الانتخابات المحلية العراقية 2013… قراءات ومعطيات

عدنان الصالحي/

مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث

ثالثة ممارسة من نوعها لانتخابات مجالس المحافظات او الحكومات المحلية جرت في العراق في العشرين من نيسان ابريل المنصرم، وهي تجربة تكاد تكون فريدة من نوعها في المنطقة العربية رغم ما ينتابها من إشكالات وعثرات، هذه التجربة التي جرت بغياب الجندي الامريكي الذي غادر الاراضي العراقية نهاية2011 تنفيذا للاتفاقية الإستراتيجية بين الحكومتين العراقية والأمريكية، شابتها بعض العثرات و حصدت انجازات لا بأس بها.

وبين مؤيد لنتائجها ومعارض ومشكك بقيت اسئلة ومؤشرات كثيرة حول تلك العملية برمتها يمكن إيجازها بما يلي:

أولا: دور المفوضية العليا المستقلة للانتخابات

في تجربتها الأولى بعد مخاض تشكيلها العسير لم ترق المفوضية العليا الى ما هو مطلوب منها في وضع وتهيئة جو مناسب للناخب العراقي في الإدلاء بصوته في هذه الانتخابات، وقد حاول مجلس المفوضين بأقصى جهد ان يوصل العملية الى أفضل مايمكن الا ان الصراع السياسي والجو المشحون في العراق إضافة الى التلكؤ الواضح في عمل الحكومة نتيجة الانسحابات المتكررة لوزرائها وما تمر به من أزمات انعكس سلبا على تلبية كل ماهو مطلوب في توفير أجواء آمنة ومستقرة وتهيئة أقصى درجات الانضباط في كوادرها الذين انسحب الكثير منهم قبيل الانتخابات بساعات بسبب التهديد الأمني لهم، ومع كل تلك الحسابات إلا أن المفوضية تتحمل مسؤولية جمة في عدة نقاط منها:

1- تحديث سجل الناخبين الذي لازال يعاني من نقص شديد وراباك واضح حتى لمن حدث معلوماته، وهذا يتطلب بدوره إيجاد آلية جديدة غير التحديث المباشر من قبل المواطن فالمعلومات التي لدى وزارة التجارة ومكاتب المعلومات تكاد تغطي مساحة كبيرة جدا من مواقع تواجد المواطنين واقرب نقطة دالة إليهم وكان بالإمكان الاستعانة بكادر من الوزارات (الداخلية-التجارة-التخطيط) لإيجاد سجل ناخبين محدث بطرق علمية وعملية ولا تكرر وللمرة الثالثة فقدان الناخبين لأسمائهم في يوم الانتخابات، وهذا بدوره كان سببا مهما في تدني نسبة المشاركة في الانتخابات التي يؤكد المراقبون انها لم تتجاوز الـ46% بينما تؤكد المفوضية أنها بلغت الـ51% وحتى تلك التي ذكرتها الأخيرة فإنها تعتبر انتكاسة في بلد مازال يعيش سنوات التحرر الاولى من الدكتاتورية ويتوق للممارسة التعبير عن الرأي والتداول السلمي للسلطة.

2- النقص الفني والمعلوماتي الكبير في الكوادر التي أشرفت على إجراء الانتخابات، حيث أثبتت الأقراص التي سلمت للكتل السياسية من قبل مكاتب المفوضية والتي تحوي على نتائج الفرز الاولي (استمارة 604) على أخطاء كبيرة وكثيرة جدا في آلية جمع النتائج وهذا بدوره يغير النتائج بطريقة مثيرة للانتباه، ناهيك على ان بعض مراكز الاقتراع لم تستطع اصلا من جمع النتائج إلا بعد يوم كامل بعد غلق صناديق الاقتراع (كما حدث في عدة مراكز للاقتراع)، ويبدو ان ذلك ناتج (على اقل تقدير) من عدم النجاح في توفير كوادر مدربة ومتقنة للعمل بشكل كافي، او ان اختيارها لم يكن موفقا اصلا.

3- لم تفلح المفوضية في إيجاد أجواء ومناخات مناسبة لتدفق الناخبين ولم يكن لها صوت يذكر في القرار الأمني حيث شكل حظر التجوال حالة من الحاجز النفسي لدى الكثير من الناخبين خوفا من حدوث خروقات امنية، وحتى رفع الحظر في نفس اليوم لم يكن كافيا لدفع المواطنين للمشاركة لان الحالة نفسية ولدت شعورا كبيرا بالقلق من الاستهداف.

4- حاولت المفوضية ومن خلال نقل اغلب مدراء مراكز الاقتراع قبل يوم من الانتخابات ضرب اي تنسيق(محتمل) مسبق بين بعض كوادر المفوضية وأي جهة سياسية للتنسيق في يوم الاقتراع وهي فكرة تستحق الاحترام الا انها لم تكن بطريقة مدروسة وكان الأجدر ان يتخذ القرار قبل اسبوع على اقل تقدير لتكون العملية سلسلة ومثمرة.

5- لم تكن المفوضية صارمة في محاسبة مدراء مراكز الاقتراع غير المهنيين حيث حاول بعض منهم توجيه الناخبين الى جهة سياسية معينة او منع وكلاء الكيانات السياسية من الدخول الى محطات الاقتراع ولفترات طويلة بحجج واهية (كما حدث في مركز اقتراع سجن الناصرية الاصلاحي) وخصوصا في وقت فتح الصناديق وساعات العد والفرز، وهو مؤشر خطر جدا ويؤكد خطورة ذلك الأمر السماح بدخول بعض وكلاء كيانات سياسية معينة ومنع أخرى (ولا نريد ذكر أسماء الكيانات التي سمح لها بالدخول هنا منعا للتشهير ولالتزام الحيادية).

ثانيا: دور الحكومة العراقية

وهنا يؤشر ان دور الحكومة لم يكن موفقا من حيث توفير الأجواء المناسبة للاقتراع والمتمثلة بـ:

1- بالرغم من مرور عشر سنوات على التغيير إلا أن اسلوب حظر التجوال للمركبات في يوم الاقتراع مازال يجري بنفس السياق، ولا توجد خطط أمنية مسبقة لفتح مجال أوسع للمشاركة وفي نفس الوقت منع العناصر المتطرفة من استهداف العلمية برمتها، بل ان تأجيل الانتخابات في محافظتي نينوى والانبار بعث برسائل سيئة جدا عن الوضع الأمني ومحفزة للعناصر المتطرفة بتنشيط وضعها قبيل الانتخابات.

2- الخطاب الحكومي المتشنج؛ فاغلب المسئولين الحكوميين خلال فترة الدعاية الانتخابية لم يكونوا موفقين في خطابهم الانتخابي بل كانت عباراتهم مشادات كلامية وتسقيطية غير مباشرة عبرت وبشكل واضح عن مقدار الصراع الكبير بين اذرع الحكومة، مما انعكس سلبا على فهم الشارع العراقي على مستقبل العلمية السياسية برمتها وجدوى انتخاب المتصارعين فهم سيشكلون بؤر توتر جديدة لاغير، فكان الأجدر ان يدفع كل ممن في الحكومة باتجاه المشاركة الفعالة واستخدام العبارات اللينة بدل التهديد والوعيد وتصعيد المواقف.

3- لم تعمل الحكومة على تهيئة أجواء لإيجاد اكبر عدد من منظمات المجتمع المدني ولم تفسح المجال بشكل مباشر لمشاركتها، مما سيوفر شفافية اكبر للعملية وتصويب للأخطاء وتصحيحها بشكل مباشر، وتم الاكتفاء بشبكات مراقبة معينة ورغم كفاءة ومهنية تلك الشبكات إلا أنها لاتستطيع تغطية العملية بكافة مناطقها.

4- استخدام السلطات والمناصب والتعيين مازال مؤثرا في توجيه عملية الانتخاب، (وليس سرا) فعملية احتكار التعيينات واطلاقها قبل ايام الاقتراع وربطها بأشخاص محددين يمثلون جهة سياسية متنفذة لغرض الحصول على اصواتهم باتت عملية شبه ممنهجة في الانتخابات العراقية والحكومة العراقية اقل ما يقال بانها عاجزة عن وقف هذا الامر ان لم تكن مشاركة فيه، وهو يمثل اسوء طرق لاستغلال السلطة بشكل سافر وطريقة غير منصفة في التنافس الانتخابي.

5- انشغال اغلب مدراء الدوائر الحكومية بالدعاية الانتخابية كونهم مشاركين في الترشح او دعمهم لأحزابهم التي نصبتهم سببا تلكؤا واضحا في أداء واجباتهم المناطة بهم، في التهيئة لأجواء الانتخابات بشكل مباشر او غير مباشر.

6- بالرغم من عدم وجود دلائل تؤكد الضغط على المؤسسة العسكرية لانتخاب جهة سياسية معينة، إلا أن اغلب الكتل السياسية شككت بالأمر وأكدت ان الكثير من المنتسبين في هذه القوى تعرضوا للتهديد بالطرد او العقوبة العسكرية فيما لم يدلوا بأصواتهم لجهة سياسية معينة، وهذا يشكل مؤشر خطر جدا في مهنية المؤسسة العسكرية وحياديتها وشفافية العملية الانتخابية.

ثالثا: الكتل السياسية المتنافسة

من جانبها فان اغلب الكتل السياسية كررت خطابها السابق تقريبا بتقديم الوعود بتحسين الخدمات والإصلاح في المنظومة الحكومية المحلية، ولم تستطع إيجاد خطاب مغاير لما سبق، غير ان البعض من هذه الكتل كان أكثر حنكة من حيث استغلال الصراع السياسي بين الكتل المتنفذة على المشهد السياسي ليظهر بمظهر المعتدل والوسيط والمهدئ ليحتل بذلك حيزا كبيرا من ثقة الناخبين، فيما شهدت تلك الكتل المتصارعة تراجعا واضحا في نسبة ناخبيها عما حصدته من اصوات عام 2009، إلا أن عموم الدعاية الانتخابية لم تغاير سابقاتها.

اما بالنسبة للمرشحين فكان الأغلب (وكما هو المعتاد) معتمدا على ما تجنيه القائمة المنتمي لها من اصوات سلما للوصول، ولم يكن هناك الا افراد قليلون من هؤلاء المرشحين يمثلون نقطة ارتكاز للقائمة، واعطوا لها مصدرا مهما لجمع الاصوات، وهذا يؤشر احتمالية ايجاد قوائم شخصية مستقبلا خارجة عن هيمنة الاحزاب، وهو ما يعطي مساحة اكثر للعمل بمهنية وحيادية.

معطيات النتائج

اما على مستوى النتائج فقد تصدرت القوائم الثلاث اغلب نتائج المحافظات (ائتلاف دولة القانون، ائتلاف المواطن، ائتلاف الاحرار) وتباينت من محافظة الى اخرى بتقاربها او تباعدها، اضافة الى قوائم جديدة اخرى دخلت حلبة التنافس وحصدت اصوات معتد بها غير انها بقيت مناطقية ومحصورة في محافظات معينة دون اخرى.

الملفت للنظر في هذه الانتخابات هو حصول بعض القوى الليبرالية على مقاعد في المجالس المحلية (وان كانت قليلة) غير ان هذا يعني حصول تغيير في طبيعة تفكير الشارع العراقي، وتراجع مؤشر التخندق الطائفي رغم الازمة الحالية، واحتمالية دخول تلك القوائم في تنافس على المراتب الاولى مع الكتل الكبيرة فيما لو بقيت الاخيرة على ادائها المتواضع سياسيا وخدميا.

لقد جرت الانتخابات المحلية بحضور 12 محافظة عراقية غير منتظمة بإقليم وبغياب محافظتي الانبار ونينوى، اللتان مازال البحث عن موعد مناسب لهما جار في ملفيهما الامني والسياسي، وتبقى خريطة التحالفات الحلقة الأخيرة من هذه الممارسة الديمقراطية لتشكل لنا حكومات محلية لسنوات اربع قادمة.

ان ما شرنا اليه من إخفاقات في الجوانب المتعددة لتلك الممارسة هو محاولة لتشخيص الاخطاء والدفع نحو اصلاحها مستقبلا والظهور بمستوى الطموح، وفي نفس الوقت يجب ان ننصف جهود كل من حاول الارتقاء بمستوى الانتخابات وخصوصا الفترة القياسية التي اعلنت فيها النتائج مقارنة بالانتخابات السابقة وتزويد الكيانات السياسية بنسخ مصورة لاستمارات الفرز الاولي (استمارة 604) وهو ما يعطي نسبة عالية من الشفافية للانتخابات وترسيخ ثقة الناخب والمرشح بمهنية العمل الانتخابي.

 

قد يعجبك ايضا

اترك رد