الاستطلاعات لم تُخطىء،نحن لم نفهمها!

منقذ داغر*

في كل موسم انتخابي تبرز إستطلاعات الرأي العام كأحد أبطال المشهد الإعلامي،سواء قبل او أثناء الانتخابات. ويزداد الاهتمام الإعلامي والشعبي بهذه الاستطلاعات حين يزداد الاهتمام الاعلامي بتلك الانتخابات وكما هو حاصل اليوم في الانتخابات الامريكية. وكمختصين في الاستطلاعات غالباً ما نحذر من القراءة الخاطئة او المبتسرة لنتائج الاستطلاعات والتي تنعكس سلباً على تفسير النتائج.

إبتداءً فأن إستطلاعات الرأي العام هي علم(إجتماعي)حديث نسبياً تأسس على يد د.جورج گالوب المؤسس والرئيس السابق للمؤسسة التي اتشرف بالانتماء لها ورئاسة الشرق الاوسط وشمال افريقيا فيها،وذلك في ثلاثينات القرن الماضي. وكأي علم إجتماعي فأن الاستطلاعات تساعد على فهم وتفسير الظواهر الانسانية لكنها لا تستطيع التنبؤ بدقة ١٠٠٪؜ بالسلوك الانساني.ان الاستطلاعات تقيس ما نسميه في علم النفس بالاتجاهات attitudes وليس السلوك. بمعنى انها تقيس ما يحوك في عقل الانسان وليس بالضرورة ما يفعله. انت(مثلاً)قد تقابل شخص بالاحضان او بوجهٍ بشوش لكنك في الواقع (وفي داخلك)لا تكن له مودة او احترام لاسباب كثيرة. هنا يحصل تناقض بين ما يجول في خاطرك وبين ماتسلكه. فالاستطلاعات تقيس مايجول في داخل الانسان وهو في احيان كثيرة يتطابق مع سلوكه(فنكون حينذاك قد تنبأنا بالسلوك)، وقد لا يتطابق مع السلوك في احيان اخرى فنفشل حينذاك بالتنبؤ بالسلوك.

وهناك حالة أخرى مرتبطة بهذا التناقض بين ما يتم التصريح به وبين السلوك الفعلي،يتعلق بظاهرة المقبولية الاجتماعيةsocial desirability. وهذه الظاهرة برزت كثيراً في الانتخابات الامريكية هذه المرة وسُميت بالترامبيين الخجِلين Shy Trumpers. بمعنى ان هناك من يؤيدون ترامب ويصوتون له لكن بسبب ارتباط أسم ترامب ومواقفه بمواقف قد لا تكون مرغوبة من المجتمع المحلي او الاصدقاء فأن المستجيب لاستطلاع الرأي يخجل من الإفصاح عن رأيه الحقيقي ويصوت بطريقة تختلف عما صرّح انه سيقوم به.

من ناحية أخرى فأن الاستطلاعات كما يعرفها المختصون هي عبارة عن لقطة فوتغرافية snapshot لحالة المجتمع في لحظةٍ ما. بمعنى ان ظهورك مبتسماً او جالساً بطريقةٍ ما في صورة فوتغرافية لا يعني انك ستبقى مبتسماً  دائماً،كما لا يعني انك ستكون جالساً بنفس الطريقة في لحظةٍ أخرى. فرأي الشخص بمرشحٍ ما قد يتغير بعد مدة معينة. وعلى الرغم من ان التجربة تدل على ان الناس(غالباً) مايقررون على مرشحهم قبل مدة الا ان هناك كثُر ممن قد يغيروا رأيهم في آخر ،يوم او يومين او عند صندوق الاقتراع! هؤلاء يصعب التنبؤ بسلوكهم من خلال الاستطلاعات.

وقد يسأل سائل، اذا كانت كل هذه الاخطاء محتملة فلماذا تقومون باستطلاعات الرأي اساساً ؟! وهذا سؤال وجيه،لكنه يغفل القاعدة التي تقول ما لا يُدرك كله لا يترك جُلّه، كما ينسى ان كل العلوم الانسانية(بل وحتى الطبيعية احياناً) تحتمل الاخطاء ومع ذلك لم يتوقف الانسان عن استخدامها وظل يحاول باستمرار تشخيص اخطائها وتحسين قدراتها. وابرز الامثلة هي التنبؤات الجوية، فرغم ان تلك التنبؤات غالباً ما تصحّ الا انها تخطىء أحياناً،لكننا لم نتوقف عن استخدامها بل ظل العلماء يحاولون تطويرها باستمرار.

أن جميع الأخطاء السابقة فضلاً عن أخطاء أخرى ممكنة(كأخطاء المعاينة الاحصائية sampling errors)،غالباً ما تتم دراستها مقدماً والتنبؤ بحجمها إحصائياً والافصاح

عنها في كل استطلاع. ويحرص المستطلِعون المهنيون على إشهار ما يسمونه بنسبة الخطأ المسموح به في مقدمة نتائج كل استطلاع. لكن للاسف فان كثير من وسائل الاعلام غالباً ما تُهمل الاشارة لهذا الرقم المهم فتضيع على القارىء معلومة مهمة كان يمكن ان تخلصه من حيرة عدم صحة النتائج. فحين نقول (مثلاً) ان احتمالات فوز بايدن هي ٥٢٪؜ مقابل ٤٨٪؜ لترامب وبهامش خطأ يقترب من +\- ٣٪؜ فاننا حينذاك لا نقول ان ترامب لن يفوز، او ان بايدن هو من سيفوز! بل اننا من الناحية الفعلية نقول ان احتمالات فوز بايدن تتراوح بين ٤٩-٥٥٪؜. وان  احتمالات فوز ترامب هي من ٤٥-٥١٪؜. وواضح هنا ان احتمالات فوز الاثنين واردة بعكس ما يحاول البعض تصويره بان الاستطلاعات تقول ان بايدن سيفوز!!

ويجب التنبيه ان الواجب الرئيس لاستطلاعات الرأي هو دراسة الظاهرة وتحليلها اساساً ،ثم بناء قرارات على اساسها وليس واجبها الرئيس التنبؤ بمن سيفوز. فمثلاً،ساعدت الاستطلاعات حملة كل من بايدن وترامب على معرفة نقاط قوتهم وكيفية تعزيزها كم ساعدتهم على معرفة نقاط ضعفهم وكيفية تجنبها. فلولا الاستطلاعات مثلاً لما تمكن ترامب بالفوز باصوات الاميركان الكوبيين في ميامي بعد ان كانوا يصوتون غالباً ضد الجمهوريين، كما كان لا يمكن لبايدن ان يفوز بوسكنسن التي صوتت المرة السابقة لترامب. كما ان الاستطلاعات التي تنبأت(وبشكل صحيح هذه المرة) بفوز بايدن ساعدت كثيراً حملة ترامب على بناء ستراتيجيته الانتخابية التي استطاع من خلالها تحسين موقفه لكنها على ما يبدو(لحد كتابة المقال) لم تمكنه من دحر بايدن وهو ما قالته الاستطلاعات. فأذا اخذنا هامش الخطأ المسموح به نحد ان الاستطلاعات كانت قريبة جداً مما حصل للان.

أخيراً فأن مؤسسات استطلاع الرأي هي مثل اي مؤسسة بحثية او اكاديمية أخرى،يمكن ان تكون رصينة وتحترم مهنيتها وعلمها وأسمها،ويمكن ايضاً ان تمنحك الشهادة او النتائج التي تريد مقابل بعض العوائد التي تستفيد منها. لذلك يجب الانتباه دوماً الى مصدر الاستطلاع. وقد تعزز هذا الخطأ مؤخراً بسبب فقدان كثير من منصات الاعلام لحياديتها ومهنيتها وباتت تابعة لهذه الجهة او ذاك الحزب. لذا نرى منصات الأعلام المُستقطَبة هذه تسارع بنشر النتائج التي تخدم أجندتها وتهمل تلك التي لاتخدمها وتعزو تلك النتائج الى(استطلاعات) الرأي دون التدقيق في إسم وسمعة الجهة التي نقلت عنها تلك النتائج!

سألتُ مرةً أستاذي بعلم النفس في مرحلة الدكتوراه عن جدوى قياس الاتجاهات مادامت كل هذه الأخطاء محتملة،فأجابني: هل لديك وسيلة أخرى لسبر غور آلاف الناس ومعرفة سلوكهم(المحتمل)؟ فأُسقط من يدي.

* مدير الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤسسة گالوب الدولية لاستطلاعات الرأي

التعليقات مغلقة.