أكونس..حياة بين المروج والثلوج

زينب لعظم

مسؤولة ميدانية بمشروع Farmer to Farmer مراكش

وَهَلَ الجسدُ، وتناثرَ الشيبُ اطلاق ١١ مليون  سابحة من اسماك الكارب بميسان وتقبضَ الوجهُ، وما يزال هؤلاء الناس يلزمون عملهم لزومًا وثيقًا بكل تفانٍ وإخلاص، لم تمحقهم خطوبُ الزمان، ولم تدفن لهم الجنان، بل جعلت منهم محاربين في الميدان. إنهم أحبوا الطبيعة فأحبتهم، يرمون لغرضٍ ولا يرمون لغرضٍ سواه، أن يظلوا في المكان من دون أن ينحنوا للأيام، ولربما بما صبروا فإن وقت زوال الضائقة قد حان.

عرف الرابع من شهر فبراير2021 سماءً مكفهرةً ملبدةً بالغيوم ومعطاءة في الآن ذاته، ورياحًا جافلةً تنقلك بصوتها إلى طبيعة حياة سكان المنطقة. وبعد عبور لمنطقة “سيتي فاضمة”، فقد تعالت الصعوبات لبلوغ “دوارأكونس” المنتمي لجماعة أوكايمدن والذي تغيب عن طريقه تلك الحركة المألوفة في الطرق لكونه أبعد وأعلى تجمع سكني بداخل جبال أوكايمدن، إذ يصعب التنقل بين تلك التضاريس الصخرية الشامخة لجبال الأطلس الكبير حتى بالنسبة لسائقي السيارات الأكثر خبرة، لكن السيد (حسن أيت واتوش) -مساعد بمؤسسة الأطلس الكبير- يعرف عن ظهر قلب التوجه الحكيم بين التقلبات والمنعطفات.

وبتوجيه من السيد (العربي ديدوكان) -أحد مؤسسي مؤسسة الأطلس الكبير ومتطوع مهمتنا لهذا اليوم المندرجة ضمن برنامج “من فلاح إلى فلاح”-، فقد استطعنا بلوغ ما يعادل نصف الطريق بحكم معرفته المسبقة بالمنطقة، لنرتحل بعد ذلك مع أعضاء جمعية أكونس نظرًا لازدياد صعوبة العبور، والذين كانوا في طريقهم أمام مرأى أعيننا بعد أن تم الالتقاء بهم في منطقة سيتي فاضمة.

وحقيقةً فإن كل تلك الصعوبات تضمحل أمام أهمية مهمة اليوم التي قدمنا من أجلها، والتي تفضي إلى وضع خطة عمل شاملة لمشروع زراعي لسكان منطقة أكونس. فقد استغرق الوصول للمنطقة من أجل هذه المهمة ما يفوق ساعتين مرورًا بالعديد من المدرجات الفلاحية الفارغة، لكن هذا لم يحجب عن أعيننا رصد جمالية المكان، جبالًا ترتدي معطفها الثلجي، وصمتًا فريدًا يسود في قلب طبيعة ساحرة خلابة يكسره في بعض الأحيان صوت بعض منابع المياه، أو نداء بين السكان أو بسمة تلقائية بريئة على محيا الأطفال الصغار الذين لا يترددون في تحية المارة، في مشهدٍ يجسد لبساطة وعفوية الساكنة وحبها للآخر بعيدًا عن أي تكلف أو تصنع.

وعند الوصول إلى المحطة، انتقل فريق العمل مشيًا إلى مكان الاجتماع برفقة السيد (حسن أيت لحسن) -رئيس جمعية أكونس-، وابن عمه (عمر أيت لحسن) -عضو أيضًا في الجمعية-، واللذان اغتنما الفرصة فعرفانا أكثر بالمنطقة، لنلتقي بعد ذلك بثلة من أصدقاء الفجر “فلاحي دوار أكونس” الذين سمحوا في عملهم اليومي بغية أن يستقبلونا.

لقد قدم ما يعادل 30 فلاحًا ليشاركونا قصة نضالهم داخل دوار أكونس وكيف لنا أن نكتب بحروفنا عما قيل، وقد قالوا ما قالوا وليس لنا إلا أن نلخص ما قالوا في أبيات الشاعر:

“أنا ابن الأرض تحضنني وأحضنها بكف حـــــان

فكيف عســـــــاي أتركها بأيد الغاصب السجان”

ابتهجنا بحديثهم، ثم بدأ السيد (رشيد منتصر) -مسير مشروع “من فلاح إلى فلاح” بجمعية مؤسسة الأطلس الكبير- يحاورهم بشأن هذا المشروع من خلال التعريف به وبأهدافه وأسسه، إذ أنه يعد برنامجًا عالميًا ممولًا من طرف الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، بحيث يقدم خبراء أمريكيون متطوعون المساعدة التقنية للفلاحين والتعاونيات والمجموعات الزراعية ومؤسسات قطاع الزراعة الأخرى في البلدان النامية والبلدان التي تمر بمرحلة انتقالية لتعزيز التنمية المستدامة في الأمن الغذائي والإنتاج الزراعي والتسويق، ولبناء القدرات المحلية ومكافحة تغير المناخ، زد على ذلك الحفاظ على الموارد البيئية والطبيعية. وبهذا الصدد فقد أطلعهم السيد رشيد على الهدف الرئيسي للبرنامج والمتمثل في تحقيق نمو اقتصادي مستدام وواسع النطاق في القطاع الزراعي، وبعد ذلك فقد همَّ بالاستماع إلى تحدياتهم وتصنيف أولوياتهم.

كشفت المحادثة مع الحاضرين عن مطالبهم الرئيسية والتي كانت تصب كلها في الرغبة في تطوير المنطقة زراعيًا، فكما أخبرنا به السيد (محمد بلال) وهو مستغرق في تصوراته وأفكاره: “إن منطقتنا كانت منبعًا للعطاء فيما يخص الإنتاج الفلاحي، لكن التغيرات المناخية التي تشهدها تؤثر سلبًا على المردودية بالإضافة إلى سوء تدبير المياه بالرغم من تواجد 9 ينابيع، منها ما هو عابر ومنها ما هو دائم” أضاف إلى قوله السيد (حسن أيت لحسن) أنهم يهتمون وبالخصوص بزراعة التفاح، إذ أنه ومن بين كل الحاضرين كان هناك فلاحٌ واحدٌ فقط يملك بعضًا من أشجار الكرز وعلى حد قولهم فإنهم يرغبون في غرس المزيد من هذا النوع من الشجر. شاركنا الحديث أيضا السيد (إبراهيم الطالبي) الذي عبر عن استيائه من تراجع القطاع الزراعي بالمنطقة، الشيء الذي جعل أحد الفلاحين المحليين يبحثون عن البديل في مجالات أخرى.

شرع بعد ذلك السيد (العربي ديدوكان) في تنفيذ نهج تشاركي لتأكيد الأولويات، والتي تمثلت في الاستعداد لزراعة أشجار الكرز في مساحة تعادل 30 هكتارًا، ثم التدريب على التقنيات الزراعية. لقد كان تفاعلًا جيدًا من لدن أفراد “دوار أكونس” وأعضاء الجمعية، وبعد أن جمع السيد العربي المعلومات الضرورية من أجل البدء في تطوير خطة العمل، فإنهم أشادوا بدورهم بالجهود المبذولة من قبل فريق عمل مشروع “من فلاح إلى فلاح”، معبرين عن أملهم في اقتراب التخفيف من تحدياتهم، واستعادة مجد الإنتاج الفلاحي مع ما يحمل معه من إمكانية فك العزلة عنهم والتي تحول دون الاستفادة من مداخيل منتوجاتهم.

أثناء هذه الأجواء تابعنا مجرى نمط حياة هذه الساكنة من خلال التحدث إلى نساء المنطقة فاستقبلننا عندهن لتتقاسم معنا السيدة “خديجة” بعضًا من طقوس عالمها بعد أن سألناها كيف تقضي يومها فأجابت بصوت متهدج مرتعش ”أقضيه بين هذه المواعين ومع هذا الطفل الذي لا يمل من حمله على ظهري” سألناها بعدها إذا ما كانت لديها صنعة أو حرفة يدوية فأجابت بدلًا عنها حماتها السيدة زليخة بحسرة “يكفي أن زوجها بالكاد يجد مدخولًا مؤقتًا، ولا يعرف للاستقرار سبيلًا، فكيف لنا نحن النساء أن نخوض تحديات تغلب الرجال”. عزمنا بعدها على الاسترسال معهن في الحديث من أجل تبسيط الأمور لكاهل أثقلته الأيام، فأوضحنا لهن أن كل ما يقمن به من أعمال يدوية جدير بالاستحقاق والتقدير، وأنه من شأن ذلك أن يعود بالنفع عليهن وعلى عائلتهن ولاسيما إذا أطر هذا العمل داخل منظومة تعاونية نسائية.

وقبل مغادرتنا لهذه المنطقة الجذابة فقد استوقفنا مشهد نسائي آخر في أعالي الجبال، امرأتان ترعيان الغنم مستأنستان بما تقومان به فقصدناهما لنجد السيدة فاطمة تصوب عينيها على الأغنام لكن العقل شارد وكما يبدو في الآلام، ومع اقترابنا منهما أقبلت السيدة زينب فعرفناها بنا وبسبب زيارتنا فسعدت كثيرًا كما عرفتنا هي الأخرى بنفسها وبصديقتها وعبرت عن فرحتها ببراءة وعفوية مطلقة قائلة “إننا نعاني حقًا من الإقصاء الشديد في هذه المنطقة والتحديات تزداد يومًا بعد يوم ما دمنا على هذا الوضع، فحالي أنا مثلًا، أني لا أجد ما أقوم به سوى أن أساعد صديقتي فاطمة في رعي غنمها” ألقت عليها نظرة عابرة لتقول بصوت خافت ”إن كلامها قليل فقد أرهقها العمل الشاق لوحدها، وهي تتطلع في كل يوم إلى أن يتحسن الحال كون أنها المعيل الوحيد لعائلتها” سألناها من جديد “هل لديكما حرفة ما؟” أجابت هذه المرة السيدة فاطمة عن هذا السؤال بكل ثقة وشجاعة ”إن أنشطتنا اليومية كلها حرف بدءًا من الأطعمة التقليدية التي نعدها وما تستلزمه من مهارات، وكذا أفرشتنا وأساليبنا التقنية التي نستعملها في مواسمنا الفلاحية والتي ورثناها عن أجدادنا، بالإضافة إلى عاداتنا في حفظ المنتوجات، وأمور عديدة لا يمكن أن يقوم بها إلا متقن لهذه الحرف اليومية لكن وعورة الطريق الموصلة لنا تأبى إلا أن تحد من التعريف بنا فنتجشم الصعاب”.

وحقيقةً، فإن كلام هؤلاء النسوة وأولئك الفلاحين تنجلي معه صرخة عميقة من قلب هذه الساكنة التي ترغب في التغيير وإنقاذ قطاعهم الزراعي وتحسين معيشتهم ورؤية مستقبلهم ومستقبل المنطقة. ثم مضينا في الغروب، فغادرنا المكان لنلتقي في شروق قريب فنسكب على الواقع ما رسم اليوم، وإنه حقًا ليوم مليء بالمغامرة قصد صون الحياة المعيشية لسكان دوار أكونس حياة أخّاذة بين المروج والثلوج…

 

 

 

التعليقات مغلقة.