ملفات نفسية : أزمات الحياة

المستقلة – القاهرة – بقلم دكتور طاهر شلتوت استشاري اول الطب النفسي

يمر الإنسان في خلال رحلة حياته بعدد من الأزمات الهامة التي يشارك فيها كل البشر في كافة أنحاء العالم. وهذه المراحل العمرية التي سوف نتحدث عنها تمثل تحديا كبيرا ليس فقط لهذا الإنسان الذي يمر بالأزمة ولكن أيضا بالنسبة للاسرة والمحيطين به. وأول هذه المراحل الصعبة التي تواجه الإنسان هي الفترة من سن 3-6 سنوات حيث تمثل هذه الفترة نقلة نوعية في حياة الطفل، فهو قبل هذه السن كان لا يتمتع بالقدرة على التفاهم أو التواصل أو الحركة المنظمة. ولكنه بدءأ من هذا السن أصبح يجيد الكلام والتحدث وإستخدام الجمل والعبارات بل أنه أصبحت لديه درجة عالية من الإدراك لكل من حوله والرغبة في المعرفة وبدأ يتسائل عن كل شئ مما قد يرسب قدرا من الضيق أو الحرج أو الملل للمحيطين  به. وتعتبر هذه السن هي بدايات تكوين الهوية بالنسبة للطفل حيث يبدأ فيها بالتصرف على نوعه ذكرا كان أم انثى ويحاول أثناءها التشبه بأحد أبويه وإبراز شخصيته في المنزل حتى يشعر الاسرة بأنه موجود، ويجد لنفسه موطأ قدم في هذه الحياة. وهنا تظهر قدرة الاسرة على إستيعاب هذا المخلوق الجديد الذي بدأ يطالبهم أن يشعروا به ويعطوه مساحة خاصة به في الحياة حيث يظهر قدرا كبيرا من العناد والرغبة في المقاومة لكل ما يسمع من أوامر أو نواهي. فاذا إستطاعت الاسرة أن تستوعب هذه المرحلة الجديدة في حياة الإنسان وتشجعه على أن يظهر ما في داخله ويبدأ في تحديد هويته بما لا يتعارض مع طبيعة وأخلاقيات المجتمع الذي يعيش فيه فانه سوف ينمو نفسيا بشكل صحيح ويستطيع ان يتطور إلى الأمام أما إذا قهرته ومنعته من التعبير عن نفسه فان ذلك قد يولّد لديه درجة من العنف الذي قد يظهر في علاقاته مع الآخرين وخصوصا في مرحلة الدراسة والأصدقاء. وفي كل الأحوال يتحرك الطفل بعد ذلك مع قطار العمر لكي يصل إلى الأزمة الثانية في حياته وهي سن المراهقة وهو سن البلوغ للولد أو البنت،وهنا تتفجر الأزمة الثانية العنيفة في حياته وهي أزمة الهوية حيث يكتشف المراهق في هذه السن أنه مطلوب منه الإجابة على ثلاثة أسئلة هامة ألا وهي: من أنا، ماذا أفعل، بمن أرتبط، وبالطبع فان محاولة إيجاد إجابات واضحة لهذه الأسئلة تحتاج منه إلى أن يعيد إكتشاف الحياة بمنظاره هو وبوجهة نظره التي قد تصطدم ببعض ثوابت الاسرة المحيطة وهذا بالطبع قد يؤدي إلى صراعات عنيفة قد تنعكس آثارها السلبية على كلا من المراهق أو الاسرة أو كليهما وبالطبع فانه يحدث كما حدث في المرحلة الاولى من الحياة، بمعنى أن المراهق مع مرور الوقت سوف يعبر هذه المرحلة. ولكن الفارق الكبير انه إذا إستطاع الأهل والمحيطين أن يعينوا المراهق على أن يجد بنفسه إجابات واضحة، فانه عندئذ يستطيع أن يعبر إلى مراحل حياته الاخرى في أمن وسلام، أما إذا لم تعاونه الاسرة في إيجاد إجابات واضحة أو فرضت عليه مثل هذه الإجابات فان العاقبة قد تكون سيئة حينما يصل إلى منتصف العمر حيث قد تعاوده مثل هذه الأزمة مرة ثانية ويسمى آنذاك بالمراهق الكبير وللأسف فان عواقب مثل هذه الأزمة في تلك السن قد تكون أشد وأقسى لأن ما كان يستطيع الأهل والمحيطين فرضه في سن المراهقة فان احد الانسان لا يستطيع ان يفعل ذلك مما قد يؤدي إلى تفكك في الحياة أو الاسرة أو مجالات الحياة المختلفة. ولقد فان النصيحة التي نؤكد عليها هي أن نعطي أبناءنا الفرصة المبكرة في الحياة لكي يعبروا عن أنفسهم بشكل واضح ومقبول حتى نمكنهم من حسن بناء شخصيتهم وحياتهم في المستقبل.

قد يعجبك ايضا

اترك رد