الاعلامي الكردي محمد ارسلان يصدر احدث دراساته عن علاقة الاكراد بمصر

المستقلة – القاهرة – وليد الرمالي

اصدر الباحث والاعلامي الكردي محمد ارسلان مدير وكالة انباء فرات نيوز في القاهرة ….احدث دراساته والمتعلقة بعلاقة الاكراد بمصر وعنوانها مصر الموطن الثاني للكرد وجاء فيها

يعتبر التاريخ مرآة المستقبل ومن يهمّش التاريخ أو يقوم على تحريفه يكون مستقبله مجهول وعرضة لاهتزازات وردات لا يمكنه التغلب عليها. ما نعانيه في منطقة الشرق الاوسط أننا نعاني من التصالح مع تاريخنا الذي كان يوماً ما منبع الحضارة للغير، ولكن حينما تخاصمنا معه ومنه وصلنا إلى ما نحن عليه وفيه. لذا قراءة التاريخ ومراجعة دروسه والاستفادة من عبره تعطينا حصانة ازاء بعض الأخطاء والسلبيات والخطايا التي شابت تاريخ العلاقات العربية – الكردية، وإن ظل العرب والكرد اخوة ولم يتقاتلوا كشعوب وأمم على مرّ التاريخ وعاشوا بحسن جوار وسلام وصداقة ومودة، مختلطين مع بعضهم البعض ومتعايشين ومتزاوجين، بل انهم تصدّوا مشتركين لموجات الغزو والتحديات الخارجية لفرض الهيمنة والاستتباع، كما وقفوا ضد محاولات الاخضاع والقهر وتطويع الارادة علي الصعيد المحلي. 

ولعبت مصر دورها الاقليمي القومي حينما كانت متحالفة مع الكرد وخاصة منذ زمن الفراعنة ومجيء الملكة نفرتيتي وبعدها صلاح الدين الايوبي وبعدها محمد علي باشا ومحمد كرد علي والكثير من الادباء والفنانين والكتاب الذين جلعوا من مصر قبلة لهم في نهل علومها ومعرفها. لذا لا بد إن أرادت مصر أن تعيد حيويتها ومكانتها المرموقة عليها أن تتقرب من الكرد على اساس الشراكة والندية في التعامل.
أخوة الشعوب هي المعين وهي مصدر القوة لمن يبحث عن المستقبل وبدونها لا يمكن إلا أن نتأثر بما يمليه علينا الآخر وخاصة أن المنطقة تعيش مرحلة حساسة وخطيرة من مرحلة الفوضى التي تريدها القوى الغربية. وها الان الكرد أثبتوا قوتهم وجسارتهم وإرادتهم، فهل من متحالف مع الكرد كي يؤسسوا لمستقبل يعيش ابناؤه الكرامة والحرية.
حيث تعد مصر من أكثر البلدان العربية التي كانت لها علاقات وثيقة وقديمة بالكرد، فوجدت علاقات قديمة بين الميتانيين الكرد والملوك الفراعنة منذ القرن الرابع عشر قبل الميلاد، برزت من خلال زواج بعض الأميرات الميتانيات من الملوك المصريين أمثال الملكة الجميلة نفرتيتي التي حكمت عرش مصر. وفي مصر أيضاً شكّل الكرد لهم فيها دولتين عظيمتين، الأولى الدولة الأيوبية التي أسسها صلاح الدين الأيوبي، وأسهمت في رد الغزو الصليبي عن المنطقة، وساهمت في بناء نهضة اقتصادية وعمرانية وثقافية كبيرة يشهد لها التاريخ، مع إعادة نشر المذهب السني ونشره في مصر وبلاد الشام.
أما الدولة الثانية فهي التي أنشاها محمد علي باشا الكبير – أصله من أكراد ديار بكر – في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي، واعتبر بحق مؤسس مصر الحديثة وصانع نهضتها العلمية والزراعية والعسكرية والصناعية.
كما نبغ في مصر طوال القرن العشرين عباقرة وقامات كردية كانوا من رواد حركة الإصلاح والتحرر والفكر والأدب والفن في مصر والعالم العربي، أمثال: الإمام المصلح محمد عبده، قاسم أمين، والأديب عباس محمود العقاد، وأمير الشعراء أحمد شوقي، والشاعرة عائشة التيمورية، والقاص محمود تيمور، والشيخ عبد الباسط محمد عبد الصمد، والباحث حسن ظاظا، والفنانة سعاد حسني، والمخرج السينمائي أحمد بدرخان وابنه علي..
كما وجدت في مصر عناصر كردية تمتعت بمكانة متميزة، هاجرت إلى مصر من مدن كردستان مثل أورفا ووان وديار بكر وماردين وأرضروم، وقامت بدور بارز خلال وجودهم فيها، فكان لهم دور كبير في الحياة الاجتماعية والسياسية والعسكرية، وتلقبوا بالكردي نسبة إلى مناطق نزوحهم الأصلية، وتولى بعضهم مناصب عليا في الإدارة والجيش، وإن محمد علي باشا كان يرحب بهم في مصر، واعتمد عليهم في تثبيت أركان دولته، كما خصص الأزهر الشريف رواقاً للأكراد تخرج فيه العديد من العلماء الكرد، الذين رجعوا إلى كردستان حاملين معهم العلوم الأزهرية، وساهموا في نشر الإسلام واللغة العربية..
يعيش العديد من الكرد اليوم في مصر، وهم منتشرون في أماكن مختلفة تمتد من الإسكندرية شمالا إلى أسوان جنوباً، وقد انصهر القسم الأكبر منهم في البوتقة المصرية، ولا يزال الكرد القاطنون في المدن المصرية معروفين بأصولهم الكردية، ومنهم من يشغل مواقع بارزة، ومنهم الحكام والمحامون والصحفيون والمدراء والفنانون.
ومن العائلات الكردية المعروفة في مصر عائلة ” تيمور باشا”، التي ينتسب إليها الكاتب أحمد تيمور باشا، والشاعرة عائشة التيمورية، والأديب محمود تيمور. وعائلة بدرخان، والأورفلي، ظاظا، الكردي، وانلي، عوني، الكردي، خورشيد، آغا….
فعلى سبيل الذكر سكنت عائلة من آل بدرخان مدينة الفيوم وعرفوا باسم (والي)، لأنهم كانوا ولاة على هذه المدينة، لذلك أصبح لقب الوالي تسمية لهم ويعرفون بها، وسكن بعض من آل بدرخان في القاهرة، وهؤلاء البدرخانيون من أحفاد أمير بوتان الكردي بدرخان باشا.
وهناك العديد من أعلام مصر يعودون إلى أصول كردية أمثال أمير الشعراء أحمد شوقي، والأديب محمود تيمور، والإمام المصلح محمد عبده، والمخرج أحمد بدرخان، وعلي بدرخان، ومحرر المرأة قاسم أمين، والأديب عباس محمود العقاد، وعامر العقاد، وأحمد أمين، الدكتور حسن ظاظا، والشيخ عبد الباسط محمد عبد الصمد، وأحمد رمزي ودرية عوني…
كما أن كثيراً من القرى المصرية تحمل لفظ الأكراد، مثل ” كفر الأكراد”، و” منية الكردي”، و” قرية الكردي” مركز دكرنس بمحافظة الدقهلية بالوجه البحري. وتقول درية عوني: وهل يعلم سكان الزمالك، أن كلمة” الزمالك” هي كلمة كردية تعني مصيف الملوك، ويقال إنها كانت المكان الذي يصطاف به الملوك الأيوبيون أيام حكمهم لمصر، حيث كانت هذه المنطقة تعج بالحدائق الغنّاء في ذلك الحين.
سليمان الحلبي يقتل كليبر
وفي شهر حزيران من عام 1800 قام البطل الكردي سليمان الحلبي بقتل كليبر قائد الجيش الفرنسي والحاكم العام بمصر بعد عودة نابليون إلى فرنسا.
ولد هذا البطل الكردي المدعو سليمان محمد أمين أوس قوبار من عائلة عثمان قوبار والمشهور بلقب سليمان الحلبي عام1777 في قرية كـُوكـَانْ فوقاني “الجَزْرُونِيَّة ” ( التابعة لمنطقة عفرين في الشمال الغربي من مدينة حلب ) .
نشأ بحلب، ثم أرسله والده عام 1797م إلى القاهرة ليتلقى تعليمه بالأزهر الشريف. وهناك توطّدت صلته بأستاذه الشيخ أحمد الشرقاوي .. الذي رفض الاستسلام للغزوة الفرنسية .. مساهماً في إشعال فتيل ثورة القاهرة الأولى يوم 21 أكتوبر 1798. وكان سليمان الحلبي بجانب أستاذه الشيخ الشرقاوي عند اقتحام جيش نابليون أرض الجيزة، ثم أرض ( المحروسة ـ القاهرة ).
وفي صباح يوم 15 يونيو 1800.. توجه سليمان الحلبي إلى ( بركة الأزبكية)؛ حيث يقيم الجنرال كليبر، وبعدما فرغ كليبر من تناول الغداء في قصر مجاور لسكنه ومعه كبير المهندسين الفرنسيين قسطنطين بروتاين.. وكان سليمان قد دخل حديقة القصر، وتمكن من طعن الجنرال كليبر بسكينه أربع طعنات قاتلة. وتمكن كذلك من طعن كبير المهندسين ست طعنات في أماكن مختلفة من جسمه..
محمد علي باشا الكبير يؤسس مصر الحديثة
إن أغلب المصادر التي تناولت سيرة محمد علي باشا الكبير تذكر بأنه من جذور تركية أو ألبانية؟ لكن الحقيقة التاريخية الصائبة تؤكد كردية هذا القائد الكبير، من خلال ما اعترف به أحفاده فيما بعد، ففي عام 1949 صرح حفيده الأمير محمد علي – ولي عهد الملك الفاروق ملك مصر آنذاك- لمجلة ” المصور” المصرية في مقابلة أجراها معه أديب مصر الكبير عباس محمود العقاد بقوله: إن جدهم محمد علي باشا كردي الأصل تعود جذوره إلى مدينة ديار بكر عاصمة كردستان تركيا، وأكد ذلك أيضاً الأمير حليم أحد أحفاد محمد علي باشا، وقد نشرت هذه الاعترافات تحت عنوان” ولي العهد حدثني عن ولي النعم…” نشر في مجلة ( المصور) المصرية عام 1949 وذلك بمناسبة مرور مائة عام على وفاة مؤسس مصر الحديثة محمد علي باشا، وقد جاء في متن المقال ما نصه:
” … وقال سموه في أمانة العالم المحقق: لا أعلم ولا أبيح لنفسي الظن فيما لا أعلم، ولكني أحدثكم بشيء قد يستغربه الكثيرون عن نشأة الأسرة العلوية ( المنسوبة لـ محمد علي)، فإن الشائع أنها نشأت على مقربة من قولة في بلاد الأرناؤوط (ألبانيا)، ولكن الذي اطلعت عليه في كتاب ألفه قاضي مصر على عهد محمد علي أن أصل الأسرة من ديار بكر في بلاد الأكراد، ومنه انتقل والد محمد علي وإخوانه إلى (قولة)، ثم انتقل أحد عمّيه إلى الآستانة، ورحل عمه الثاني في طلب التجارة، وبقي والد محمد علي في قوله. وقد عزز هذه الرواية ما سمعناه منقولاً عن الأمير حليم (أحد أحفاد محمد علي) أنه كان يرجع بنشأة الأسرة إلى ديار بكر في بلاد الأكراد”.
ويعلق العقاد على هذا الكلام بقوله: “حسب بلاد الأكراد شرفاُ أنها أخرجت للعالم الإسلامي بطلين خالدين: صلاح الدين ومحمد علي الكبير، وقد تلاقيا في النشأة الأولى، وفي النهضة بمصر، وفي نسب القلعة اليوسفية إليهما ( قلعة القاهرة)، فهي بالبناء تنتسب إلى صلاح الدين، وبالتجديد والتدعيم تنسب إلى محمد علي الكبير”. وفيما يلي لمحة موجزة عن حياة محمد علي باشا باني مصر الحديثة:
وفيما يلي أعضاء الأسرة الخديوية العلوية التي حكمت مصر( أبناء وأحفاد محمد علي باشا ) من عام 1805-1952م:
• محمد علي باشا 1805 -1849
• إبراهيم باشا بن محمد علي باشا 1848 ( من يونيه إلى نوفمبر)
• عباس الأول بن طوسون باشا 1848-1854
• سعيد باشا بن محمد علي 1854 -1863
• إسماعيل باشا بن محمد علي 1863-1879
• توفيق 1879 -1892
• عباس حلمي الثاني 1892-1914
• السلطان حسين كامل 1914- 1917
• السلطان أحمد فؤاد 1917- 1922
• ثم أصبح الملك فؤاد الأول 1922- 1936
• الملك فاروق الأول 1936- 1952
مصر ملجأ أحرار الكرد
عندما أسس الكماليون تركيا الحديثة أصدروا فرمانا بنفي البدرخانيين الأكراد من تركيا عام 1922، فالتجأ الأمير أمين عالي بدرخان ونجله الأكبر(ثريا) إلى مصر، واستقر في القاهرة حتى توفي بها عام 1926 .
وكان الأمير أمين عالي بدر خان رجلاً وطنياً وقومياً معروفاً، حاول تحقيق أهداف بني قومه في الحرية والاستقلال. وكان لجهود ولديه الأميرين جلادت وكاميران ونضالهما دور كبير في خدمة اللغة والثقافة والقضية الكردية.
وفي القاهرة قام الأمير ثريا أمين عالي بدرخان(1883-1938م)، بدور كبير في خدمة القضية الكردية، فكان يتنقل من أجل ذلك من القاهرة إلى دمشق وحلب والعواصم الأخرى. وكان له الفضل في إصدار جريدة ” كردستان” بمدينة استانبول بعد عمّيه ( مقداد مدحت، وعبد الرحمن بك) بعد صدور الدستور العثماني عام 1908، وفي القاهرة في أعوام 1916-1917. وكان يكتب في هذه المجلة تحت اسم مستعار هو ” أحمد أزيزي “.
وفي عام 1920 أسس في القاهرة ( جمعية الاستقلال الكردي) بمؤازرة الطلاب الأكراد المقيمين في القاهرة وممن يدرسون في الجامع الأزهر.
كما عاش في مصر المترجم والباحث الكردي محمد علي عوني السويركي، المولود في مدينة ” سويرك ” من أعمال ديار بكر في كردستان تركيا 1897.
وقد قصد مصر لإكمال دراسته الدينية في الأزهر الشريف، ونال شهادته العالية. وحاول الرجوع إلى وطنه لكن السلطات التركية منعته بسبب أفكاره القومية، فبقي في القاهرة. فعمل مترجماً ” للغات الشرقية ” في قصر عابدين لدى الملك فاروق، وعهد إليه مهمة الإشراف على مكتبة القصر الملكي في القاهرة، وحفظ الفرمانات والوثائق التاريخية الرسمية التي يعود تاريخها إلى عصر محمد علي باشا.
وبحكم وظيفته واطلاعه الواسع أصبح حجة في تاريخ الأكراد وقضيتهم. فكان أحد مؤسسي جمعية (خويبون) الكردية في القاهرة وسورية بالاشتراك مع أبناء بدرخان. وكانت داره في القاهرة محجاً للطلبة الأكراد يتزودون منه العون والإرشاد والمعرفة .
وكان للأكراد رواق في الأزهر الشريف خاص بالطلبة الكرد، وكان له أوقاف قديمة ترجع إلى نحو ثلاثمائة سنة، والرواق عبارة عن مكان واسع، يضم عدداً من الغرف للطعام والمنام، ومكتبة، والطلبة يحصلون على الطعام والكساء من الأغنياء والمحسنين، ومن الأوقاف المسجلة عليه.
يقال إن الأميرة الكردية ( خاتون خان) من الأسرة الأيوبية وقفت ثروتها في خدمة العلم والدين وإنشاء المدارس، ومن وقف هذه الأميرة أنشئ رواق الأكراد في الجامع الأزهر منذ مئات السنين، وتخرج فيه مئات العلماء من كرد كردستان (العراق، تركيا، سوريا، إيران، روسيا)، وكانوا بحق من ضمن من نشروا الدين واللغة العربية في تلك البلاد. وكانت له أوقاف متمثلة ببعض المنازل والمحال التجارية في مدينة القاهرة، يعود أجورها بالفائدة لرواق الأكراد. وكانت له مكتبة قيمة وقفها أهل الخير على الطلبة الأكراد، ضمت إلى مكتبة الأزهر العامة في سنة 1897.
وحتى راهننا ينظر الكرد إلى مصر إلى أنها موطنهم الثاني ويعشقون مصر بتاريخها وحاضرها. وأنه ما يحصل لمصر في راهننا يقلق الكرد كثيراً، خاصة تدخل بعض الدول الاقليمية في الشؤون الداخلية لمصر. لأن ما يعانيه الكرد من مظالم واضطهاد من الحكومات التركية المتعاقبة هو نفسه ما يعانيه شعب وحكومة مصر من الحكومات التركية، التي لا تتوانى وأن تتدخل في كل الاقطار في المنطقة وخاصة مصر.
معظم المشاكل التي تعانيها المنطقة سببه الرئيس هو عنجهية وتدخلات الحكومة التركية ان كان في سوريا والعراق وليبيا ومصر. لذا، إن كان على شعوب وحكومات المنطقة التخلص من عثمانوية السلطنة التركية الفاشية هو الاتحاد فيما بينهم والمنضال بشكل مشترك لتحقيق النجاح والنصر. وأن العمل والنضال المشترك هو من أهم أسباب النجاح وهذا ما علمنا أياه التاريخ.

قد يعجبك ايضا

اترك رد