اثر تعطيل المحكمة الاتحادية على حياد بعض المحاكم

القاضي أريج خليل

الأصل هو مطابقة النصوص القانونية للدستور باعتبار ان الدستور هو الاساس الذي يستند اليه القانون، لذا لا نستغرب وجود الكثير من النصوص القانونية غير الدستورية في القوانين التي صدرت قبل نفاذ دستور جمهورية العراق لعام ٢٠٠٥ لما تضمنه هذا الدستور من تغيير في العديد من المبادئ العامة التي استندت عليها القوانين التي صدرت في ظل الدساتير السابقة، ولعل ابرز ما جاء به الدستور انه جاء بمنظومة تشريعية كاملة لبناء سلطة قضائية مستقلة كونه اعتمد مبدأ استقلال القضاء في كافة النصوص الدستورية ذات العلاقة بعمل السلطة القضائية، وجعل القاضي مستقلا في عمله القضائي ولا سلطان عليه لغير القانون ونص على ان للقضاء موازنة مستقلة تجعله بمنأى عن كل التأثيرات المحتملة.

كما حدد الدستور جهة قضائية مختصة بالنظر في دستورية القوانين النافذة وهي المحكمة الاتحادية العليا وإزاء هذا التطور القضائي صدرت العديد من الأحكام القضائية الباتة التي ألغت النصوص القانونية غير الدستورية وكذلك قرارات مجلس قيادة الثورة المنحل وغير المتفقة مع أحكام الدستور النافذ، ومع ذلك ما زال هناك العديد من النصوص القانونية المؤثرة على مبدأ استقلال القضاء والتي تعتبر في نظر اهل الاختصاص نصوصا غير دستورية ولكنها ما زالت تطبق لعدم صدور احكام بشأنها بل أن هناك نصوصا مؤثرة على حياد القضاء. خاصة بعد تعطيل عمل المحكمة الاتحادية بسبب الاختلال القانوني في نصابها وتأخر اقرار قانونها، وبالتالي عدم اقرار النص القانوني الذي يحدد الجهة المختصة بترشيح وتعيين أعضاء المحكمة الاتحادية، الامر الذي ادى الى تعطيل إجراءات الطعن بالعديد من النصوص القانونية التي يجدها القضاة واعضاء الادعاء العام غير دستورية.

وحيث أن مبدأ استقلال القضاء باعتباره مبدأ دستوريا يراد به حصر الوظيفة القضائية بالقضاء فقط الا ان عددا من المحاكم تكون مشكلة من القضاة وأعضاء من السلطة التنفيذية الذين يشتركون في إصدار القرار القضائي، وان اغلب هذه المحاكم هي محاكم تشكلت في ظل قوانين سابقة ودساتير كانت تعتبر القضاء وظيفة وليس سلطة، ومن الأمثلة على ذلك النص القانوني الوارد في قانون الكمارك رقم ٢٣ لسنة ١٩٨٤ المعدل بالقرار رقم ٧٦ لسنة ١٩٩٤ والذي تشكلت بموجبه المحكمة الكمركية وجعل من بين اعضائها موظفا من الهيئة العامة للكمارك والذي يشارك في اصدار القرار القضائي رغم ان دائرته التي يمثلها هي جهة طعن بالقرار وهو يعتبر نصا لا يتفق مع احكام الدستور الا انه لم يتم الطعن به ولم يحكم بعدم دستوريته لحد الان رغم كونه  مؤثرا على استقلال القضاء وان الاصلاح التشريعي واجب لهذه المادة حيث لا يجوز ان تشترك الهيئة العامة للكمارك ممثلة بعضو المحكمة باصدار القرار القضائي خاصة هي الجهة التي لها صلاحية تنفيذه بموجب احكام المادة ٢٦٠ من قانون الكمارك النافذ.

الأبعد من ذلك ان هذه النصوص القانونية مؤثرة في حياد المحكمة كون ان الغرامات الكمركية والمصادرات التي تحكم بها المحكمة الكمركية تقيد إيرادا للخزينة وان هذه الإيرادات توزع نسبة منها على موظفي الكمارك كافة استنادا للمادة ٢٦٦ من قانون الكمارك النافذ ومن بين الموظفين المستفيدين من هذه الايرادات هو العضو الجالس في المحكمة المشارك في اصدار الحكم القضائي والذي يؤثر وجوده والحالة هذه على حياد المحكمة ككل كونه لديه مصلحة من اصدار القرار بشكل معين وهذه المصلحة ينتفي معها الحياد الذي ينعكس سلبا على حياد المحكمة الكمركية.

ان هذه النصوص القانونية غير المتفقة مع أحكام الدستور من وجهة نظرنا من الواجب ان تكون محلا للطعن امام المحكمة الاتحادية العليا ومحلا لإصلاح تشريعي يتفق وأحكام الدستور لأنها مؤثرة على مبادئ القضاء وان تعذر الطعن أو ان الإصلاح احتاج الى وقت ممكن أن يكون هناك إجراء وقائي على المدى القريب بأن يكون العضو الذي يعينه وزير المالية بموجب المادة ٢٤٥ من قانون الكمارك من بين موظفي وزارة المالية وليس من الهيئة العامة للكمارك ومن غير المستفيدين من الايرادات المتحققة فيها، وبغير ذلك لا يمكن أن يتمتع عضو المحكمة من موظفي الكمارك بالحياد والموضوعية التي يتطلبها العمل في محاكم السلطة القضائية كونه لا يمكنه ان يقف موقفا ثابتا من الخصوم في الدعاوى كما ان دائرته هي صاحبة الحق العام في الدعوى المنظورة امام المحكمة الكمركية، خاصة وان الادعاء العام يحضر جلسات المحكمة فيكون ضامنا للحق العام مما تنتفي الحاجة لوجود ممثل عن الجهة المتضررة من الجريمة   ضمن تشكيلة المحكمة كما ان هذه المحكمة تعتمد الكتب الرسمية والتعليمات النافذة في تحديد البضائع الممنوعة وقيمة الرسوم الكمركية المترتبة عليها فتكون المحكمة معتمدة على الكتب الرسمية  في الوصول الى الخبرة الفنية التي يقدمها العضو التابع للهيئة.

وعليه يكون الحياد في عمل المحكمة هو السبيل لتحقيق مهمة القضاء في تحقيق العدالة التي تتطلب التجرد من المصالح الشخصية والذاتية والتخلص من النصوص القانونية غير الدستورية التي ستكون وسيلة هدم لانجازات السلطة القضائية في تأهيل وبناء نظام قضائي مستقل في حالة عدم الحكم بعدم دستوريتها، الامر الذي يتطلب الإسراع في إقرار مشروع تعديل قانون المحكمة الاتحادية العليا وصياغته بالشكل الذي يتفق مع ما تسعى إليه المؤسسة القضائية وجهودها في تعزيز مبدأ استقلال القضاء وحياده.

 

 

 

التعليقات مغلقة.