التحولات التي انتجتها الانتخابات (العراقية) المبكرة 2021

علي جبار الفريجي

مختص بإدارة الازمات

انتهى سيناريو الحملات الانتخابية والوعود وصراع الأحزاب والكتل والافراد على كراسي البرلمان العراقي البالغ عددها 329 مقداً برلمانياً.

دخلت الساحة السياسية فترة تصدير نتائج الانتخابات و كذبة شفافية العملية الانتخابية، وصراعات التحالفات بعدها سننتقل لمرحلة صراع المحاصصة الحزبية على مناصب المؤسسة التنفيذية (الحكومة).

الانتخابات المبكرة افرزت جملة من المسارات والمظاهر المضطربة:

فيما يخص الاقبال الجماهيري، لم تفرز انتخابات 2021 أي مسار إيجابي في معدلات الاقبال (من ناحية عدد المشتركين فعلياً في التصويت). بالحقيقة لازال الجمهور المتلون حزبياً يشكل النسبة الأعلى من المشاركين في الانتخابات آخذين بعين الاعتبار  أن حجم المقاطعين للانتخابات نتيجة لعوامل كثيرة أصبح ينمو بشكل سريع. بهذا مرة أخرى فشلت الأحزاب في اقناع أو كسب ثقة الشارع العراقي بما تقدمه من مشاريع وبرامج انتخابية أصبحت غير مقنعة.

الخلاف الذي ظهر بين إدارة مفوضية الانتخابات وممثلة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات دليل على الانخفاض الحاد في مستويات المشاركة والاقبال على الانتخابات المبكرة 2021 في العراق.

أفرزت ارقام نتائج الانتخابات تقدم ما يعادل أكثر 38 % مقارنة مع ما حصل عليه التيار الصدري في عام 2018. وهذا متوقع بحكم ملائمة قانون الانتخابات (الدوائر المتعددة) مع البرتوكول والاستراتيجية التي تعتمدها القاعدة الانتخابية للتيار الصدري، مع ضمان القاعدة الشعبية للتيار والسيطرة المناطقية.

أحرز ائتلاف/تحالف دولة القانون تقدمًا بما يعادل 26 % عن نتائجه في عام 2018 وهي معدلات جيدة ولكنها لا تعوض الخسارة بالمقارنة مع معدلات المقاعد التي حصلوا عليها في نتائج انتخابات عام 2014. أما الكتل السياسية الأخرى (الفتح، الحكمة، النصر) وغيرها من الأحزاب الشيعية اثبتوا عدم استقرار  ادائِهم السياسي.

الأحزاب السنية، والتحولات الكبيرة في صراع داخلي لأخذ أدوار زعامة المكون (السني)، مع تغيير ألوان واشكال التكوينات السياسية والأحزاب في كل مرحلة وانعدام الثوابت السياسية دليل على تفاقم صراع الانقلابات السياسية بين افراد الساحة السياسية السنية.

نجحت الأحزاب السنية في استخدام سلطة مناصب الدولة وكذلك المال السياسي في تشجيع اقبال جماهير المكون السني على الانتخاب، ويتّضح ذلك من خلال مراجعة معدلات المشاركة لجمهور المناطق السنية المتدني في مراحل سابقة منذ بدء الانتخابات بعد عام 2005. كذلك حصدت عدد أصوات أعلى من المراحل السابقة، وبدأت تتقدم بخطوات كبيرة نحو فرض السيطرة على الحركة السياسية داخل ساحة البرلمان.

الأحزاب الكردية هي الأكثر ثباتاً في وتيرة المتغيرات السياسية داخل الإقليم.  عادت هيمنة القطبين الكرديين في الساحة السياسية الكردية داخل العراق، مع احتفاظهما بثوابت مطالبهما من الحكومات المركزية في بغداد. لا يزالان يشكلان حجر الزاوية الذي تحتاجه بقية المكونات في مرحلة تشكيل الحكومة القادمة.

اما ما افرزه الحراك الشعبي من تشكيل أحزاب اخذت مسميات كثيرة مستوحاة من تظاهرات تشرين 2019، في معظمها كان نهجاً يسعى للحصول على مقعد في البرلمان من دون قاعدة ثابتة او بناء سياسي متين.

البعض الآخر استخدمته أحزاب السلطة الكبيرة كواجهات ثانوية للدخول في الانتخابات بدعم مالي مخفي، وضمهم لقائمة مقاعدهم البرلمانية في حال نجاح أحدهم بالحصول على مقعد برلماني.

ما ظهر من نتائج حصول قائمة (امتداد) على عدد من مقاعد البرلمان في محافظة ذي قار وغيرها، يتناسب مع الغضب في الشارع العراقي ورغبة التغيير خلال مراحل “غليان التظاهرات”.  هذه الانتفاضة الشعبية الانتخابية في التصويت لشخصيات “من ثورة تشرين” او غيرهم. قريباً جداً ستواجه ضغطاً عكسياً في الشارع العراقي وساحات التظاهرات، لعدة اعتبارات ومنها:

لن يصمد عدد نواب حزب “تمدد” وغيرهم امام اغراءات الاندماج في المواقف السياسية مع أحزاب السلطة الكبيرة. عوامل كثيرة ليست في مصلحة نواب هذه “الأحزاب الجديدة”, منها انعدام الخبرة السياسية لهذه الشخصيات، مع قلة الكفاءة وانعدام الانتقائية العالية في اختيار وتقديم الشخصيات التي دخلت الانتخابات وفازت بمقاعد برلمانية انتخبهم الشارع بعاطفة (مستعجلة سلبية)، ناهيك عن ضعف إمكانية هذه الشخصيات المنتخبة في التأثير السياسي ضمن منظومة سياسية أصبحت متمرسة في الفساد وانعدام الوطنية،

سرعان ما سيواجه نواب حزب “تمدد” وغيرهم غضب وردة فعل الشارع العراقي عليهم لسوء أدائِهم وانغماسهم في لعبة المصالح الشخصية والحزبية، وهي غير بعيدة عن تجربة انتخابات عام 2018 الشارع الانتخابي بعاطفة غير مسؤولة قام باختيار لمرشح مستقل بشخصية ضعيفة وأداء شبه معدوم، كذلك عدد كبير من الشخصيات الحزبية التي فازت بانتخابات سابقة اثبتوا فشلهم.

انتجت الانتخابات المبكرة لسنة 2021 سقوط شخصيات سياسية برلمانية “صدعت رؤوسنا” لسنوات بأدائهم الرديء، وهي ظاهرة تكررت في المراحل السابقة، تُصاحبها فوز شخصيات برلمانية وسياسية سابقة يٌعاد حقنهم في جسد البرلمان من خلال ما يسمى “الانتخابات” للبرلمان، هذه الانتخابات اثبتت بأن العملية السياسية عبارة عن دورة إرجاع استهلاك الشخصيات ذات الانتماء السياسي المعروف، والمعروفين بانعدام كفاءتهم السياسية ولكنهم مُتبنيات احزاب معينة.

بالمجمل اثبتت الأحزاب السياسية المتقاسمة السلطة عدم ثباتها وتوازنها في البناء السياسي وتذبذب مستوياتها نتيجة انعدام الرؤية السياسية في بناء قواعدهم. وتركيزهم على شراء جماهير التصويت في موسم حجيج الانتخابات.

القوى الحزبية السنية في السنوات الأخيرة أفرزت شخصيات ذات اجندات شخصية وحزبية متمرسة في التوغل فيما يسمى بالدولة العميقة والاتساع في هذه الدائرة ضمن جسد الدولة والمؤسسات الحكومية، وما يُلاحظ هو التذبذب في نوعية وكفاءة الشخصيات التي تقدمها القوى الحزبية الشيعية التي فشلت حتى في كسب الشارع الشيعي.

المال السياسي، ونفوذ المناصب عوامل لها الدور الأكبر في تحريك الشارع الانتخابي والتحكم في العملية الانتخابية. والدليل على ذلك أن أصحاب المناصب يشكلون القوائم الأعلى حصولاً على الأصوات في كل مرحلة انتخابية، وعند خسارتهم المناصب نجد تأثيرها في محصلة الأصوات التي يحصل عليها اقل بكثير في مراحل المناصب واستثمار المنصب الحكومي.

بالمختصر مخرجات الانتخابات البرلمانية المبكرة العراقية 2021، أعادت فرض فكرة الطائفية والانجراف بالعاطفة السلبية.

لم يغادر الشارع العراقي التخندق الطائفي – فالشيعي ينتخب شيعي والسني ينتخب سني والكردي ينتخب كردي والأقليات تنتخب الأقليات.

التعليقات مغلقة.