الإحتفاء باليوم العالمي للغة الأُم .. دعوة لأقرار الحقوق اللغوية للقوميات     

براهيم الخليفة

يحتفل العالم اليوم ، الحادي والعشرين من شهر شباط /فبراير، بالذكرى الثانية والعشرين باليوم العالمي للغة  الأمُ ،وهو تقليد سنوي أتخذته منظمة اليونسكو،  لتعزيز الوعي بالتنوع اللغوي والثقافي بين شعوب الأرض ، والدعوة للحفاظ على هذا الموروث للاقليات من الأندثار. قبل الخوض في تفاصيل الموضوع، لابد من تعريف اللغة حيث هناك العديد من التعاريف لمفردة اللغة منها هذا التعريف “اللغة بأنها مجموعة الرموزوالإشارات المنطوقة التي تنتقل بالفعل من المرسل إلى المستقبل في عملية الإتصال والتفاعل وعبر وسيلة.

جاءت هذه الفكرة في بادىء الأمر من بنغلادش،التي أختارت يوم 21 شباط/ فبراير، ذكرى نضال سكان البلد من البنغاليين، من أجل الإعتراف باللغة البنغالية لغة رسمية بعد فرض اللغة الأوردية بالقوة من قبل حاكم باكستان العام آنذاك محمد على جناح في 21 اذار 1948، حيث أعقب هذا القرار، ان  شهدت بنغلادش ( باكستان الشرقية  ذلك الوقت)خلال سنتي 1950-1952، إنتفاضة عُرفت لاحقاً بـ”الحركة اللغوية البنغالية”، مما أجبر الحكومة الباكساتنية على الأعتراف باللغة البنغالية إلى جانب اللغة الاوردية، لغتان رسميتان في الباكستان الشرقية.

حظيت  المبادرة  هذه بدعم من ثمانية وعشرين دولة. ووافق عليها المؤتمر العام لليونسكو عام 1999 ، ليبدأ الاحتفاء بهذا اليوم حول العالم منذ  شباط/ فبرايرعام 2000.، من أجل تعزيز التعدد اللغوي والثقافي وتعدد للغات، والحفاظ على اللغة الأُم من الإندثار.

وأصدرت اليونسكو بيان بهذه المناسبة مما جاء “يحتفل العالم  ، باليوم العالمي للغة الأم ، الذي يصادف اليوم 21 فبراير تحت شعار، “تعزيز التعددية اللغوية من أجل الإدماج في التعليم والمجتمع” ، و يهدف الإحتفاء بهذه المناسبة ” تعزيز الوعي بالتنوع اللغوي والثقافي وتعدد اللغات. ، حيث يواجه العالم أضطراب التعليم  بسبب تفشي وباء كورونا غير المسبوق، والذي زاد من التهميش والإقصاء، أن اللغات والتعددية اللغوية يمكن أن تعزز الإندماج  في المجتمعات، وأن أهداف التنمية المستدامة تركز على عدم ترك أي شخص يتخلف عن الركب، وتؤمن منظمة اليونسكو بأن التعليم ، القائم على اللغة الأولى أو اللغة الأم ، يجب أن يبدأ من السنوات الأولى لأن الرعاية والتعليم المبكران هما أساس التعلم.

سيتم في هذه المناسبة عقد ويبنار عبرالإنترنت باللغات الإنكليزية والفرنسية والإسبانية مع الترجمة الفورية ، وكذلك بلغة الإشارة الدولية .ويعالج مسألتين:

إعادة التفكير في السياسة والممارسات الشاملة في التدريس والتعلم في سياقات متعددة اللغات، و تعزيز الإدماج من خلال التعددية اللغوية ، بما في ذلك لغة الإشارة ، في التعليم والرعاية في مرحلة الطفولة المبكرة،ويهدف الى:

– تعزيز الإدماج في التعليم من خلال سياسة وممارسات شاملة في التدريس والتعلم مع دمج التعددية اللغوية .

– تعزيز التعليم والرعاية الشاملة في مرحلة الطفولة المبكرة مع جميع الأطفال الذين يعيشون ويتعلمون معًا من خلال التعددية اللغوية .

– المساهمة في تطوير وإستدامة المجتمع الشامل من خلال التعددية اللغوية ايضاً.

والإحتفاء بهذه  المناسبة هذا العام،  هو دعوة لصانعي السياسات والمربين والمعلمين والآباء والأمهات والأسر لتوسيع نطاق التزامهم جميعًا بالتربية متعددة اللغات، وإدماجها في التربية لتعزيز تعافي العملية التعليمية في سياق جائحة كوفيد – 19. ويسهم هذا الجهد كذلك في عقد الأمم المتحدة الدولي للغات الشعوب الأصلية (2022 – 2032)، الذي تتصدره اليونسكو،والتي تضع تعدد اللغات في صلب قضية تنمية الشعوب الأصلية.

وتشير ادبيان اليونسكو بأن ما لا يقل عن( 43 %) ، من اللغات المحكية حاليًا في العالم والبالغ عددها( 6000 ) لغة معرضة للإندثار.أما اللغات التي تعطى لها بالفعل أهمية في نظام التعليم والمُلك العام، فلا يزيد عددها عن بضع مئات، ويقل المُستخدم منها في العالم الرقمي عن مائة لغة.

وتنمية اللغة  الاصلية والحفاظ  عليها حق من حقوق الشعوب الناطقة بها كونها تمثل هويتها الوطنية وإرثها الثقافي والمعرفي ووسيلة التواصل مع الأجيال،وهي تمثل  جزء من حقوها التي أقرها لها الاعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تبنته الأمم المتحده في 10 أيلول/ ديسمبر1948.ومن هنا تبدي المنظمة الدولية أهتما ماً خاصاً بلغات الإقليات الاصيلة من الإهمال والإندثار، بل تؤكد على إحياءها وتفعيلها مع لغات الإغلبية، كحق موروث ومكتسب.وهناك من ينظر إلى التنوع العرقي والمذهبي بأنه حالة سلبية يعدل في تفكية بنية الدولة وخاصة عندما يتم تجاهل وتهميش هذه الاقليات بينما يرى آخرون ان  هذا التنوع يعد حالة سليمة وخاصة عندم يتم الاعتراف بتلك المكونات واقرار حقوقها  المشروعةعبر تشريعات دستورية وقانونية.

يعد العراق واحد من الأقطار العربية الثرية في التنوع المذهبي والعرقي، فقد بينت احد الدراسات بان العراق يضم جماعات دينية ومذهبية وقومية وسلالية  عديدة ،مع وجود قدر من التداخل بين الدين والمذهب والقومية، ويقدرعدد الاقليات بأربع عشرة أقلية قومية، وهي التركمان ،الشبك، الكرد الفيليين، والاقليات الدينية هي الإيزيديون، الصابئة المندائيون، المسيحيون، البهائيون ، الكاكئيون، الزرادتشيين، اليهود، واقليات أخرى ، مثل الغجر( الكاولية)، القوقاز( شركس، الداغستانيين ، الشيشان )، الاذربيجانيين والجورجيين ، ويأتي كل من الاكراد والكلد اشوريين والتركمان من القوميات الرئيسية في البلاد بالإضافة للقومية العربية، ويتكلم معظم السكان في البلاد اللغة العربية حتى من أبناء المكونات الأخرى، ولكل من هذه المكونات اللغة الأُم الخاصة بهم، وهي جزء من ديمومة وبقاء هذه المكونات والحفاظ عليها من الإندماج و الإندثار مما يعطي ميزة ديموغرافية للبلاد فريدة من نوعها في المنطقة وعبر العصور التاريخية.

وتشير موسوعة الويكبيديا ..  أن اللغة العربية لغة الأغلبية في العراق، أما الكردية فيتحدث بها حوالي( 20 ٪ )، من السكان وهنالك الأذرية الجنوبیة (أو التركمانية محليا) يتحدث بها مايقرب (5  – 10 ٪)، من سكان البلاد وهناك التركمان العرقية والآشورية التي يتحدث بها نسبة (3  – 5 ٪)، من العراقيين ، معظمهم من المسيحيين و لغات ولهجات أخرى مثل المندائية والأرمن والغجر ويتحدث بها أعداد قليلة بين (25,000- 100,000 )، لكل منها.مع الأقرار أن هذه الإحصائيات ونسب وعدد المكونات في البلد  تفتقر للسند الرسمي لعدم وجود إحصاء حديث وفق المعايير الدولية ،بل أعتمدت أحصاءات قديمة أو تقديرات عشوائية..

هذا العدد من المكونات يمتلك ارثاً لغويأ وثقافياً عميق ويعد الاساس في وجودها وديمومتها عبر التاريخ ، وحق أحتفاظ كل مكون بلغته والحفاظ عليها من الإندثار كان محط أهتمام على مستوى المنظمات المعنية بحقوق الإقليات على المستوى المحلي والدولي، مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ،وهو وثيقة حقوق دولية تبنته الأمم المتحدة في 10 ديسمبر 1948، و المادة( 27 )،من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والمادة(2،3،4  ) ،من إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة في 18/12/1992.والمادة( 25 )من الميثاق العربي لحقوق الإنسان، فاحترام حقّ الأقليّات في الهوية وحمايتها وتحقيقها هو من العوامل الأساسية في إدارة التنوع وتحقيق الاستقرار. إذ لا يجب منع الأقليات من التعبير عن هويتها من خلال قيودٍ لا مبرر لها.

وحتى عام 2003 يرى أبناء هذه المكونات بوجود غبن في حقوقهم اللغوية والثقافية لكن تم أستدراك ذلك في المادة (4) من دستورعام(2005)، وفي قانون  اللغات الرسمية في العراق الذي صدرعام 2013، حيث أكد أن اللغة الرسمية في العراق هما اللغة العربية والكوردية،كما جاء في المادة (3) من القانون المذكور.بينما بينت المادة (8) منه … يجوز فتح مدارس لجميع المراحل للتدريس باللغة العربية ، الكردية ، التركمانية ، السريانية، الأرمنية أو المندائية في المؤسسات التعليمية الحكومية أو بأي لغة أخرى في المؤسسات التعليمية الخاصة وفقاً للضوابط التربوية.كما شدد القانون المذكور المادة- (10)، اللغة التركمانية، واللغة السريانية لغتان رسميتان في الوحدات الإدراية التي يشكل التركمان أو السريان فيها كثافة سكانية، والمادة (11) لكل إقليم أو محافظة اتخاذ أية لغة محلية أخرى لغة رسمية، إضافية إذا أقرت غالبية سكانها ذلك باستفتاء عام ، وتقر المادة (12 ) من القانون المذكور بأن يحق لكل مواطن عراقي أو اجنبي تعليم ابنائه بلغة الام، ولكل مكون عراقي الحق في إنشاء كليات أو معاهد ومراكز ثقافية أو مجامع علمية تخدم تطوير لغته وثقافته وتراثه.

وبهذه التشريعات  يكون قد ارتقى  العراق إلى طموحات  المنظمات الدولية المعنية بهذا الشان، لكن المعنيون بشؤون المكونات في البلاد يجادلون ان هذا القانون يعد نقلة متطوره باتجاه الأقرار بالحقوق اللغوية للاقليات التي تم تجاهلها على ما مضى من الوقت ، لكن ذلك لايرتقي لمستوى  الطموح.

التعليقات مغلقة.