الأشتغال على تقنية التكرار في رواية (برج المطر)

رنا صباح خليل
تعد تجربة الكتابة الروائية عند الروائي أمجد توفيق لافتة للنظر ومهمة ذلك أنها تعتمد في اشتغالها على السؤال والحِجاج واشغال الذهن ومن ثم الوصول الى الفكرة التي غالبا ما تغلف بهاجس قلق لا يستقيم ويهدأ أواره إلا باستكمال أدوات تكوينه وتعيين حدوده المؤثرة الى نهاية النص الروائي، وفي رواية (برج المطر) الصادرة عام 2000 عن دار الشؤون الثقافية العامة نجد أن الروائي قد انتشلنا من فوبيا قلق الهاجس الذي يكتنف روايته، وهو يدعونا للانزياح عنه مؤقتا وذلك بابتدائه بمناقشة المسافة التي تحدد الزمن، وطرح السؤال التالي أهي المسافة الواقعة بين عين واذن أم بين لسان وأنف وهو سؤال تقريري تسكن إجابته في الفكرة التي تستوطن مخيلة الكاتب والتي عرضها وسفح متبنياتها وفك اسرارها خلال الحجاج الذي يدلي دلوه في ما يحسمه الموت من قرار، وما نتأمله في دواخلنا من اتقاد، وما تبثه الروح فينا من جذوة للأحساس بالزمن، وكأنه يريد القول إن الحياة لا نعيشها كواقع مادي وإنما نعيشها كتمثلات وتخيلات كما أكد ذلك بورديو حين قال إن الوظائف الاجتماعية ليست إلا تخييلات واوهام اجتماعية (1) تلك التمثلات التي تساعدنا في التغلب على فظاعة الواقع وإكراهاته، وتدفعنا الى مواصلة الحياة وينطبق هذا الكلام على ـ النص الأدبي الذي مهمته أن يشخص الراهن وتقع عينيه بين الحين والآخر على ماحدث في الماضي ـ خاصة ان الرواية التي نحن بصدد الحديث عنها متلازمة في أحداثها مع احداث حرب الخليج في التسعينات من القرن المنصرم في العراق وممتدة الى مرحلة تكالب ثلاثون دولة بقيادة اميركا على اسقاط نظام الحكم واحتلال البلد.
واذا اردنا تخطي ذلك الحاضر الشاخص في أحداث الرواية فهناك ما ينبئ بالمستقبل الذي تثيره لفظة (برج) في العنوان ويؤكدها الروائي حين يعرفنا بأن برج المطر “هو البرج الثالث عشر الذي اضافته تجربة الحرب والحصار الى الأبراج الإثني عشر المعروفة.. وفيه نقرأ وشوم أرواحنا” (2) وبما إن الروائي قد عرّف الينا مقصده من كلمة برج فإنه يحتم علينا أن نتبين تركيبة العنوان وهو عبارة عن مركب اسمي إضافي مكون من (برج = مضاف) و(المطر = مضاف إليه) وإذا اخذنا كلمة برج وحدها فهي ترمز الى العلو والسمو وهي تعني مجازا المكان المعزول عن العالم الحقيقي وهو ملازم للتنبؤات والغيبيات لارتباط الابراج بتقسيمات الدائرة التي تمر فيها الشمس والقمر والكواكب الثمانية لتكون اثنى عشر برجا يضيف إليهم أمجد توفيق برجا آخر اسماه برج المطر، وقديما قالوا إن الأبراج قد تحمل أسماء حيوانات وأشياء وشخصيات دينية وأسطورية ولكل منها ثلاثون درجة قوسية على مسار الشمس، اما كلمة (المطر) فهي ترمز للطبيعة وترمز للخير والعطاء، ولكن أية طبيعة مشوهة تتمثل بأيام الحصار والموت والدمار وأي عطاء تمنحه الحرب لما يقع تحت طواحنها .. هذا ما سنتبينه في هذه الرواية.
طروحات التكرار في مدلولات الروي
بدءا علينا الايضاح أن بعض المناهج الحديثة اتخذت من تقنية التكرار دعامة أساسية في النص وجعلوها معروفة لديهم في أي عمل أدبي، و ذلك لغايات جمالية عديدة، لعل من أهمها إحداث أثر لدى المتلقي وذلك بتخييب توقعاته، حيث يضعونه أمام عمل يخالف أفق انتظاره وقد يتجاوز التكرار عند رواد الحداثة ـ الوظيفة التأكيدية والإفهامية ـ المعروفة لدى الخاص والعام في مجال الأدب، ليصبح تقنية جمالية تختلف درجتها من كاتب لآخر، إذ نجده يتكون ويتغير في النص ذاته، مرتدياً في كل مرة جلباباً مختلفاً عن الآخر حتى عند الكاتب الواحد نفسه، وربما نتساءل ألا يثير أسلوب التكرار الرتابة في نفس القارىء والسامع على حدٍ سواء وقد يحط من قيمة صاحب الأثر كمبدع، إلا إننا لو نظرنا لما يعتمل عن طريقه وما يثيره لدى المتلقي من كمية هائلة من التساؤلات يتكشف لنا سر اللجوء الى هذه الظاهرة الأسلوبية من دون سواها ويتضح ارتباطها بمحاولة اشراك القارىء في إثراء المعنى والبحث عن الدلالات والتأويلات المناسبة التي ترمي إليها التراكيب المكررة، وهذا ما يجعل هذه التقنية أحد أهم مظاهر الرواية الجديدة التي اعتبرت التكرار أحد أهم العناصر التي تقوم عليها التجربة الروائية(3) وقد قسم الناقد الأسلوبي جون كوهن مصطلح التكرار واشتغالاته الى ثلاثة مستويات :
1ـ التكرار على المستوى الصوتي .
2ـ التكرار على المستوى التركيبي.
3ـ التكرار على المستوى الدلالي (4) .
والمستوى الثالث هو ما يهمنا في قراءتنا هذه التي تعتمد تكرار عبارة (المطر الأسود) بين ثنيات السرد وفي مواقع مختلفة من الروي لتشكل ايقاعاً يلتزم التنويع في المعنى والدلالة، حيث ينشأ من جرائها ايقاعا يرافق القراءة وهو يشابه التكرار في الشعر وكأنه لازمة شعرية تنتقل من مقطع لآخر، وهذا النوع من التكرار يماثل ما جاء في قصص فولكنر (موسيقى سوداء) .
كان أول ظهور للعبارة في الرواية مصاحبا للسماء وهي تعبر عن نفسها إزاء فعل الحرب وتحديداً الحرب التي تسلطت فيها ثلاثون دولة بزعامة الأمم المتحدة للنيل من العراق، ما جعل السماء (ادلهمت، فعبست، فاقتربت، فانفجرت) كما ورد في صفحة (70) من الرواية، ومن ثم يتحول المطر الأسود الى تاريخ يفصل بين مرحلتين فيمد النص بسلطة توجيهية لا يمكن الركون الى فهم مضامينها الا عن طريق السياقات السردية التي تقبل الكثير من الاحتمالات وهي في جميع حالاتها تجعل القارىء مقتنعاً اقتناعاً يكاد يكون كلياً بأن المطر الأسود فضلاً عن المعاني الحرفية التي يمكن أن تتسرب عبره، سيشكل عنصراً أساسياً في النص كباقي الشخصيات التي تتصارع من أجل اثبات وجودها داخل المبنى الحكائي ابداعياً . ويكفي ظهور العبارة أكثر من احدى عشرة مرة داخل اتون الروي أن تكون مرهونة بعملية بناء معاينة من داخل النص وهذا ما سنقوم بكشفه اثناء معاينتنا لأبرز محطات ظهورها داخل الرواية .
يمكن ان نسجل الظهور الثاني للعبارة في الملفوظ السردي الآتي :
” ذهب الزمن الجميل ..
ماذا بقي من جابر، غير شاهدة قبر ..
انه زمن المطر الاسود..
تجار الحرب اصبحوا اسماء لامعة .. والتجار الستة الذين داهمت بيتهم، اصبحوا يمتلكون العمارات والفنادق ..” (5) .
إن الروائي اعتمد في اشتغاله على رمزية الألفاظ عن طريق تحميل المفردة لكم هائل من الشحنات فاللغة تعكس آلام الذات وجراحها وأمانيها، ذلك أن الرواية تتحدث عن الشخصية الرئيسة وهي شخصية البطل منذ صغرها في مرابع الطفولة، وتصل بنا الى التوهان مع فترة الفتوة والشباب وصولاً إلى النضج وتحمل زمام المسؤوليات؛ فهي من الشخصيات النامية وهي مكلفة بتدريب مجموعة من المتطوعين إبان الحرب التي اندلعت لتغيير النظام في العراق أما الذين تتحدث عنهم الشخصية بضمير المتكلم في النص السابق فتقصد بهم التجار المنتفعين من حرب الخليج في التسعينات والتي تلاها حصار اقتصادي على البلد، ولذلك نجدها تبث لواعجا ملموسة عبر تواتر لغوي متجانس مليء بالمشاعر والأحاسيس التي طغى عليها طابع الحزن والألم بفعل خسارة صديق وتغير الحال نحو الأسى لا نحو الأمل والسعادة بعد تلك التضحيات التي قدمت والدماء التي نزفت، بل إن المعاني الجميلة المرتجاة أصبحت من نصيب من لا يستحق من تجار الحروب، وتكرار لفظة المطر الأسود هنا جاءت لتناقش موضوعا كونياً على مستوى فوق زماني وهو الموت الذي هو موضوع شديد الاتصال بوجود الأنسان وضرورات حياته التي لا تثمنها الحروب، وعبارتنا التكرارية هنا تكثف الاشتغال على ثيمة الفقد وتضافرها مع الفرص الغير متكافئة التي يحظى بها من هم بعيدين عن الاستحقاق والمشروعية، كذلك أن تجربة الفقد شكلت عند الكاتب مفصلاً من مفاصل توقف الزمن وتوقف قيمته ببروز الموت ببعده الراكد السكوني، فالموت هو موت للزمن وتوقفه وما استذكاره لجابر وشاهدة قبره الا ليحمّل النص إجابات شافية لكثير من التساؤلات الوجودية والفلسفية القلقة والمحتدمة في ذاته، تلك التساؤلات التي تجعل من ذهن الكاتب ملأى بهموم وتفاصيل يتم البوح بها عن طريق هذه الآلية باستخدام زمن المطر الأسود ليتيح مجالاً واسعاً للتأمل في مناقشة همّ داخلي يُأزم الروائي ويدخله في صومعة حِجاج مع النفس حول فحوى امور لا يراد بالضرورة مناقشتها مع آخرين عاشوا الوضع نفسه فالموضوع عام وهو ما بقي بعد الحرب غير الموت والذكرى والنفعية، ولكن تأثيره في هذه الحالة اكتسب خصوصية لدى الشخصية، كونه حوار من نوع خاص مع الذات .
في الموضع الثالث لتكرار عبارة (المطر الاسود) نجد الدوال التالية:
“ماذا حلّ بمجموعة المتطوعين ..
بعضهم سافر إلى ليبيا، أو الاردن، أو اليمن بحثاً عن فرصة عمل .. وبعضهم رحل إلى السماء لإبلاغها حجم جرائم العصر .. وبعضهم بقي شاهداً على ساحة رجولته، يصل الليل بالنهار، من أجل أن يوثق اخطبوط المطر الأسود .. وبعضهم وبعضهم “(6) .
خلال هذا الحوار يتضح حجم الخسائر فالمتطوعين هم منتخبون من خيرة شرائح المجتمع وكان العمل قائماً على تهيئتهم لأخذ مواقعهم الصحيحة في الدفاع عن الوطن ولكن حدث أن سافر بعضهم بحثاً عن فرصة تليق بهم في دول أخرى، بدلاً من أن يتقلدون مكاناً مرموقاً في بلدهم، وقتل بعضهم وبقي بعضهم شاهداً على مطره الأسود، وفي هذا النص تتواشج شبكة عناقيد للألم داخل جملة التكرار مرجعها يعود إلى أصل واحد هو الأحساس بالاغتراب في الفعل؛ ففقدان الأشخاص لا يوازي قيمياً نتائج الحرب التي كانت خاسرة بجميع مقاييسها وهذا يؤكد أن الشخصية لم تشفى من جراحها حتى بعد انتهاء الحرب وانطفاء نار القتل فهناك سبباً يؤرقها ويجعلها تناجي وتستذكر وتتألم، وهي بذلك أصبحت حاملة لفكر الروائي الذي يرفض الحرب ويمقت مخلفاتها وعلى الرغم من أن النص جاء هنا مختزلاً ومكثفاً إلا أنه عبر عن ايديولوجيا معينة وموقف ملموس، الأمر الذي يجعلنا ننظر للشخصية نظرة مستمدة في مجموعها من المفهوم الوظائفي في اللسانيات ذلك أن الكلمة التي تنطق بها الشخصية في الجملة المكونة لدال سردي لم ينظر إليها على انها تحمل دلالة ما خارج سياقها بل انها لا تأخذ دلالتها إلا من خلال الدور الذي تقوم به وسط غيرها من الكلمات ضمن النظام العام للجملة(7). وكذلك جملة التكرار هنا فالمطر الأسود جاء على شكل اخطبوط وهذا الأسم بحمولته الدلالية التي تشي دائما بالقسوة والعنف، يشحن النص بدلالات تشكل ذاكرة مضافة ترتبط بالسياق النصي الذي يوثق الخسارات ويدين منتفعوها، جاء ذلك عبر حوار الشخصية مع احد الاصدقاء من المتطوعين اثر لقاء تم بينهما بعد انتهاء الحرب.
إن التكرار توظيف واستعمال يهدف إلى تحقيق غايات جمالية أو تأثيرية ” فتوظيف الظاهرة اللغوية لا يفي مجرد استعمالها في الكلام أو كيفية إجرائها فيه ومختلف الوضعيات التي تكون لها في نطاقه لتبليغ خبر، وإنما التوظيف استعمال جملة الوسائل اللغوية استعمالا خاصا لغاية ادبية جمالية أو تأثيرية يجاوز مستوى الإخبار والتوصيل”(8) وهذا ما جاء في النص التالي من الرواية:
” إنها مؤسسة لها رؤوس واختصاصات، تضمن إنهاء الصفقات بثمن هو نسبة مئوية من الارباح ترتفع وتنخفض لاعتبارات كثيرة ..
ـ اية مهنة هذه، كنا نسمع عن وساطات أو معارف يتدخلون لمصلحة متضرر ..
ـ هذا الأمر اصبح من الذكريات .. لكل شيء ثمن .
ـ في زمن المطر الأسود” (9) .
تبرز في هذه الدوال ثنائية وضع ما تتآلف الشخصية مع واحدا منه وتنفر من الآخر وهو من افرازات الحرب على المجتمع ايضا، يتضمن وجود بيوت للدعارة تتم فيها الصفقات وشراء الذمم وممارسة الجنس، وفي هذا النص سعى الكاتب الى تشخيص البنية الاجتماعية بالنظر الى جوفها السحيق الغائر بوساطة حبكة رئيسة تستوعب مجموع الافعال والشخوص والازمنة والفضاءات بحيث تشغل موقع البؤرة في تنظيم النص وتحريك الحوافز نحو تخيله بوفرة مشهدية كادت تغطي مساحة متن مقتضب لكنه استطاع تقويض مركزية الكتابة وضخ جملة دلالات لها وقعها في كسر رتابة البعد القائم على افرازات الحرب على الفرد بعد أن كانت الشخصية تتحدث عما تشعر به وما مرت به بعد انتهاء الحرب ليشمل البنية المجتمعية في احد اجزائها ومن ثم اخذت الرواية تخرج الى اطارها الاشمل الذي تمثل بوصف حالات سياسية تتعدى النظرة داخل البلد وسياسته الى نظرة في سياسات دول كبرى وجاء ذلك في الدوال التي تكتنف الاسطر التالية:
” فلا تولي الخبر اهتماما ما يفوق اهتمامك بخبر يقول :
ـ ان ديكا باض بيضة، ودعا الدجاج الى مؤتمر لتحسين البيض .. وتذكر ان قطرة من السائل المنوي للرئيس الأمريكي التصقت بالثوب الأزرق لمونيكا، أقامت الدنيا ولم تقعدها.
إنها أخلاق المطر الأسود .. لا تعجب” (10) .
تعكس القيم الدلالية لهذه الوحدات النصية العلاقة الحميمة ما بين الفاعل وهم الدول الكبرى متمثلة بامريكا واتباعها وموضوع عقد مؤتمر لسبب قاصر عن الاهتمام المشروع، وبذلك مارس الموضوع فرض سلطانه المهيمن على زاوية نظر ناء بها المفعول به واقصد بهم الدول المستباحة للاحتلال والمعرضة للفقر والانتهاك وهنا جاءت الدلالة تحمل هما اكبر وقهرا مضاعفا تمثل بوالد الطفل الذي يريد اجراء عملية لابنه ولا يستطيع تحمل التكاليف وليس هناك من يعقد مؤتمرا لحل ازمته. ” طفل في الخامسة من العمر .. احتضن ذراع ابيه الواقف بانكسار امام الطبيب .. حدق الطبيب برقائق الاشعة .. قال: يحتاج الطفل عملية في الدماغ .. فثمة ورم .. ترنح الاب المسكين، حاول معرفة المزيد ..
لا وقت لدي اذهب الى المستشفى.. ” (11) .
ان التكرار للفظة المطر الاسود جاءت هنا لتبث دلالة تحافظ على ملامحها طيلة فعل الروي وان لحقتها تغييرات من جراء استخدامها المتكرر فهي مرافقة لكل حالة مؤلمة ولكل حالة انكسار وتخاذل، فهي بمجملها حالات ناتجة من لوازم و فروض الحروب واهواء السياسة، وهذه الدوال لا تأتي بصفة نهائية ودفعة واحدة وإنما تمر بحالة من التطور المتدرج لمكون ما أما كيفية ادراكه تاما فتتم بلم اجزائه المتفرقة في النص وهو في مرحلة التنامي، وجميعها تعطي صبغة حافز بنائي أي إنه تكرار لطرائق في الكتابة تقام على موضوعات مشخصة من قبل الروائي .
جاء في الرواية” ـ إذن ناقشت وضعي مع حمدي .. لا الومك ولا الومه إنكما تبحثان عن شهادة تقدير لنشاطكما .. وتتصوران إنني اطعن هذه الشهادة .. لست أنا من يفعل ذلك .. إنه انتما .. دفنتما كل شيء من اجل شيء واحد فقط هو انكما وجدتما فرصة للاثراء، فعزّ عليكما إفلاتها .. لست الوحيد الذي قاتل أو تألم، فأنا اجد اي مواطن عاش هذه السنوات من زمن المطر الأسود بطلا يستحق أوسمة الحرب لا جدال..” (12).
في هذا النص المطروح من قبل الكاتب يقدم لنا نموذجاً ناضجاً لاكتمال إبداعه وتماسك وحداته، وقدرته على تجديد وعي الانسان بالواقع وذلك باختراق نظرة الكاتب لذلك الواقع بغية الوصول الى عمق التجربة بطريقة فنية تجمع عناصر ذلك الواقع وتكشف عن التناقضات الكامنة فيه، وبما أن الشخصية الرئيسة في هذه الرواية كان لها أن تأخذ دور الراوي في أغلب مواضع الروي وتبث طاقات وجهات نظرها حول زمن المطر الأسود الذي يراد به زمن الحروب وما قبله الذي كان زمن الحصار وما قبل الحصار الذي كان زمن حروب ايضاً لتشترك جميع هذه الازمان بخصيصة واردة بكثرة وهي أن هناك أناس منتفعين، ولكن الأمر مختلف هنا إذ رافق الانتفاع شعور ممض بالخذلان من قبل الشخصية التي كانت تتوقع موقفاً مخالفاً من شخصين تجمعها بهم رابطة صداقة، وكأنها تراهن على الموقف وتدك اسفين الثبات على المبدأ المنتزع بفعل الرغبة بالأثراء وانتهاز الفرص.
نرى للزمان وقع وللمكان وقع في الرواية لكثرة التنقلات فيها ولكن من سمات المطر الاسود فيها انه يشي بتركيبتة السائبة وغير المستقلة، هو متذبذب الاتجاه، سريع النكوص، هو اداة لبث الهم واجترار الدمار النفسي على الشخصيات فهو في كل حالاته مطراً والمطر يكون مقروناً بزمان هطوله وإن كان مجازياً، ويمكن له الانتهاء وتبقى منه الذكرى المؤلمة اذن هو أشبه بحلقة وصل بين مكانٍ معلوم يحتضنه زمان مقيد بحالة معينة، بدليل أن الذات المعنوية جعلت منه غير واقعي الثبوت بل متغير التكوين ويمكن أن تؤثر عليه موجات مدٍ لاحساس عذب وموجات جزرٍ لحالة حب وذلك مانراه متجسداً في علاقة الصداقة التي ربطت بين الشخصية الرئيسة واصدقائها (حمدي وابو خالد ونسمة) والتي تتطور الى قصة حب تنشأ بينها وبين نسمة لتدحض تلك القصة رمزية المطر الأسود وتطيح بفعله على الرغم من وروده كدال له مرجعياته التي تسيطر على فعل الروي، وما قلناه نستشفه من النص الآتي:
” ماذا فعلت نسمة بي ..
إنها تزرع الفوضى في قلبي، وسرق الهدوء لنفسها .. اقفز بين الحب والذكرى والألم وسيول المطر الأسود، فأجد نفسي طافحا بالهموم والانشغالات، وخاويا من فعل يتناسب مع ما يحدث فيّ ..
ماذا فعلت نسمة بي ..” (13) .
ان القيمة المركزية التي ينبغي ان تتسم بها جملة المطر الأسود في السطور السابقة نكاد لا نرى لها اثراً بعدما اكتست النص قيمة جمالية جاءت عبر مونولوج عذب سمح للرواية بالخروج من ربقة الحروب وتأثيراتها الموجعة، ذلك أن الحب بين شخصية نسمة وبين شخصية البطل في الرواية حملت ثيما متنوعة الأيحاء، مفتوحة الآفاق بتعددية تأويلية تجعل لنا حرية الحركة بمنافذ عدة لجمالية الاختيار وتذوق لا محدود بين المتعة باسترسال المتخيل الذي احدث الفوضى في القلب وفرضيات تأويله وربطه بالتوهان في تأمل المآسي لغرض فرض التواشج القسري مع بؤرة القصد وهي المطر الاسود وتهويماته في ذهنية الشخصية التي عن طريقها تبرز عبقرية الروائي في خلق كون خاص للرواية؛ لأنه يصف حالة شعورية تفرض على المتلقي الإمساك بمحاورها وتشده لغابة من التكهنات الدلالية التي تغني الحدس والتوقع بشعور متغاير فهي العالم الذي ينبض بالحياة، العالم الذي تبرز فيه فنية الاقتدار في سحب البساط من أهوال فعل الحروب والاستدراك نحو قيم حسية عالية الأثر في خلق المتعة المحفزة لإكمال الرواية بلهفة قارىء يتسلق الصفحات لنهاية شغفه ومسك خيط الخاتمة .
إن الاشتغال على تقنية التكرار في الرواية له فروضه التي تجعلنا نخوض تلك النقلات التي قد تخرجنا من صوامع الحب وتجلياته وترجعنا نحو تخوم المطر الأسود بسوداوية تنويعاته على مستوى النص ذلك لأن إعادة بناء المكون المتكرر يساعد على تأسيس الحافز في حالة توفره على طاقة قوية في تمثيل الموضوع الجمالي، وهذا يتأسس في السطور التالية من الرواية: ” في أيام المطر الأسود كانت لي جراح كثيرة، سأكتفي بالاشارة الى ثلاثة منها: الاول جرح العملية التي أجريت لي .. والثاني: جرح مفتوح لواجب مسؤولية مجموعة المتطوعين، وما يقتضيه من جهد وصبر غير مألوفين .. والثالث: مصير أخي وعائلته في المدينة التي استبيحت، ولم تنفع قبابها ومآذنها في تخفيف دموية بشر أحالوا المراقد الى سوح إعدام ..” (14)
ان ما يعانيه البطل فيما لخصه من جراح ثلاثة يشابه الخسران الذي يمنى به منفذوا الثورات في روايتي (رقصة التيس) لماريو باركاس يوسا و(ليس للكولونيل من يكاتبه) لغابريل غارسيا ماركيز ذلك ان الروايتين كانتا مسرحا للتعالق التكراري لمكون سردي شكل حافزاً بنائياً على مستوى الفكرة والطرح، ان هذا الشعور بالجراح ومن ثم الاحساس الممض بالخسارة جعل الرواية تعود لمكاشفة برج المطر في الصفحات الأخيرة من الرواية وكأنها تريد لملمة كل امطاره السوداء وتعيدها بصيغة مرجعية للبرج الذي ضم في سمائه افعالاً منشؤها سوداوي النظرة، وتبنى شخصيات تحاجج، ورسم خارطة رؤى تحكمت في شخصية البطل، وعمد الى تحميل جملته المكررة طاقات شعورية ودلالية اخرجتها من إطارها الضيق إلى اطار العموم والشمول .
الهوامش :
1ـ ينظر: بيلر بورديو، الرمز والسلطة، ترجمة: عبد السلام بنعبد العالي، دار تويقال، الدار البيضاء، 1986، ص49.
2ـ صفحة (9) من الرواية.
3 ـ ينظر: نعيمة فرطاس (ظاهرة التكرار والنقد الروائي) ص42.
4 ـ ينظر: جون كوهن، النظرية الشعرية، ترجمة: احمد درويش، دار غريب للطباعة والنشر، القاهرة، مصر، ط1، 2000، ص457 .
5 ـ صفحة (102) من الرواية .
6 ـ صفحة (216) من الرواية.
7 ـ ينظر: حميد لحميداوي، بنية الخطاب السردي من منظور النقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط3، 2000، ص52 .
8 ـ ينظر: حاتم عبيد، التكرار وفعل الكتابة في الإشارات الإلهية، لأبي حيان التوحيدي، ص6.
9ـ صفحة (136 ـ 137) من الرواية .
10ـ صفحة (177) من الرواية.
11ـ صفحة (178) من الرواية .
12ـ صفحة (309) من الرواية .
13ـ صفحة(325) من الرواية.
14ـ صفحة (146) من الرواية.

التعليقات مغلقة.