الإدارة الأمريكية الجديدة وقضايا الشرق الاوسط

م. ميثاق مناحي العيسى

ايام قليلة وسيكون جوزيف بايدن الرئيس الأمريكي المنتخب السادس والاربعين بدون أدنى شك، رئيساً رسمياً للولايات المتحدة الأمريكية، بالرغم من أصرار  الرئيس الحالي دونالد ترامب واحتجاجه على نتائج الانتخابات الأمريكية الأخيرة وتهديداته المستمرة، ويكاد يتفق الجميع بأن السياسة أو الاستراتيجية الأمريكية لا تختلف كثيراً بين إدارةٌ وأخرى، ولاسيما فيما يتعلق بالقضايا الخارجية ومصالحها الدولية سواء في منطقة الشرق الأوسط أو غيرها، وهو اعتقاد يكاد يتفق مع طبيعة الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية وحتى الآن، على الرغم من الاختلاف في الاولويات والرؤى بين إدارة وأخرى. ومهما كان طبيعة الخلاف والاختلاف السياسي بين الرئيس الحالي والرئيس المنتخب، فليس من المعقول أن تنعكس تلك التوجهات او الاختلافات على الاستراتيجية الأمريكية بشكل يؤثر على مصالحها في المنطقة، إلا أن الإدارات الديمقراطية للولايات المتحدة الأمريكية عادة ما تنتهج سياسة على الصعيد الخارجي أقل حدة من الإدارات الجمهورية، ولاسيما في منطقة الشرق الأوسط.  وهنا قد يكون أمام الرئيس المنتخب “جوزيف بايدن” بعض القضايا المهمة التي تتعلق بملفات منطقة الشرق الأوسط، كالقضية الفلسطينية، والملف الإيراني وغيرها من الملفات، التي عادةً ما تكون قضايا متأرجحة بين الإدارات الأمريكية كقضية الإرهاب وحقوق الإنسان والديمقراطية.

أولاً_ القضية الفلسطينية: من يتابع الشأن الأمريكي الداخلي، ولاسيما خلال الموسم الانتخابي الأخير وما تبعه من تداعيات سواء على مستوى التشكيك بنزاهة الانتخابات أو على مستوى الانقسام المجتمعي واحتجاج انصار ترامب واقتحامهم مبنى الكابيتول، يستشف بأن النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي لن يحظى باهتمام أو بأولوية كبيرة لدى الإدارة الأمريكية الجديدة، التي من الممكن أن تنصب جهودها على معالجة الانقسام المجتمعي ورأب التصدعات التي ادت إلى ذلك الانقسام، بسبب السياسية التي اتبعها ترامب، إلا أن ذلك لا يعني بأن بايدن لن ينخرط في النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي، بل قد يكون انخراطه مشفوعاً بمعالجة الاخطاء التي ارتكبها سلفه تحت عنوان ما يسمى بصفة القرن وانحيازه الكامل لإسرائيل، ومن الممكن أن تنصب توجهات بايدن في هذا الملف على التراجع عن خطة ترامب ومعالجة ثغراتها، ولاسيما فيما يتعلق بضم الأراضي الفلسطينية ومخالفة القوانين الدولية التي اقرت من الجانب الأمريكي فقط، وربما تركز الإدارة الجديدة على احياء الدور الاردني في هذا الملف؛ الامر الذي يعيد العلاقات الأمريكية – الاردنية إلى ما كانت عليه قبل قدوم ترامب. فضلاً عن ذلك، فأن إدارة بايدن ستكون اقل اهتماماً في موضوع التطبيع العربي – الإسرائيلي، الذي فرضته الإدارة السابقة على بعض الدول العربية بمختلف الوسائل.

ثانياً_ الملف الإيراني: لم يعد الخلاف الأمريكي – الإيراني مقتصراً على البرنامج النووي كما يتصوره البعض، بل أن دور إيران الإقليمي في المنطقة ومشروعها الصاروخي وادواتها العسكرية (الرسمية وغير الرسمية) في بعض البلدان العربية، وتهديدها للمصالح الأمريكية وحلفاء واشنطن في المنطقة، يعد من أكبر الملفات التي على واشنطن مواجهتها بحزمٍ كبير، بغض النظر عن نوع الإدارة (ديمقراطية أم جمهورية)، إلا أن المؤكد في الأمر بأن طريقة المواجهة وحلحلة هذه الملفات ربما تختلف من إدارة وأخرى. إذ يتخّوف البعض من أن إدارة بايدن ستكون أقل حدة في مواجهة إيران ودورها المتنامي في المنطقة وملفها النووي، دون النظر إلى عمق الأزمة بين واشنطن وطهران، لكن على ما يبدو بأن الأزمة بينهما لم تعد نووية فقط، وأن إدارة بايدن ربما ستسعى إلى مواجهة الملف الإيراني بسياسة أكثر دبلوماسية وبعيداً عن التصعيد العسكري، مع الأخذ بنظر الاعتبار موقف حلفائها في المنطقة واصدقائها الدوليين. وهذا ما تطرق له بايدن في بعض تصريحاته بقوله بأن: “أيّ تخطيط مستقبلي لأزمة إيران، لا بد وأن يتم بالتشاور مع جيرانها اﻹقليميين وبقية أصدقاء الولايات المتحدة”، مع رفضه المستمر بحيازة إيران على السلاح النووي (شكلاً ومضموناً). وسيكون الاتفاق النووي الإيراني، نقطة الانطلاق في رسم ملامح المواجهة الأمريكية – الإيرانية القادمة، وأن الوضع الاقتصادي الإيراني، وتداعيات جائحة كورونا، ربما يكونان عاملان قويان في دفع طهران حول الجلوس على طاولة المفاوضات، أو قد يساعد واشنطن على فرض شروط جديدة أخرى غير الملف النووي؛ للحد من تدخلها في المنطقة.

ثالثاً_ ملفات أخرى: فضلاً عن ما تقدم، لا يخفى على الجميع بأنّ هناك بعض المخاوف من إدارة بايدن تتعلق بشأن تعاملها أو تعاطيها مع بعض ملفات المنطقة، وهي مخاوف تعكسها طريقة إدارة الحزب الديمقراطي ورؤيتها للقضايا الخارجية، أو أن يكون الرجل امتداداً لسيرة أوباما، ولاسيما فيما يتعلق بنظرته إلى جماعات الإسلام السياسي والجماعات المتطرفة، التي عمدت إلى دعمها الإدارة الديمقراطية السابقة في عهد الرئيس باراك أوباما، وبهذا الصدد أشار الرئيس المنتخب ومرشحه لوزارة الخارجية انتوني بلينكن إلى تبديد تلك المخاوف بقوله: بأن إدارة بايدن لن تكون ولاية ثالثة أو امتداد لولاية الرئيس الأمريكي الاسبق باراك اوباما، وأن إدارته تتعامل مع الحاضر وليس الماضي”، فضلاً عن ذلك، فأن ملف الجماعات المتطرفة وجماعات الإسلام السياسي، لم يعد من الملفات التي يمكن المراهنة عليها في الاستراتيجية الأمريكية، ولاسيما بعد تجربة الربيع العربي عام 2011 والعراق بعد 2014، إذ أدت تلك السياسات إلى نتائج عكسية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية ومصالحها في المنطقة.

بالمجمل، يبدو بان ملفات الشرق الأوسط لا تتأثر كثيراً بنتائج الانتخابات الأمريكية وطريقة إدارة الحزبين لها، وأن فوز بايدن قد لا يؤثر إيجاباً، أو قد يؤثر عليها بشكل نسبي، وربما تسعى الإدارة الجديدة إلى معالجة بعض الاخطاء الأمريكية التي انتهجتها إدارة ترامب، سواء فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، أو بالصراع مع إيران، وابتزاز الدول الخليجية بهذا الجانب، بالشكل الذي يؤّمن المصالح الأمريكية في المنطقة، وعدم الانخراط في الحروب العسكرية، ولاسيما أن الشرق الاوسط لم يعد يحظى بأولوية قصوى في السياسة الخارجية الأمريكية في ظل تراجع أهمية النفط كمصدر رئيس للطاقة، وفشل السياسة الأمريكية في المنطقة على مدار ثلاثة عقود الأخيرة في خلق شرق أوسط مستقر وديمقراطي؛ لذلك لا يمكن التعويل كثيراً على الدور الأمريكي في المنطقة ونوع الإدارة وطبيعة إدارتها لملفات المنطقة في خلق الاستقرار السياسي، بقدر ما يمكن أن تكون دول المنطقة هي الراعي الرسمي والساعية إلى تحقيق وخلق ذلك الاستقرار، سواء فيما يتعلق بترسيخ الديمقراطيات الحقيقية واحترام حقوق الإنسان، ومعالجة التصدعات الاجتماعية والتطرف والإرهاب الناجم عن سوء الإدارة والحكم وطبيعة النظم السياسية الحاكمة والصراع الإقليمي.

 

المصدر : مركز الفرات

التعليقات مغلقة.