972 في المادة (73) والذي ينص بشكل صريح في الفقرة الثانية منه على ما نصه: (يحضر كذلك على القضاة الاشتغال بالعمل السياسي، ولا يجوز لهم الترشح لانتخابات مجلس الشعب او الهيئات الاقليمية او التنظيمات السياسية الا بعد تقديم استقالاتهم)، وينتهي ارتباط القاضي بعد فوزه في الانتخابات النيابي قبل اداء اليمين القانونية نائباً في مجلس النواب والعمل الجاري ان القاضي يقدم استقالته من العمل القضائي وينفك ليلتحق بعمله الجديد، فلا يجوز للقاضي الجمع بين العملين القضائي والبرلماني.

والحقيقة وبالمتابعة لعمل مجلس النواب والقضاة الذين نجحوا في الوصول الى مجلس النواب بعد مرحلة التغيير النيساني الذي شهده العراق سواء عن طريق مراكز البحوث والدراسات او المراكز البحثية المتابعة لعمل مجلس النواب او عن طريق وسائل الاعلام المرئية والمسموعة او مواقع التواصل الاجتماعي، فان هناك امورا وجد القضاة المرشحون انفسهم إزاءها فالترشيح لابد ان يتم عن طريق كيانات وائتلافات سياسية، نعم في القانون الانتخابي ان هناك ترشح بقائمة مفردة وهناك قوائم انتخابية لمستقلين او مهنيين لكنها بالاستقراء العملي للنتائج الانتخابية تصطدم بالنظام الانتخابي الذي لا تجد القوائم المفردة والقوائم المستقلة فرصتها الكبيرة في الوصول الى قبة البرلمان، فثمة عتبة انتخابية تفرض على القائمة الحصول على مجوعة من الاصوات للوصول اليها حسب القانون الانتخابي وهذا الأمر غير متيسر على القوائم المفردة او المستقلة، لذلك رشح القضاة انفسهم بقوائم وائتلافات لها حضورها السياسي باعتبارها قوائم لها تجربتها السابقة ولها حضورها في الادارة التنفيذية للحكومة ومجالس النواب السابقة والقانون الانتخابي يصب بمصلحتها وان تحقيق الفوز في الانتخابات يقتضي اختيار احد هذه القوائم للترشح من خلالها وهو ما فعله القاضي باعتبارهم مرشح مستقل ضمن القائمة وهو استفتاء لمقبولية القاضي شعبيا في تولي المنصب النيابي والحصول على اصوات الناخبين يعني ان المواطن وضع ثقته في المرشح القاضي ليكون ممثله في مجلس النواب بصفته رجل قانون وقضاء ومجلس النواب بأمس الحاجة لوجود رجال قانون وقضاء في المؤسسة الصانعة للتشريع القانوني.

واذا علمنا ان الدعاية الانتخابية يسبقها نشاط اجتماعي وان القاضي ليس لديه النشاط الاجتماعي كغيره من المرشحين بحسب طبيعة عمله امكننا معرفة اهمية نجاح القاضي في الوصول الى مجلس النواب عن طريق اصوات الناخبين وكم كنا نتمنى لو ان السادة النواب من القضاة كتبوا عن تجربتهم في العمل البرلماني للاطلاع على ورؤيتهم المستقبلية عند العمل في مجلس النواب والمتحقق منها وغير المتحقق وأسباب كل ذلك للكتابة عن هذه التجربة بالاستناد الى تجارب القضاة والاشارة اليها، الا ان ذلك لم يحصل وبالتأكيد ان ذلك سيحصل مستقبلاً، لكننا يمكن ان نؤشر ومن خلال المتابعة ان ما يحسب لتجربة القاضي البرلمانية هو الحصول على ثقة الناخب والتزامه واحترامه للمنصب الذي يمثله وبالتأكيد للموقع القادم منه، مع ان هناك صعوبات كثيرة رافقت عمله الا اننا نؤشر على تجربة القاضي البرلمانية ان القاضي / النائب ظل حبيس رؤية القائمة التي قدمته كمرشح فصار ضمن التكتلات السياسية في مجلس النواب مع انه مستقل واستقلاليته كانت لابد ان تنعكس عند ادائه لدوره البرلماني وان اختلفت مع توجهات قائمته الانتخابية، وكم كنا نتمنى ان نرى منهج ورؤية القاضي / النائب في عمله البرلماني بشقيه المهمين : الرقابة والتشريع ففي الجانب الرقابي يمتلك النائب تجربة كبيرة في تطبيق القانون لا يملكها غيره من النواب الاخرين واعتقدنا اننا سنرى رقابة تشريعية واستجواب برلماني يتماهى مع الضخامة القانونية للنائب وتكون محط دراسة الاكاديميين في العمل النيابي فضلاً عن حديث الرأي العام والاعلام وقبلها المواطن وفي النهاية تنعكس ايجابا على عمل البرلمان، لكننا لم نلاحظ ذلك، ولاحظنا ان النائب القاضي دخل ضمن مسيرة العمل البرلماني القائم على التجاذبات السياسية او الاتفاقات السياسية وكان صوتاً للتحالف المنتمي اليه اكثر منه نائبا مستقلاً له رؤيته ومنهجيته في مجلس النواب. بل اننا لم نر للنائب اي دور في تشريع القوانين المنظمة للسلطة القضائية وجاءت بشكل معتل بمجملها وخارج السياقات التنظيمية لرؤية السلطة القضائية لذلك لم تصمد بكليتها احيانا او ببعض موادها القانونية امام النقض الدستوري، ولم يكن له دور في الدفع بالقوانين على الاقل المنظمة للسلطة القضائية والمعززة لاستقلالية القضاء والقضاة كما لم يكن له دور واضح ومؤثر في عمل اللجان باعتباره عضواً فيها واهمها :

اللجنة القانونية ولجنة النزاهة البرلمانية والتي اعتقدنا بانهما سيكونان من انشط اللجان ويمنحان العمل البرلماني رؤية ومنهجا وعملا جديدا ومتغيرا الا ان الحال لم يكن بحسب المتوقع، ان تجربة القاضي البرلمانية لم تكن بالمستوى الذي كان الجميع يطمح برؤيتها، فالقاضي له حضوره سواء اكان في العمل القضائي او اي عمل اخر ونجاحه سيكون انعكاسا بالتأكيد علي مؤسسته القادم منها وعلى المؤسسة التشريعية التي يمثلها، لذلك نرى بان وجود القاضي في المؤسسة التشريعية مهم جدا لتحقيق التنوع في مجلس النواب بوجود رجال يحملون ثنائية القانون والقضاء ويمنحون المؤسسة التشريعية فاعليتها وبخاصة في اللجان القانونية الصانعة للتشريع وهو علامة صحة لبناء مؤسسات الدولة وتحقيق النظام الديمقراطي والمؤسسة القضائية هي المحور الرئيس والضامن للحقوق والحريات وهي الساحة الحقيقية لتطبيق القوانين وكلما كانت القوانين من الاهمية بحسب منظومتها الصانعة إنسانياً ووطنياً وقانونياً كلما كان التطبيق القضائي سليماً واخيراً كلنا آمل في ان نرى القاضي في العمل البرلماني مستقبلا اكثر استثناءً وفاعلية وتأثيرا في المؤسسة التشريعية.

التعليقات مغلقة.